أبريل 24 2019

المناورات العسكرية التركية تدمّر الحياة البحرية بإيجه والمتوسط

إسطنبول – تسببت المناورات العسكرية التركية التي حملت اسم "الوطن الأزرق 2019" التي كانت الأكبر في تاريخ تركيا بأضرار فادحة للبيئة والحياة البحرية في بحري إيجه والمتوسط، بحسب ما يلفت خبراء البيئة.

وبالرغم من مرور أسابيع هادئة منذ أجرت البحرية التركية مناورات هي الأكبر في تاريخ البلاد، يحاول خبراء البيئة تحديد ما إذا كانت المناورات البحرية العسكرية قد أدت إلى أي نوع من الأضرار بالحياة البحرية في إيجه والمتوسط أو لا.

وشهدت المناورات التي استمرت عشرة أيام والتي حملت اسم "الوطن الأزرق 2019" مشاركة أكثر من 100 سفينة حربية، وجرت في كل من البحر الأسود وبحر إيجه وشرقي البحر المتوسط.

ولكن الحديث عن هذه المناورات بدأ يتخذ منحى مختلفا في الآونة الأخيرة في أعقاب نشر وزارة الدفاع التركية مقطع فيديو على موقع "تويتر" للتواصل الاجتماعي يظهر عددا من الدلافين وهي تقفز مرحا في المياه حول السفن الحربية، على وقع موسيقى تصويرية عاطفية.

وكانت الرسالة واضحة، ومفادها: الجيش التركي يتسم بحساسية هائلة عندما يتعلق الأمر بالحفاظ على البيئة. ولكن، ما الذي كان يجرى بالضبط؟

منذ انتهاء المناورات، جرى العثور على 15 من الدلافين، على الأقل، وقد جرفتها المياه إلى شواطئ بحر إيجه وقد نفق العديد منها، وربما كان الضحايا أكثر من ذلك، فمن المرجح أن أسماك البحر التهمت عددا آخر من الدلافين قبل أن تحملها مياه البحر إلى الشاطئ.

وعندما دقت المنظمات المعنية بحماية البيئة ناقوس الخطر، أسرعت الصحافة اليونانية ووجهت أصابع الاتهام لأجهزة السونار (المسبار البحري)، أو أجهزة الاستشعار التي تستخدم الموجات الصوتية لتحديد مواقع الأشياء تحت سطح الماء، والتي استخدمت خلال المناورات البحرية، بأنها المسؤولة عن نفوق الدلافين.

وتقول الطبيبة البيطرية ناتاشا كومنينو، الأستاذة في "جامعة سلانيك": "ليس هناك دليل على ذلك."

وكومنينو، العضو في منظمة "آريون" المعنية بالبيئة والمتخصصة في حماية الحيتان والدلافين، شديدة الانتقاد لما يتردد عن تأثير الموجات الصوتية على هذه الكائنات البحرية، وتؤكد عدم وجود دليل على الإطلاق أن لهذه الأجهزة علاقة بنفوق الدلافين.

وتقول كومنينو: "ما دام الحال هكذا، فلا نستطيع أن نقرر الأسباب".

ويعمل الخبراء بالفعل في هذا الإطار.

ومن المعروف أن إشارات السونار القوية لها تأثير ضار على الثدييات، وفي أسوأ الحالات، يمكن أن تؤدي الموجات الصوتية إلى تلف أنسجة المخ والرئتين، بحسب ما أوضحه عالم الأحياء المائية الألماني بوريس جوليك كما يمكن لهذه الموجات أن تسبب أضرارا أخرى غير مباشرة.

ويقول جوليك: "تستخدم البحرية موجات صوتية قوية من أجل الحصول على صور سمعية للمنطقة المحيطة، حتى في المياه الموحلة أو المظلمة، وعلى مسافات بعيدة. أما بالنسبة للدلافين، فيمكن لهذه الموجات أن تؤدي إلى إصابتها بالصمم على المدى القريب، أو حتى إلى ضرر دائم في السمع."

وربما يؤدي ذلك إلى أن تتضور هذه الحيوانات جوعا، حيث أنها تحدد موقع الأشياء عبر الصدى أثناء عملية الصيد، كما تعتمد على حاسة سمع حساسة للغاية لتحديد الأصداء الضعيفة للفريسة.

وتم العثور على أحد الدلافين الـ 15 في الرابع من أبريل الجاري على ساحل جزيلة "سكوبيلوس" اليونانية، وقد كان بعد لا يزال حيا، وحاول رواد الشاطئ إعادته إلى المياه مجددا.

إشارات السونار القوية لها تأثير ضار على الثدييات
إشارات السونار القوية لها تأثير ضار على الثدييات

وقال ديمتريس بابايوانو، وهو طبيب بيطري من جزيرة "سكوبيلوس": "كان الدولفين مريضا للغاية وبائسا لدرجة أنه لم يرغب في العودة إلى داخل البحر، وفضل البقاء في المياه الضحلة."

وأضاف بابايوانو أنه يتعين عدم تدخل أي شخص حين يرى أحد حيوانات الدولفين مريضا، ولكن عليه بدلا من ذلك إبلاغ خفر السواحل أو أي طبيب بيطري، حيث أن محاولة إعادة الدولفين إلى المياه ربما تسبب له معاناة غير ضرورية.

وأوضح بابايوانو أن هذا الدولفين لم يكن يتضور جوعا ولم يبد عليه الهزال، بل كشف الفحص الأولي أنه كان يعاني من التهاب في الرئتين.

وقال: "بالتأكيد، لم يكن للأمر علاقة بالسونار"، وجرى إرسال عينات من الدولفين إلى "جامعة سلانيك".

وأضاف: "ثمة افتراض أن الحيوانات (الدلافين) أصيبت بفيروس، ولكن حتى هذا لم يؤكد".

وليس لدى الخبراء الآخرين أي تأكيد، وتقول أناستازيا ميليو، من معهد "أرخيبلاجوس" للحفاظ على الحياة البحرية بجزيرة "ساموس" اليونانية، شرقي بحر إيجه:" الأرقام مرتفعة."

وجرى العام الماضي العثور على اثنين من الدلافين نافقين، في نفس هذا التوقيت.

وتوضح ميليو: "لا نرى دليلا على أن أجهزة السونار أدت إلى نفوق الحيوانات، ولكن لا يمكن نفي وجود علاقة بالمناورات، من حيث التوقيت والموقع."

وتؤكد ميليو أنه من المهم بمكان تحديد ما إذا كانت المناورات البحرية العسكرية قد أدت إلى أي نوع آخر من الأضرار.

وفي الوقت الذي يعد فيه التحقيق الذي يجرى في اليونان في بدايته، توصل تحقيق مماثل في فرنسا إلى استنتاجات بالفعل.

وتُلقي منظمة "بيلاجيس" المعنية بالحفاظ على البيئة، بالمسؤولية على الشباك المستخدمة في صيد الأسماك في نفوق حوالي 1000 من الدلافين التي جرفتها المياه إلى الساحل الفرنسي على المحيط الأطلسي في الفترة بين يناير ومارس الماضيين.

وأعلن وزير البيئة الفرنسي فرانسوا دو روجي الشهر الماضي برنامج عمل في هذا الشأن يستمر حتى نهاية العام الجاري، ولكنه لم يتضمن أي خطوات ملموسة.

وفي الوقت الذين تشير فيه المنظمات المعنية بالبيئة إلى الافتقار إلى الرقابة المحكمة، والعقوبات الرادعة، تقول اللجنة الإقليمية لصيد الأسماك في "بريتاني" بشمال غرب فرنسا إن الزيادة في أعداد الدلافين مسؤولة أيضا عن زيادة الحيوانات النافقة.

وقد اتخذ النقاش بشأن نفوق الدلافين أبعادا سياسية مماثلة في اليونان.

وتقول ميلوي: "ليست فقط البحرية التركية هي التي تجري مناورات في بحر إيجه، ولكن ما يفعله اليونانيون وحلف شمال الأطلسي (الناتو) أيضا". وترى أنه لا يمكن التحكم في هذا الأمر، ولكن البحر المتوسط يواجه أيضا تداعيات ناجمة عن إلقاء القمامة والمخلفات البلاستيكية في مياهه.

وتقول ميلوي إن علماء البيئة "معنيون بالبحر.. ما نريده هو إجراء هذه التدريبات العسكرية على نحو لا يدمر الحياة، خاصة في أوقات السلم."