المعارضة تحذر من تسليم حزب العدالة والتنمية أسرار تركيا لماكنزي

بعدما عرض "البرنامج الاقتصادي الجديد" على المستثمرين في مؤتمر مجلس الأعمال التركي الأميركي في نيويورك يوم الخميس، أثار وزير الخزانة والمالية التركي بيرات البيرق انتقادات شديدة في تركيا بإعلانه أن البرنامج سيكون تحت إشراف شركة الاستشارات الإدارية الأميركية ماكنزي.
وكال الرئيس رجب طيب أردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم الانتقادات للمعلقين والمؤسسات المالية الغربية هذا العام بسبب توقعاتهم المتشائمة لاقتصاد تركيا.
وبرغم ذلك فقد قال البيرق إن إحدى تلك المؤسسات ستنضم إلى "مكتب الانفاق والتحويل" إلى جانب ممثلين عن كل الوزارات التركية الست عشرة وستجري فحوصا شاملة ربع سنوية لتحديد ما حققه البرنامج الاقتصادي الجديد من أهداف.
واستنكر أكاديميون وسياسيون وبيروقراطيون متمرسون من حكومات سابقة تسليم البرنامج الاقتصادي الجديد، إلى جانب إدارة المؤسسات الاقتصادية والمالية للدولة والإشراف عليها إلى شركة أميركية خاصة، ووصفوا ذلك بأنه إجراء خاطئ ينطوي على مخاطرة ويفتقر إلى الشفافية.
ويرى عزيز كونوكمان، أستاذ الاقتصاد بجامعة غازي في العاصمة التركية إسطنبول، أن اختيار ماكنزي يقوض ما ذكره حزب العدالة والتنمية بشأن اقتصاد تركيا، عندما ألقى باللوم في هبوط الليرة وارتفاع التضخم هذا العام على هجمات اقتصادية مزعومة من قوى أجنبية.
وقال كونوكمان "تنشر موديز، أو ستاندرد آند بورز، أو فيتش أو منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية أو صندوق النقد الدولي تقارير أو تصدر تحذيرات بشأن الاقتصاد التركي ويتهمها (حزب العدالة والتنمية) بالتلاعب".
وأضاف "مع ذلك فإن ماكنزي، شأنها شأن (الكثير) من تلك المؤسسات، هي شركة استشارات استثمارية وإدارية أجنبية خاصة. إنها تتاجر بالمعلومات والخبرات".
ويعتبر كونوكمان أن البيرق، بإنشائه مكتب الانفاق والتحويل، مزق بشكل خطير النظام الإداري الذي أسسه صهره أردوغان بمرسومه الرئاسي الأول الذي وقعه في يوليو.
وربط النظام الكثير من المؤسسات الهامة في البلاد بالرئاسة، ليمنح أردوغان سيطرة لا نظير لها على إدارة الاقتصاد التركي.
وقال كونوكمان إن إنشاء مكتب الانفاق والتحويل أسس هيئة جديدة وقوية تملك أيضا سلطة صنع السياسة.
وأضاف أستاذ الاقتصاد "بموجب نموذج البيرق الجديد، سيقوم المكتب بتحويل وإعادة هيكلة الدولة، وهو ما يعني أن هذا المكتب سيملك سلطات تنفيذية. وماكنزي هي من سيقدم المشورة والتوجيه للمكتب".
وقال "سوف تتبع 16 وزارة والمؤسسات الأخرى ذات الصلة تعليمات مكتب الانفاق والتحويل، وستقوم ماكنزي بأعمال التدقيق في حسابات الدولة كلها، وتعطي أوامر وتطلب بيانات".
وذكر أن القرار يصل إلى حد "التسليم التام" لشركة أجنبية، نظرا لأنه علاوة على منحها سلطات التدقيق في الحسابات التي كانت تقتصر  عادة على البرلمان التركي، فسوف يتيح لها أيضا الوصول إلى معلومات سرية بخصوص كل شيء من البنوك المملوكة ملكية عامة في الدولة إلى صناعة الدفاع الوطنية.
وقال "يقولون إن بوسعهم حفظ الأسرار، لكن لا يوجد ما يضمن عدم المتاجرة بتلك المعلومات... ماكنزي في النهاية ليست مؤسسة خيرية. اهتمامها الرئيسي ليس حماية بيرات (البيرق) أو حَميه، وإنما جني أرباح".
فضلا عن ذلك، قال كونوكمان إن سجل الشركة ليس ناصعا. وتشمل فضائحها في الماضي، الاستعانة  بها كشركة استشارية من جانب شركة إنرون، وهي شركة الطاقة التي وقعت بينما كانت تحت إشراف ماكنزي في ممارسات مريبة للغاية وتلاعب في سوق الأسهم قبل انهيارها في عام 2002. وتورطت الشركة أيضا في فضيحة فساد بعدما وقعت أكبر عقد لها على الإطلاق مع شركة إسكوم، وهي شركة الطاقة المملوكة لحكومة جنوب أفريقيا في عام 2015.
وبرغم ذلك، قال كونوكمان إن أردوغان والبيرق أثارا بالفعل قلق السوق بسلسلة من التحذيرات، بعدما أثارا شكوكا خطيرة حول استقلال البنك المركزي التركي ومخاوف من أن البلد يدار بشكل اعتباطي ودون شفافية.
وقال أستاذ الاقتصاد "إنهم يأملون في أن يتسنى لهم استغلال تقارير ماكنزي الربع سنوية لإقناع الأسواق والمستثمرين الأجانب واستعادة االثقة من جديد وجذب الاستثمار. يأملون أن تتمكن ماكينزي من مساعدتهم. لقد تحدثوا مرارا وتكرارا عن استهداف القوى الأجنبية للاقتصاد التركي، والآن ذهبوا وسلموه على طبق من فضة لماكنزي".
وعبر آيتون تشيراي نائب رئيس الحزب الصالح، حزب المعارضة القومي، عن مخاوف مماثلة.
وقال تشيراي "لأحوال تركية" إن "تسليم كل أسرار الدولة الاقتصادية لشركة أجنبية خاصة غير مقبول مطلقا".
وأضاف "ما الذي يضمن أن تحفظ ماكنزي أسرار تركيا الاقتصادية، إذا كان من مصلحة العملاء الآخرين للشركة (الأميركية) أو بلدها الحصول عليها".
وقال تشيراي إنه فوق كل ذلك، فإن حقيقة أن الفرع التركي لماكنزي في أنقرة يديره علي أوستن صهر الوزير السابق عن حزب العدالة والتنمية بشير أتالاي تثير شبهات في وجود معاملات خفية وراء الاتفاق.
وقال فائق أوزتراك نائب رئيس حزب الشعب الجمهوري، حزب المعارضة الرئيسي اليساري، إن وضع ماكنزي في مكتب الإنفاق والتحويل يرقى إلى حد شكل من أشكال الوصاية التي شبهها بإدارة الدين العام التي فرضها المقرضون الغربيون على السلطان العثماني عبد الحميد الثاني أثناء إفلاس الإمبراطورية في أواخر القرن التاسع عشر.
وكان جوناي كوبيلاي، نائب الرئيس المشترك لحزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد من بين العديد من السياسيين البارزين الذين عبروا عن القلق من قرار قيادة حزب العدالة والتنمية المتناقض بالاستعانة بشركة أميركية في هذا الدور الحساس بعد شهور من توجيه الانتقادات للولايات المتحدة.
وقال كوبيلاي "لماذا هذا الإذعان لشركة من بلد قدموه للعامة باعتباره قوة أجنبية ظلامية، بل وعدوا؟"
وتساءل قائلا "هل لقيادة حزب العدالة والتنمية صلة بهذه الشركة، وهل تتنافس أي شركات استشارية أخرى على هذا الدور؟"
كما شكك دورموش يلماز النائب عن الحزب الصالح والمحافظ السابق للبنك المركزي التركي، في الاتفاق مع ماكنزي الذي وصفه بأنه محاولة لتنفيذ برنامج لصندوق النقد الدولي دون مشاركة مباشرة من الصندوق.
وقال يلماز "بدلا من إجراء تدقيقات ربع سنوية على يد مسؤولي صندوق النقد الدولي، يبدو أنها ستتم على يد ماكنزي. غير أنه، بينما يضمن صندوق النقد الدولي أيضا تمويلا، فالأمر ليس كذلك مع ماكينزي. ليس واضحا من أين ستأتي الأموال".
وأضاف "لم تدرك الحكومة حتى الآن خطورة الوضع الاقتصادي. إنهم يرتكبون خطأ تلو الآخر".
وأثارت عاصفة الانتقادات ردا من وزارة الخزانة والمالية التي تتهم منتقديها بانتهاز تعيين الشركة الأميركية بشكل خبيث لأغراض سياسية رخيصة. وسواء أكان هذا هو الحال، أم أن الأمر سينتهي بمغامرة ماكنزي التركية بفضيحة مشابهة لفتراتها مع إنرون وفي جنوب أفريقيا، فهذا ما يبقى أن ننتظر لنراه.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkeys-economy/critics-warn-akp-has-handed-turkish-economic-secrets-us-consultancy-firm-mckinsey