Nesrin Nas
يناير 20 2019

المعارضة في تركيا تُبدي خضوعها للحزب الحاكم قبل الانتخابات المحلية

 

على الرغم من معرفتنا جميعًا بمدى انزعاج النظام الحاكم في تركيا من الذين يطالبون بالسلام وتطبيق القانون وإطلاق الحريات، ومن الذين يريدون منها أن تتحرى الشفافية في تعاملها، إلا أننا كنا نظن أن وضعًا كهذا لن يستمر طويلًا، أو لنقل إنها لن تتمكن من التمادي في سلوكها مدة أطول، وبناءً على هذا ذهبنا جميعًا إلى صناديق الانتخابات في استفتاء 24 يونيو، حاملين هذا الأمل. ولكن سرعان ما تبدد هذا الأمل، ونحن نصغي إلى خطابات رئيس حزب المعارضة الرئيس، ونتابع سلوكه خلال تلك الفترة.
تحدث رئيس حزب المعارضة الرئيس "الشعب الجمهوري"، تعليقًا على عدم استقالة رئيس البرلمان قائلًا "لا نرى هذا الأمر صحيحًا، ولكننا لن نجري الانتخابات عن طريقه". بدا في حديثه، كأنه يتحدث عن أمر بسيط، لا ينطوي على مخالفات دستورية صريحة.
لم يقف الأمر عند هذا الحد؛ حيث صدر تصريح آخر عن نائب حزب المعارضة عن مدينة إسطنبول قال فيه "ينطوي هذا الأمر على تقدير لرئيس مجلسنا المحترم"، وكأنه نسي أو تناسى أن الدستور، الذي ألقوا به في سلة المهملات، هو وحده مصدر التشريع، وبه وحده تنعقد الانتخابات. وجاء تصريح مرشح حزب العدالة والتنمية عن مدينة إسطنبول ورئيس مجلس النواب بن علي يلدريم ليكمل حلقة الهذيان عندما قال "انتخابات رئاسة البلديات ليست نشاطًا سياسيًا من الأساس".
لم تكتفِ الإدارة في حزب الشعب الجمهوري بهذا؛ إذ صرَّح نائب رئيس تكتل المعارضة في البرلمان أوزغور أوزال بأن "عدم استقالة بن علي يلدريم نقطة سوداء كبيرة في تاريخنا السياسي، ولكن يتعين علينا ألا يؤثر هذا على سير الانتخابات وعملية التصويت في إسطنبول"؛ ليعلن بذلك صراحةً أن المعارضة لم ولن تتخطى الخط الأحمر الذي رُسِمَ لها من قِبَل النظام الحاكم. 
أعتقد أن مراد سيفينج (مرشح حزب الحركة القومية) كان محقًا في قوله "لا ينظر إلينا النظام الحاكم أو لأحزاب المعارضة باعتبارنا مواطنين شركاء له في هذا الوطن". نحن بالفعل لسنا شركاء له في هذا الوطن؛ إذ تحوَّلنا خلال السنوات الأربع أو الخمس الماضية إلى مجرد رؤوس تُعد لدى ذهابنا للإدلاء بأصواتنا". لم يعد كل حزب مهتمًا إلا بمخاطبة مؤيديه فقط؛ كي يسوقهم إلى حلبة الانتخابات.
أما الآخرون، الذين تُنتزع حقوقهم كل يوم، ويحاكمون دون تقديم لائحة اتهام، ويقبعون شهورًا في السجون، وكذلك الفنانون والمثقفون والأكاديميون والطلاب والصحفيون والأكراد، الذين تُلفَّق لهم تهم الإرهاب جزافًا بسبب معارضتهم للنظام الحاكم، فلا يهتم أحد بأمرهم.
يفعلون ذلك، ولا يلقون بالًا بتطبيق المبادئ الدستورية الواضحة. ولأنهم يعتبرون الدستور والعدم سواء، لم تجرؤ الغالبية العظمى من المجتمع التركي على الإعراب عن تطلعها لمستقبل أفضل. 
يوجه حزب المعارضة، الذي يظن نفسه حزبًا سياسيًا داخل الدولة، متغافلًا عن حقيقة أن أردوغان صار نفسه هو الدولة، نداءه إلى الناخبين المؤيدين لحزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية فقط، ولا يدري أنه بهذا يضفي نوعًا من الشرعية على خطوات النظام الحاكم، التي تنتهك مبادئ الدستور باستمرار. والأدهى من ذلك أنه يقول على الذين ينادون بالحرية والديمقراطية إنهم "محسوبون على حزب الشعب الجمهوري".
والغريب في الأمر أيضًا أن حزب الشعب الجمهوري يعلن تارة أنه لا يثق في اللجنة العليا للانتخابات، ثم نراه يدعو الناخبين "المحسوبين على الحزب" للتوجه إلى صناديق الاقتراع تارة أخرى.
والواقع أن مبادئ الدستور صارت في حكم العدم في تركيا منذ فترة طويلة؛ فعلى سبيل المثال، لم يستقل أردوغان من رئاسة الحزب عندما جرى انتخابه رئيسًا للبلاد، وفي هذا مخالفة صريحة للدستور؛ الأمر الذي وصفه رجال القانون والحقوقيون بأنه "ضربة للدستور". وعلى الرغم من أن حزب الشعب الجمهوري كان من بين المعترضين على هذا في ذلك الحين، إلا أنه لاذ بالصمت، بل وكان من بين الذين وقفوا لتحية أردوغان عندما جاء ليلقي كلمته في البرلمان.
أدرك أردوغان، الذي أعاد للأذهان صورة انتخابات السابع من يونيو بما يقوم به الآن من مفاوضات استكشافية مع رؤساء الأحزاب، مدى الحدود التي يمكن لحزب الشعب الجمهوري أن يرتقي إليها، أو لنقل إنه اكتشف قصر رؤيته السياسية.
ومن ناحية أخرى، أفاد أردوغان كثيرًا من غياب دولة القانون، وعدم وجود لاعب سياسي يستطيع مباراته على الساحة الآن، في وقت لم نعد نرى صوتًا للمعارضة الرئيسة يشكو من هذه الفجوة المُختَلقة، والتعسف المتزايد من جانب الحزب الحاكم؛ لأنه لم يعد من رجال السلطة من يهتم لعدم وجود معارضة قادرة على فهم تطلعات المجتمع بعد تدمير المؤسسات والمجالس القائمة في الدولة. أضف إلى هذا أن السلطة الحاكمة لم تعد تخشى المساءلة من جانب أحزاب المعارضة، عندما تتدخل في أي أمر لا يروق لها لتغييره حتى إن كان في هذا مخالفة للقانون.
من ناحية أخرى، فشلت المعارضة، حتى اليوم، في تكوين تحالف قوي يعبر عن تطلعات جميع طوائف الشعب، ولم تتمكن من مراقبة العملية الانتخابية؛ بحيث تخرج عادلة متكافئة نزيهة معبرة عن الاختيار الصادق لأبناء الشعب التركي.
لا يزال أردوغان مستمرًا، حتى اليوم، في اتباع سياسته نفسها مع المعارضة من إغفال الدستور، والقضاء على شرعية الانتخابات لتتحول بذلك إلى انتخابات الحزب الواحد.  
لم تضع المعارضة الرئيسة في تركيا أمام جمهور الناخبين سوى خيار واحد هو "ستمنحون أصواتكم واحدًا تلو الآخر"، غير مدركة أن كل خطوة تخطوها للتقرب إلى الناخبين الإسلاميين- المحافظين-القوميين، وطرح مرشحين لها يؤيدون هذه الرؤية، سيبعدها كثيرًا عن الناخبين المؤيدين لها من الأساس.
والشيء الغريب كذلك أننا نسمعهم يقولون "إن عدم التصويت هو تصويت لصالح حزب العدالة والتنمية" ثم نراهم، من ناحية أخرى، يقلدون حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية؛ ظنًا منهم أنهم بهذا سيجذبون الناخب إلى صناديق الاقتراع.
والواقع أن السبيل الوحيد أمام أحزاب المعارضة لكسب ثقة جمهور الناخبين من حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية لن يكون عن طريق القبول بالأمر، وغض الطرف عن الانتهاكات السياسية والقانونية الأخرى، وإنما عن طريق مخاطبة الجماهير بأن مصدر جميع مشكلاتنا، من الاقتصاد إلى السياسة، ومن الأمن إلى وحدتنا المجتمعية، إنما يكمن في ممارسات السلطة الحاكمة المناهضة لمبادئ القانون والسياسة.
إذا توقفت عجلة الاقتصاد اليوم عن الدوران، فمن الطبيعي أن نسبة البطالة سترتفع، هي الأخرى، تبعًا لذلك. وبالمنطق نفسه، إذا تدافع الشباب من أجل الفرار من هذا البلد، وإذا تتالى سقوط الشركات الواحدة تلو الأخرى، وإذا أثقلت الديون كاهل المواطنين، واكتظت السجون بالمسجونين، وإذا تعرَّض المثقفون والفنانون والأكاديميون، الذين يرسمون مستقبل البلاد للتنكيل والسجن، وإذا استأثرت فئة قليلة من الموالين للحزب الحاكم بكافة المزادات والمشروعات، وإذا أصبح استثمار السجون هو الاستثمار الأكثر أهمية في البلاد، وإذا فقدنا اعتبارنا، وفقد الخارج ثقته فينا، وإذا خضع الجميع من المنتمين إلى حزب العدالة والتنمية إلى أنصار حزب الشعب الجمهوري، ومن أنصار حزب الحركة القومية إلى مؤيدي حزب الشعوب الديمقراطي، فاعلموا أن تهميش الدستور، وتعطيل العمل بمعاييره، هو السبب الحقيقي وراء هذا كله. 
 
ولكن إذا أردنا الحل، فحينها يجب على المعارضة أن تتحلى أولًا بالشجاعة، وأن تمنح الأمل للمجتمع. وهذا لن يتأتى إلا بتجاوز الخطوط التي رسمتها لها السلطة الحاكمة بمنح الثقة للمجتمع من جديد، والبحث عن حلول للمشكلات الحقيقية للمجتمع، والتذكر وتذكير من حولها أن الانتخابات نشاط سياسي على درجة كبيرة من الخطورة، والتصدي قبل هذا كله لتهميش القانون، وإغفال مبادئ الدستور.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/yerel-secimler/pesinen-itaat-eden-bir-muhalefet-ve-secimler
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.