المركزي التركي يعزز مصداقيته بالإبقاء على الفائدة دون تغيير

يوماً بعد آخر، تعكس أرقام الاقتصاد الكلي الواردة في تركيا مدى قتامة الصورة الاقتصادية.
فقد أظهرت بيانات الناتج الصناعي لشهر نوفمبر، والتي نشرت الأسبوع الماضي، انكماشاً في الإنتاج بنسبة 6.5 في المئة على أساس سنوي. وأظهرت الأرقام بوضوح حجم الانكماش الحاد في الناتج المحلي الإجمالي، على الرغم من جهود الحكومة لتعزيز الطلب من خلال تخفيضات ضريبة الاستهلاك، والتي امتدت الآن إلى عام 2019.
للوهلة الأولى، كانت بيانات الميزانية للعام الماضي، والتي صدرت في وقت سابق من هذا الأسبوع، تبدو مقبولة، إذ كان ينظر لها على أساس أن الحكومة قد حققت تقديرات العجز في نهاية العام، والتي تم تعديلها صعوداً في سبتمبر. ومع ذلك، فإن الانكماش السنوي بنسبة 70 في المئة في عائدات ضرائب المبيعات لشهر ديسمبر، إلى جانب زيادة بنسبة 20 في المئة في تكاليف الفائدة، من المرجح أن يكشفا ما هو آت في عام 2019. وخفض عجز الميزانية إلى الناتج المحلي الإجمالي بنسبة 1.9 في المئة في 2018 إلى 1.8 في المئة هذا العام، كما تتصور الحكومة، يبدو مهمة صعبة في واقع الأمر.
الحكومة مشغولة في محاولة تحفيز الاقتصاد من خلال تخفيضات الضرائب والقروض الرخيصة من خلال البنوك التي تديرها الدولة، لدرجة أن الأمر وصل إلى إنقاذ أندية كرة القدم. يحدث هذا قبيل الانتخابات المحلية التي تجرى في 31 مارس، حيث من المتوقع أن يفقد حزب العدالة والتنمية الحاكم الدعم الشعبي. ومع ذلك، يبدو أن البنك المركزي يقف صامداً، ويقاوم التحركات الشعبية من تلقاء نفسه.
في اجتماع لجنة السياسة النقدية أمس الأربعاء، أبقى البنك المركزي سعر الفائدة القياسي على عمليات إعادة الشراء (الريبو) لمدة أسبوع واحد دون تغيير عند 24 في المئة. وقال إنه على الرغم من بعض التحسن في توقعات التضخم، لا تزال هناك مخاطر على استقرار الأسعار. كان القرار متوقعاً على نطاق واسع، لذلك لم يكن من المستغرب أن يتحول تركيز المستثمرين إلى صياغة بيان البنك، الذي لم يغير الكثير عن اجتماعه السابق، عندما أبقى أيضاً على أسعار الفائدة دون تغيير وحافظ على تشديد السياسة النقدية.
في النصف الأول من العام الماضي، عندما كانت تركيا تسير نحو الانتخابات الرئاسية التي أجريت في 24 يونيو، لم يكن الرئيس رجب طيب أردوغان يخجل من الضغط على البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة. وقد استند في جداله إلى أن أسعار الفائدة المرتفعة كانت السبب وراء ارتفاع التضخم. وقد كرر هذا الزعم الخاطئ على تلفزيون بلومبيرغ في شهر مايو. وتبين أن تكلفة ذلك على الاقتصاد التركي مرتفعة للغاية بالفعل. وانخفضت الليرة إلى حالة من السقوط الحر لا تنتهي، وفقدت تركيا السيطرة على التضخم بسبب أزمة العملة، وفي شهر سبتمبر بلغ معدل تضخم أسعار المستهلكين نحو 25 في المئة، وكان تضخم أسعار المنتجين يتجه نحو الارتفاع إلى نسبة 46 في المئة. لقد ثبت خطأ نظرية الرئيس بسهولة حيث أعقب ارتفاع التضخم زيادة سعر الفائدة القياسي للبنك المركزي بمقدار 625 نقطة أساس، إذ عاد صناع السياسات إلى تشديد السياسة النقدية. وبالتالي فإن معدل ارتفاع الأسعار قد تباطأ.
تسير تركيا مرة أخرى نحو الانتخابات، وهذه المرة في ظل انكماش الاقتصاد بشدة. تؤثر أزمة العملة التي حدثت في العام الماضي على كل جزء من الاقتصاد. توقف الرئيس عن الضغط على البنك المركزي من أجل خفض أسعار الفائدة، وهو امتناع عن التدخل لم يعتد عليه كثير من المواطنين الأتراك.
لم يشر أردوغان بأي طريقة لها مغزى إلى سياسة البنك المركزي منذ نحو ستة أشهر. وقد أعطى هذا البنك المجال للعمل وفقاً للضرورات التي يحتاج إليها الاقتصاد التركي. وهكذا، فإن قرار أمس الأربعاء الإبقاء على أسعار الفائدة دون تغيير قد يكون عزز مصداقيته، التي كانت قد تراجعت في العام الماضي، نتيجة حالة من التردد وسط جميع الضغوط السياسية. ويبدو أن خطاب بيرات البيرق وزير الخزانة والمالية الداعم لاستقلال البنك المركزي قد ساعد في ذلك. يتسلق صهر الرئيس منحنى تعلم الاقتصاد منذ تعيينه كقيصر جديد على الاقتصاد التركي في شهر يوليو.
وشهدت الليرة ارتفاعاً طفيفاً أمس الأربعاء، حيث كسبت أكثر من واحد في المئة مقابل الدولار في وقت كتابة هذا التقرير، وهو أمر مهم لأنه أظهر أن السوق بدأت تؤمن بالبنك المركزي التركي بعد سياسات بائسة خلال العامين الماضيين. إن الاضطراب الذي عانى منه الاقتصاد في الصيف الماضي وارتفاع تكلفته السياسية قبيل الانتخابات المحلية قد يكون أيضاً قد علم الحكومة بعض الدروس.
في ظل هذه الظروف، مع اقتراب موعد اجتماع السياسة المقبل للبنك المركزي في السادس من مارس، تراجعت بشكل ملحوظ فرص تخفيض أسعار الفائدة قبل الأوان قبيل الانتخابات المحلية في 31 مارس. من المؤكد أن ذلك سيساعد على أداء الليرة، لا سيما في الوقت الذي يتجه فيه مجلس الاحتياطي الاتحادي في الولايات المتحدة (البنك المركزي الأميركي) إلى تأجيل المزيد من رفع أسعار الفائدة. مثل هذا الاستقرار في الليرة، وربما المكاسب، يمكن أن يساعد أيضاً على خفض توقعات التضخم، التي باتت صعبة المراس منذ أن فضل البنك المركزي والحكومة النمو على استقرار الأسعار.
ومع ذلك، فإن التضخم لم يُهزم بأي حال من الأحوال. وتستهدف الحكومة أن يصل تضخم أسعار المستهلكين إلى نسبة 16 في المئة بنهاية العام، ومن المرجح أن يظل معدل التضخم مرتفعاً في نطاق يتراوح بين 16 في المئة و18 في المئة خلال عام 2019.
علاوة على ذلك، فإن تركيا لديها مشكلة ديون شركات دون حل، على الرغم من الجهود المتضافرة من قبل البنوك لمساعدة الشركات على إعادة هيكلة القروض. كما أن تدهور جودة الموازنة يمثل مشكلة تتشكل منذ فترة، وسوف تصبح ملموسة أكثر مع مرور كل يوم. ومع ذلك، على الجانب الإيجابي، فإن عجز الحساب الجاري الضخم في تركيا، والذي بلغ ذروته عند 6.5 في المئة من الناتج المحلي الإجمالي في الصيف الماضي، سينكمش إلى مستويات لا تذكر في الصيف. ومع أن هذا التراجع بالكاد شيء يستحق الاحتفال به، فالسبب واضح ألا وهو الانكماش الاقتصادي الحاد.
ستكون فترة ما بعد الانتخابات حاسمة عند النظر في كيفية التعامل مع متطلبات التمويل في تركيا، والتي قد تكون كبيرة إذا كنا نريد ضمان سرعة التعافي الاقتصادي. إنّ من المرجح أن يحدد قرار الحكومة بالموافقة أو بعدم الموافقة على الاقتراض من صندوق النقد الدولي معدّل النمو الاقتصادي لسنوات عديدة قادمة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: