المشكلة أكبر من الجمرة الخبيثة في تركيا

بعد عطلة عيد الأضحى في أغسطس، استحوذت على تركيا سلسلة تقارير عن تفش لمرض الجمرة الخبيثة.
جاء التقرير الأول من مزرعة قرب أنقرة، تبعته تقارير من ست مدن أخرى في أنحاء متفرقة من البلاد ومنها إسطنبول. ورغم تطمينات من مسؤولي الحكومة إلا أن الناس لا تزال تشعر بقلق.
ولم يصدر بيان برقم رسمي لحالات الإصابة حتى الآن لكن يخضع عدد كبير من الناس للعلاج بعد اكتشاف إصابتهم بالمرض.
وفي الأسبوع الماضي، علم معهد الصحة العامة أن أكثر من 50 شخصا في حي ماماك بأنقرة خضعوا لاختبارات للاشتباه في إصابتهم بالمرض. ونفى مكتب حاكم أنقرة تلك المزاعم. 
وخرجت أحدث الأنباء يوم الجمعة من محافظة بدليس في جنوب شرق البلاد. وفي مؤتمر صحفي دعت إليه مجموعة من منظمات الصحة المحلية، جرى الإعلان عن وفاة طفل يبلغ من العمر 10 أعوام بعدوى معوية ترتبط بالجمرة الخبيثة. وعبر مسؤولون محليون بقطاع الصحة عن انزعاجهم.
هل واردات اللحوم الملوثة بالجمرة الخبيثة وسلامة الغذاء هما المشكلتان  الوحيدتان هنا؟ أم أن الجمرة الخبيثة هي فقط قمة جبل الجليد؟
قال خبراء إن السياسة التركية في القطاع الزراعي خاطئة مشيرين إلى أن المشكلات الفعلية هي الطرق التي يتم بها التعامل مع عمليات الاستيراد، ومعدلات التلامس المرتفعة، ونقص الخبرة لدى الجهات المقدمة للرعاية الصحية الوقائية.
تلك السياسات ومعها مخاطر ترتبط بسياسات وممارسات في إجراءات سلامة الغذاء، وضعت تركيا في مسار خطير باتجاه أزمة كبيرة في قطاع الصحة العامة.
قال أوزدن غونغور رئيس غرفة المهندسين الزراعيين إن هذه المشكلات نتجت عن تحول تركيا خلال 16 عاما إلى بلد يعتمد بشدة على الواردات.
وبدلا من إعداد سياسات زراعية صحيحة، ركزت الحكومة على الواردات فقط حتى بلغت قيمتها منذ عام 2002 إلى 185 مليار دولار حاليا.
وقال غونغور  "كل مشكلة نراها اليوم في سلامة الغذاء تأتي مباشرة من الواردات. يستطيع المستوردون الدخول على رأس المال الحكومي بشكل منتظم، وكل المعاملات المالية المرتبطة بالواردات تُمنح لشركات مؤيدة للحكومة".
وأضاف "بدلا من بناء إنتاج محلي، فإن الحكومة تُثري مؤيديها".
وباستثناء عدد قليل من المنتجات الحيوانية والزراعية، تفي تركيا باحتياجاتها من خلال الواردات. ونتيجة لذلك، تفتر عزائم المنتجين، ويسحقون تحت نير الديون الحكومية، وينتهي الحال مع الكثير منهم إلى وقف أنشطتهم. 
وقال غونغور "إن الحكومة لا تدعم المزارعين وأصحاب المزارع. وفوق كل هذا، فإن أسعار البذور، والمبيدات الحشرية، والأسمدة، والري، والعمالة، والوقود ارتفعت بشدة إلى مستويات كبيرة على نحو غير طبيعي.
وأضاف "يضع هذا المزارعين في موقف مستحيل، ولذلك يقدمون على بيع أراضيهم وماشيتهم ويرحلون إلى أماكن أخرى".
وأشار غونغور إلى بيانات وزارة الزراعة والغابات التي تقول إن عدد المزارعين تناقص في الفترة من عام 2002 وحتى 2017 بنحو نصف مليون مزارع، وإن عدد الأفدنة المزروعة تراجع أيضا بنسبة عشرة بالمئة.
ووفقا لبيانات معهد الإحصاء التركي ووزارة الزراعة فإن إجمالي الأراضي الزراعية بالبلاد يصل إلى 38.4 مليون هكتار 14.6 مليون منها مخصصة للرعي. لكن غونغور يقول إن هذه الأرقام غير دقيقة.
وأوضح "بمجرد تسجيل قطعة من الأرض للزراعة أو الرعي فإن الدولة تغض الطرف عنها ولا تتابع إن كانت تستخدم فعلا لهذا الغرض. وقد حولت الدولة كثيرا من هذه الأراضي إلى مساكن، ومناجم، ومحطات للكهرباء, وطرق".
كما أوضح أن المساحة الرسمية للأراضي المخصصة للرعي لم تتغير من عام 2002، لكن أرقام غرفة المهندسين الزراعيين تظهر أن 10.5 مليون هكتار قد خرجت من هذا النشاط.
وعندما تختفي الأراضي المخصصة للرعي، يضطر المزارعون لاستيراد العلف الحيواني. وقال غونغور  "ننتج فقط 180 ألف طن من الصويا من جملة 2.8 مليون طن مطلوبة للعلف الحيواني".
وأضاف "مئة بالمئة من الصويا التي نستوردها معدلة وراثيا. وينطبق الأمر أيضا على الذرة. وبإغلاق أبوابنا أمام استخدام الأراضي في الزراعة والرعي، وفتح الأبواب أمام الواردات فأمر حتمي أن تصاب الحيوانات بالمرض".
وزاد حجم الواردات التركية من اللحوم من 20 دولة مختلفة خاصة البرازيل وأوروجواي. وفي عام 2017، دخلت البلاد 280 ألف رأس ماعز و896 ألف رأس ماشية. 
وعندما بدأ استيراد اللحوم الحية في عام 2010، كانت الأمراض المعدية نادرة. وقال غونغور  إن سلسلة حالات العدوى بمرض الجمرة الخبيثة ما هي إلا بداية مشيرا إلى أن الفحص البيطري للحيوانات المستوردة غير كاف، وأن هذه الأمراض ستزداد فقط. 
وقد أثيرت المشكلة من قبل وزارة الزراعة التي يعمل بها حاليا أناس يفتقرون للخبرة. ويقل عدد الفحوص البيطرية كما أن الإجراءات الطبية الوقائية غير كافية، ولا تُجرى حملات التحصين بانتظام.
وقال طلعت غوزيت، رئيس جمعية الطب البيطري التركية، إن عدد الأطباء البيطريين يتراجع في كافة أنحاء البلاد.
وأوضح "كثير من هذه المشكلات هي خطأ الوزارة. ففي السابق، كانت التحصينات التي تعطى للحيوانات تخضع لمتابعة كبيرة، وكان يتم الإبلاغ عن أي مخالفات".
وأضاف "الآن لا أحد يقوم بذلك. انهار كل النظام والنتيجة هي المزيد من الحيوانات المريضة لدينا".
وقال غوزيت إن السياسة السيئة، والميزانية المحدودة، والبنية التحتية غير الملائمة هي جذور المشكلة مضيفا أن الأطباء البيطريين الذين يحاربون انتشار الأمراض يحتاجون إلى المزيد من الدعم. 
وأضاف قائلا "ما كان ينبغي أن تظهر الجمرة الخبيثة بهذا الشكل. هذا يعني أن التحصينات المطلوبة لم تتم. هذا يختلف عن الأيام الخوالي عندما كان البيطريون يمرون من بيت إلى بيت لتحصين الماشية".
وأضاف أن الجمرة الخبيثة كانت موجودة دوما في تركيا متمثلة في حالات كثيرة كل عام لكنه أشار إلى وجود 200 مرض حيواني آخر تملك القدرة على الانتقال إلى الإنسان، وأن بعض تلك الأمراض التي لم ترى من قبل في تركيا وصلت إلى البلاد في الحيوان الحية المستوردة. 
وحتى ستة أشهر ماضية كانت الدولة تعين خبراء بيطريين لفحص الحيوانات في دول المنشأ قبل تصديرها لكن هذه الممارسة توقفت.
وقالت غوزت إن المستوردين هم من أرادوا هذا التغيير لأنهم لم يرغبوا في دفع نفقات سفر للبيطريين.
وقال فيدات بولوت، رئيس غرفة الأطباء بأنقرة، إن سوق اللحوم المحلية قد هُجر لصالح الواردات مشيرا إلى أن الدولة تجاهلت عن عمد مشكلات منتجي اللحوم.
وأضاف "إن الشركات التي تستورد لحوما حيوانية في تركيا لا تدفع أي ضرائب الأمر الذي يجعل الاستيراد مربحا كثيرا. وفي المقابل، يخضع الانتاج المحلي للضرائب".
وقال إن الهدف كان الحفاظ على سعر اللحوم رخيصة أمام المستهلك لكن في الواقع فإن الشركات الضخمة  تزداد ثراء بينما يزداد فقر عشرات الآلاف من المزارعين وأصحاب المزارع.
وأضاف بولوت "أحد أسباب تفشي الجمرة الخبيثة هو أنه عندما يتم التضحية بالإنتاج المحلي من أجل الواردات فإنه يتعين علينا أن نبعد المتخصصين في الطب الوقائي ووغيرهم من مسؤولي الصحة العامة عن الساحة.
وأوضح قائلا "كثير من الأطباء البيطريين، والمتخصصين في الطب البيطري، ومهندسي الأغذية والزراعة ينتظرون العمل لكن وزارة الزراعة لم تعد توظف أي شخص. ويعني ذلك أن الإنتاج لا يخضع لأي عمليات فحص على الإطلاق".
ورغم التزامه بالإبلاغ عن أي ظهور لمرض الجمرة الخبيثة، إلا أن معهد الصحة العامة لم ينشر أي معلومات حتى الآن. ويقول بولوت إن التقديرات تشير إلى إصابة 60 حالة بالجمرة الخبيثة رغم عدم وجود تأكيد من الحكومة لهذا الرقم.
وشدد بولوت على أهمية التحديثات اليومية خلال وجود أزمة صحية عامة. وقال "المسؤولون يلتزمون الصمت بدلا من التحلي بالشفافية تجاه هذه القضايا. هذا أمر خاطئ. التهديدات التي تواجه الصحة العامة ملحة، وينبغي التصدي لها على الفور".


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/anthrax/problem-bigger-anthrax
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.