أحوال تركية
يونيو 26 2018

المعارضة التركية ضللت مرشحيها ومؤيديها

في أعقاب جدل واسع ومناقشات محتدمة حول شرعية النتيجة المتقاربة للاستفتاء الدستوري في تركيا في أبريل 2017، سعت أحزاب المعارضة إلى بذل قصارى جهدها في سبيل ضمان سلامة عملية التصويت في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي جرت يوم الأحد الماضي، ويمكن القول إنها نجحت بالفعل في تنظيم حملة فعالة من أجل تحقيق هذا الهدف.
ولتفادي ظهور نتائج مشكوك فيها مثلما حدث في أعقاب استفتاء 2017، عندما اتخذ المجلس الأعلى للانتخابات قرارا في اللحظة الأخيرة بقبول أوراق الاقتراع غير المختومة، خصص حزب الشعب الجمهوري العلماني وغيره من الأحزاب المعارضة للرئيس رجب طيب أردوغان موارد ضخمة لعملية مراقبة الانتخابات والتصويت.
وشكلت أحزاب المعارضة والنقابات والمنظمات غير الحكومية ما يسمى "بمنصة الانتخابات العادلة" لمراقبة الانتخابات بالتحديد. كما تمركز متطوعون من الأحزاب السياسية في مراكز الاقتراع لضمان عدم حدوث أي تزوير انتخابي. وقد بعثت جميع هذه الإجراءات برسالة واضحة مفادها أن الناخبين عليهم ألا يقلقوا حول أمن وسلامة أصواتهم.
وفي أكثر من مناسبة، تحدث زعيم حزب الشعب الجمهوري كمال كليجدار أوغلو عن رغبته في أن يذهب الناخبون إلى صناديق الاقتراع دون أي يخالجهم أي شعور بالقلق إزاء إمكانية التلاعب بأصواتهم.
لكن هذه الإجراءات والخطط، التي أدارها مجموعة من المتطوعين المتخصصين في تكنولوجيا المعلومات في مقر حزب الشعب الجمهوري، تحولت إلى كارثة حقيقية.
فقبل أسابيع من الانتخابات، أزاح الحزب إردال أكسونغر، المسؤول عن تكنولوجيا المعلومات والاتصالات في الحزب والذي جاء من المجلس التنفيذي المركزي الجديد (الهيئة العليا للحزب)، من منصبه لصالح أونورصال أديغوزيل، وهو عضو شاب في البرلمان وأحد الشخصيات المفضلة الجديدة لكليجدار أوغلو. كما تولى محمد علي شلبي، عضو البرلمان عن حزب الشعب الجمهوري، مسؤولية الإشراف على مراقبة وأمن صناديق الاقتراع، فيما استمر تونكاي أوزكان في منصبه نائبا لرئيس الحزب لشؤون الإعلام والاتصالات. 
وفي أول وظيفة له، أشرف أديغوزيل على إجراء تغييرات شاملة على الموقع الرسمي للحزب وإعادة تصميمه بالكامل قبل 20 يوما فقط من الانتخابات، وهو ما تسبب في تعذر الوصول إلى الموقع لعدة أيام، باستثناء خطابات كليجدار أوغلو، وذلك في خضم الحملة الانتخابية، وتحديدا في الوقت الذي بدأت فيه الحملة في اكتساب زخم طال انتظاره.
وعلى الفور، دشن المرشح الرئاسي لحزب الشعب الجمهوري محرم إينجه موقعه الإلكتروني الخاص به متضمنا بثا حيا لأنشطته ومقاطع فيديو لجولاته وكذلك روابط لقنواته على وسائل التواصل الاجتماعي. وتألف فريقه المعني بالوسائط الرقمية من 12 متطوعا شابا من المتخصصين في الإعلام الرقمي والتواصل الاجتماعي وخبراء في مجال الاتصالات عبر الإنترنت وأطلق على هذا الفريق اسم "الطابق العاشر". ونجح في الواقع هذا الفريق في فترة وجيزة في تحطيم العديد من الأرقام القياسية بفضل استقطابه للملايين من المشاركات والتعليقات والمشاهدات، مما جعل إينجه يحتل موقع الصدارة في وسائل التواصل الاجتماعي في تركيا.
وفي يوم الحسم، بدأت نتائج الانتخابات في الظهور شيئا فشيئا بدءا من الساعة 6:45 مساء يوم الأحد بعدما رفع المجلس الأعلى للانتخابات الحظر على بث أخبار الانتخابات يومها. وذكرت وكالة أنباء الأناضول التي تديرها الدولة أن أردوغان حصل على نحو 60 في المئة من الأصوات وبثت المزيد من التحديثات لاحقا. وفي غضون ذلك، أصاب منصة الانتخابات العادلة الجمود، وحتى الساعة العاشرة مساء، كان لا يزال موقع المنصة يعرض رسالة واحدة: "سنبدأ بنشر البيانات بمجرد رفع حظر البث".
ولأن عملية إدخال البيانات تلك كانت بطيئة للغاية واستغرق نشر النتائج ساعات طوال، لم يجد المتحدثون باسم حزب الشعب الجمهوري بدا من إخبار أنصار الحزب مرارا بألا يعتمدوا على النتائج التي تنشرها الأناضول، قائلين إن هذه النتائج تم التلاعب بها وإن المجلس الأعلى للانتخابات لم يفتح بعد هذا العدد من صناديق الاقتراع مثلما تزعم وكالة الأنباء الرسمية. وقال متحدث باسم حزب الشعب الجمهوري أيضا إنه على الرغم من أن الأناضول أوردت أن أردوغان حصل على أكثر من 50 في المئة من الأصوات، فإن النتائج التي أحصتها المعارضة تظهر حصول أردوغان على نسبة 46 في المئة وإينجه على 40 في المئة تقريبا.
وفي جميع تصريحاته أمام مقر حزب الشعب الجمهوري، رفع بولنت تزجان، نائب زعيم الحزب، سقف التوقعات بأن أردوغان لن يحصل على أكثر من 50 في المئة من الأصوات، وهي النسبة التي يحتاجها لتفادي خوض جولة ثانية من الانتخابات بعد أسبوعين.
وفي أثناء ذلك، خرج عن الخدمة الخط الساخن الذي كان شلبي يروج له بين الناخبين باعتباره أسرع وسيلة للإبلاغ عن أي تلاعب في صناديق الاقتراع. وتوقف الخط عن العمل لحظة بدء التصويت. ولم يجد المتصلون أو الأشخاص الذين أرادوا بعث شكاوى إلى الخط الساخن سوى رسالة واحدة تقول: "لا يمكننا قبول رسائل في هذا الوقت". وبالتالي، لم يتمكن أي شخص يرغب في إرسال أي شكاوى أو معلومات حول عملية التصويت من التواصل بأي طريقة مع فريق حزب الشعب الجمهوري.
وبعد بضع ساعات، بدأ موقع منصة الانتخابات العادلة أخيرا في بث النتائج، لكنها كانت مشابهة للغاية لتلك التي أوردتها وكالة الأناضول.
أما إينجه وفريقه فقد التزما الصمت بدافع الاعتقاد بأن الانتخابات الرئاسية ستشهد جولة ثانية، وذلك في ظل المعلومات والبيانات التي ذكرتها منصة الانتخابات العادلة والنتائج التي توصلت إليها إحصاءات حزب الشعب الجمهوري. ولهذا السبب، تعرض تزجان وأديغوزيل وإينجه للتضليل بشأن حقيقة الموقف، وهو ما دفعهم للاستمرار في إخبار مؤيدي الحزب، لوقت متأخر حتى منتصف الليل، بعدم "الوقوع في فخ تلاعب" وسائل الإعلام الرسمية.
بعدها، بدأ القلق يستشري بين أنصار الحزب المحتشدين خارج مقر حزب الشعب الجمهوري، خاصة مع عدم ظهور كليجدار أوغلو بأي شكل في الأرجاء. أما تزجان وآخرون فكان همهم الشاغل وقتها هو تجنب إمكانية مطالبة هذا الحشد الضخم باستقالة كليجدار أوغلو.
وفي الحقيقة، ظهر تزجان أمام الكاميرات مع أوزكان وأديغوزيل في وقت لاحق من هذه الليلة وقال، استنادا إلى النتائج التي حصل عليها وقتها، إن الانتخابات ستشهد جولة ثانية. وبمجرد سماع هذا الإعلان، بدأ الحماس يدب مرة أخرى بين أنصار الحزب الذين تجمعوا خارج مقره.
لكن في نهاية الأمر، اجتمعت نتائج كل من منصة الانتخابات العادلة ووكالة الأناضول على تحقيق أردوغان فوزا كبيرا في الانتخابات الرئاسية، ليبعث تزجان وفريقه برسالة شكر إلى أنصار الحزب قالوا فيها إن الانتخابات انتهت ونجحت في اجتياز اختبار الديمقراطية بمعاييرها. واختتموا الرسالة قائلين: "لا تنتظروا عبثا. اذهبوا إلى منازلكم واخلدوا إلى النوم. لقد خسرنا هذه الانتخابات".


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: