أرطغرل غوناي
أغسطس 14 2018

المعارضة التركية ونهاية السياسة القديمة

توقعت من الأحزاب السياسية في تركيا أن تنشر وتشارك تقييمات مفصلة لنتائجها بعد الانتخابات التي شهدتها البلاد في الرابع والعشرين من يونيو، وأن يتولى الصحفيون التعليق على تلك النتائج.

لكن الأمور لم تمضِ مثلما توقعت. فبدلا من إطلاق عملية تقييم واقعية، اختارت الأحزاب - التي لم يحقق أي منها نتائج ملفتة في الانتخابات - السير في طريق لا طائل من ورائه، قوامه الجدل وتبادل الاتهامات مع المنافسين.

لعل هذا أمر يمكن تفهمه من حزب العدالة والتنمية الحاكم، الذي احتفظ زعيمه رجب طيب أردوغان برئاسة البلاد، رغم تراجع عدد الأصوات التي حصل عليها بنسبة 8 بالمئة تقريبا مقارنة بالانتخابات السابقة.

حزب العدالة والتنمية ضمن كذلك تأييد البرلمان بمساعدة أحزاب شريكة في تحالف، بينها حزب الحركة القومية.

غير أن التجربة السابقة قد أثبتت أن التأييد من حزب الحركة القومية أمر لا يمكن الاعتماد عليه، ولا أحد يعي أكثر من أردوغان العراقيل والمشاكل التي قد تجلبها مثل هذه الشراكة، ويستحق الأمر متابعة دقيقة تحسبا لأي مفاجآت قد يحملها المستقبل القريب.

لكن ماذا عن المعارضة؟

في البداية يجب الإشارة إلى وجود جدل واختلاف حول استمرار وجود معارضة حقيقية تقف بصدق في وجه المواقف التي تتخذها حكومة البلاد.

فالأحزاب السياسية تبدو، كلها، عاجزة عن التحرك لتجاوز العوائق التي يضعها الحزب الحاكم، وهي في الواقع تلجأ لنفس اللغة التي يستخدمها حزب العدالة والتنمية، وتتبنى أفكاره وسياساته.

وبالتالي فإن أي معارضة تنغلق على نفسها، وتتصرف وفقا للحدود التي تفرضها الحكومة على حرية التعبير والحركة لا يمكن اعتبارها مرشحا حقيقيا لقيادة البلاد، بل ولا تعدو كونها جزءا مكملا للشكل الديمقراطي وادعاءات الحكام بحصولهم على شكل من أشكال الشرعية.

منذ حقق الفوز في انتخابات الرابع والعشرين من يونيو ليصبح أول رئيس تنفيذي لتركيا، استغل أردوغان السلطات الموسعة التي بات يتمتع بها بموجب النظام الجديد، وبينها سلطة الحكم من خلال إصدار مراسيم رئاسية، لإعادة رسم شكل النظام بأكمله، بما في ذلك إلغاء منصب رئيس الوزراء، الذي عاصرته تركيا منذ زمن السلاجقة.

الآن انتقلت السلطة من يد البرلمان إلى مجلس وزراء يختاره الرئيس، وهو أمر يعني ببساطة أنه سيكون صاحب الكلمة العليا على الحكومة بأكملها، إذ لم يكن برلمان البلاد يوما بمثل هذه القدر من العجز وقلة الفاعلية منذ تأسيس الجمهورية التركية عام 1923.

إن أثر الضرر الذي سببه تغيير النظام على البلاد واضح لكل ذي عين. فعلاقات تركيا المتردية مع الولايات المتحدة، أوثق حلفائها منذ منتصف القرن العشرين، وحفنة المشاكل التي تتسلل عبر الحدود من داخل الحرب السورية، والتراجع الحاد في مستوى الصناعات التركية، وفرار المستثمرين، والاعتماد على الواردات، وتردي مستوى الإعلام في البلاد، وكذا مستوى القضاء والتعليم، كل هذه عوامل تتداخل لترسم صورة عاصفة كاملة لا نهاية لها في الأفق.

وبينما تغرق البلاد في كارثة دستورية صنعتها الحكومة بيديها، فإن المعارضة تبدو غارقة بدورها في مشاكلها الداخلية ولا تفعل في المقابل أي شئ لحلها.

فما إن انتهت الانتخابات وتبينت نتائجها حتى وجد حزب الشعب الجمهوري، وهو حزب المعارضة العلماني الرئيسي، نفسه في وجه دعوات لعقد مؤتمر استثنائي، وكذلك أمام أزمة قيادة.

وبدلا من التركيز على الطريقة التي يمكن للحزب من خلالها الوصول إلى ناخبين مختلفين وتطوير سياساته من أجل تحقيق ولو بعض النجاح في الانتخابات المحلية المقررة في ربيع العام المقبل، اختار أعضاء الحزب الاقتتال على القيادة.

وهذا أمر لا عجب فيه من حزب الشعب الجمهوري، الذي اعتدنا منه الدعوة لمؤتمرات لا فائدة تذكر من ورائها بعد كل نجاح أو فشل.

هناك مثال صارخ على هذا شهدناه بعد الانتخابات المحلية التي جرت عام 1989، فحينها تفوق حزب الشعوب الجمهوري، الذي كان حينها يحمل اسم الحزب الاجتماعي الديمقراطي الشعبي وذلك بسبب عوائق قانونية، على جميع الأحزاب الأخرى المنافسة، محققا الفوز في كل الأقاليم الكبرى من دياربكر في الجنوب الشرقي إلى إديرين في الشمال الغربي.

وبعين واثقة من تحقيق ذلك الحزب للانتصار في الانتخابات العامة التالية، أخرج دينيز بايكال الأمين العام للحزب في ذلك الوقت من جعبته العديد من الذرائع لمنافسة زعيمه إردال إينونو في ثلاثة مؤتمرات منفصلة للحزب تلت الانتخابات المحلية، على أمل انتزاع زعامة الحزب وهو أمر كان من شأنه حمله لمنصب رئيس الوزراء.

صراع القوى هذا أضر كثير بالحزب وتسبب في حصوله على المركز الثالث حين أجريت انتخابات عامة في عام 1991.

وبعدها شارك الحزب الاجتماعي الديمقراطي الشعبي في الحكومة، لكن ليس كقائد لائتلاف حاكم بل كشريك صغير في ائتلاف بقيادة حزب الطريق القويم بزعامة سليمان ديميريل.

ربما كان هذا المشهد أشبه لكثير من المراقبين بموقف حزب الشعب الجمهوري في الأسابيع الأخيرة، حيث يبذل محرم إينجه مرشح الحزب في الانتخابات الرئاسية التي جرت في الرابع والعشرين من يونيو، كل ما يمكنه مستفيدا من الدعم الذي حصل عليه من أجل الإطاحة بالزعيم الحالي للحزب كمال كليجدار أوغلو، الذي يرفض باستماتة التخلي عن المنصب رغم أنه قضى فيه ثماني سنوات لم يحقق فيها الحزب سوى نتائج مخيبة في الانتخابات المختلفة.

لم يعد لمنصب رئيس الوزراء وجود إذاً، وربما يتطلع أعضاء حزب الشعب الجمهوري الآن لمجموعة من المقاعد التي يعتقدون أن حزبهم سيحصل عليها في الانتخابات المحلية.

والحقيقة أنه لا ينبغي لهم الاعتقاد بأن هذا أمر مضمون، فالحزب يخاطر بتكرار تجربته الأليمة في 1991 إن لم يتعلم من أخطاء الماضي.

وهناك شئ مهم واحد إن حدث فستكون معركة الزعامة الدائرة بين إينجه وكليجدار أوغلو قد أسست التأسيس لأمر لا سابق له في تاريخ الحزب، منذ نشأته الأولى، وهو معاقبة العناصر المنافسة على زعامة الحزب بالطرد من صفوفه.

لكن كليجدار أوغلو، الذي صمد في وجه محاولتين سابقتين من إينجه لمنافسته على زعامة الحزب، قد اختار تصعيد غريمه ليكون مرشحا عن الحزب في الانتخابات الرئاسية.

كان من الطبيعي أن تؤدي هذه الخطوة ذات الدلالة إلى تعزيز الترابط والتصالح داخل الحزب مرة أخرى، لكن الجميع اختار للأسف العودة للطبيعة الهدامة القديمة بإشعال صراع داخلي، وهي حقيقة مؤلمة، ليس فقط لحزب الشعب الجمهوري، بل للديمقراطية التركية بشكل عام.

هناك أيضا الحزب الصالح الذي تأسس العام الماضي، واعتبره البعض الحزب الذي سيلعب دور كتلة يمين الوسط الغائبة عن السياسة التركية منذ عام 2011، لكنه تحول الآن إلى خيبة أمل عارمة.

وتجدر هنا الإشارة إلى أن يمين الوسط هو تيار سياسي عانى في تركيا للسير لمواكبة العالم الحديث، مع تصرفه بمكر ودهاء لمراعاة الحساسيات لدى التيارات المحافظة واسعة الانتشار داخل البلاد.

كان هذا تقليدا سارت عليه أحزاب مثل الحزب الديمقراطي وحزب الطريق القويم، وحققت نجاحا كبيرا في تركيا منذ الأيام الأولى للنظام الديمقراطي متعدد الأحزاب عام 1950 إلى أن بدأت حقبة حزب العدالة والتنمية عام 2001.

لكن الحزب الصالح، وبدلا من اقتفاء أثر هذه الأحزاب اختار لنفسه الظهور بمظهره الحقيقي ككيان منشق عن حزب الحركة القومية اليميني المتشدد.

ما كنا نحتاجه هو حزب جديد يتمتع بقبول واسع وليس حزبا ينافس حزب الحركة القومية على الأصوات. ومثلما يحدث دائما في حالات الأحزاب المنشقة، فإن الحزب الصالح فشل في تحقيق النجاح المرجو.

ومثلما حدث في حالة حزب الشعب الجمهوري، فإن الاحتمالات تبدو ضئيلة ليعي الحزب الصالح مشاكله ويتصرف انطلاقا من الحاجة لمنهج سياسي جديد.

الأحزاب السياسية هي الأطراف السياسية المشاركة في العملية السياسية بالبلاد، لكن الأحزاب الحالية الموجودة في تركيا أثبتت أنها غير قادرة على التخلي عن عاداتها القديمة، ولجأت بالتالي لتقليد هياكل حزبية يسير عليها من يعارضونهم.

لقد ثبت بالدليل والتجربة أنها كيانات عاجزة عن إحداث أي تغيير.

ووسط هذا المشهد، فإن الاستنتاج الإيجابي الوحيد الذي يمكن أن يبث في نفوسنا الأمل للخروج من هذه المرحلة حالكة السواد هو معرفتنا بأن العالم لا يتغير من خلال التمسك بالسياسات القديمة، بل بنشر أفكار جديدة وتبنيها.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/chp/turkeys-opposition-and-end-old-politics
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.