جلدم أتاباي شانلي

المنزلق التركي في ظل ارتفاع التضخم والغموض المالي

ظلت الأصول التركية تسجل ارتفاعاً خلال الشهر الجاري على نحو تجاوز حتى ما كان متوقعاً كنتيجة للإفراج عن القس الأميركي أندرو برانسون في شهر أكتوبر.
ومهد الإفراج عن برانسون الطريق أمام الولايات المتحدة لاستثناء تركيا من عقوبات على تجارتها النفطية مع إيران في فترة المئة وثمانين يوماً التالية. كما أن مسألة فرض وزارة الخزانة الأميركية غرامة ضخمة على بنك خلق المملوك للدولة بسبب تعاملات مع إيران في الماضي لم يتم الإفصاح عنها، تبدو تتجه إلى أن تظل حبيسة الأدراج في الوقت الحالي.
بيد أن القضايا الشائكة المتبقية بين تركيا والولايات المتحدة ما زالت ملموسة كما كانت من قبل. ومن بين تلك القضايا نهج البلدين المختلف تجاه العلاقات مع أكراد سوريا، وخطط تركيا الرامية إلى شراء نظام الدفاع الصاروخي المتطور إس-400 من روسيا، وأنشطة الحفر والتنقيب التي تقودها شركة إكسون موبيل بالقرب من قبرص. ومع ذلك، يبقى التركيز منصباً الآن على الجوانب الإيجابية من العلاقة، والتي سمحت لليرة بتحقيق مكاسب مقابل الدولار الأميركي تجاوزت الاثنين بالمئة خلال الشهر الجاري.
كانت التطورات السياسية وعلاقات تركيا مع دول مجموعة العشرين مهمة دائماً للمعنويات، حيث ظلت تركيا تعتمد لزمن طويل على تدفق الأموال من الخارج للحفاظ على معدلات النمو. وفي ظل ما تمليه دورة تشديد السياسة النقدية من قبل مجلس الاحتياطي الاتحادي (البنك المركزي الأميركي) الآن من نزوح للأموال بعيداً عن الأسواق الناشئة، يكون هذا التحسن الملحوظ في علاقات تركيا مع اقتصاد عملاق مثل اقتصاد الولايات المتحدة أمراً مهماً دائماً بطبيعة الحال.
لكن بالنظر إلى تفاقم المشاكل الاقتصادية في الداخل، يكون الأثر الإيجابي للسياسات الدولية على المعنويات بشكل عام محدوداً. والعنصر "الحقيقي" على الأجندة هو بالطبع الركود التضخمي الحاد في تركيا، والذي يضع البلاد في مكان معزول على نحو استثنائي مقارنة مع الدول النظيرة. وبالنظر إلى الخلفية النقدية الخارجية، فمن المتوقع أن يستمر هذا الاتجاه حتى عام 2019.
والركود التضخمي عبارة عن مزيج من الانكماش الاقتصادي مع تضخم مرتفع للغاية. وتعكس بيانات تضخم شهر أكتوبر، والتي نُشرت في بداية الأسبوع، حجم الدعم الذي تلقته توقعات التضخم بفعل موجة صعود الليرة في الآونة الأخيرة والتباطؤ السريع في الطلب المحلي، ودعوة الحكومة للقطاع العقاري بخفض الأسعار للمشترين النهائيين بنسبة عشرة بالمئة حتى نهاية العام. لكن بطبيعة الحال، فإن ضغوط التكلفة - حيث ارتفع تضخم أسعار المنتجين المحليين 45 بالمئة - وارتفاع فائدة الإقراض في نطاق 35 إلى 40 بالمئة، وتراجع إقبال البنوك على إقراض القطاع العقاري يعني أن الشركات المحلية في حالة صراع من أجل البقاء. فما من خيار أمام الشركات سوى أن تعكس زيادة التكلفة تلك في السعر النهائي للمنتَج، حيث لم يعد هناك مجال لامتصاص الصدمات، نظراً لأن التزامات الديون المرتفعة تضغط أيضاً على الشركات في الجانب التمويلي. صحيح أن الخفض المؤقت في الضرائب سيساعد في الشق المتعلق بالتضخم، مما سيقود تضخم أسعار المستهلكين الأساسي إلى بلوغ مستوى 23 بالمئة بحلول نهاية العام؛ لكن يبقى ما هو بعد ذلك ضبابياً في الوقت الحالي.

لمحة تاريخية
لمحة تاريخية

ويبدو الانكماش الاقتصادي في تركيا خطيراً، وتشير البيانات إلى بلوغه ما يتراوح بين أربعة وخمسة بالمئة في عام 2019.
وتظهر بيانات مؤشر مديري المشتريات - وهو قياس مهم للمعنويات في قطاع الصناعات التحويلية - والتي نشرت في بداية الأسبوع أن المؤشر بشكل عام بلغ 44.3 في أكتوبر. وتشير القراءة دون 50 إلى مرحلة انكماش. فضلاً عن ذلك فإن البيانات الأولية من وزارة التجارة لشهر أكتوبر تشير إلى عجز تجاري عند 529 مليون دولار، وهو أمر مخيف. ومما يقضي على رواية "إعادة التوازن" الرسمية التي تتبناها الحكومة أن بيانات التجارة الخارجية تكشف إلى أي مدى يتجه النشاط الاقتصادي المحلي إلى منزلق صعب، في ظل دورة إنتاج تعتمد على واردات السلع التامة الصنع أو شبه المصنعة من الخارج.
وتشير الأرقام إلى زيادة نسبتها 13.1 بالمئة على أساس سنوي في الصادرات، وهذا أمر له دلالة بالطبع ويعكس تراجع الليرة، لكنه يعكس بصورة أكبر قوة اقتصاد منطقة اليورو، الشريك التجاري الرئيس لتركيا. لكن انخفاض الواردات بنسبة 23.5 بالمئة أمر صعب، ويظهر لنا الحالة الحقيقية للاقتصاد المحلي، والمتمثلة في حجم معاناة قطاع الصناعات التحويلية على كافة المستويات في تركيا. في الأوقات الطبيعية، يكون من شأن القيود على الجانب المتعلق بالمعروض، تسجيل زيادة في الصادرات والواردات معاً؛ والحال ليس على هذا النحو اليوم بكل تأكيد.

نمو الصادرات والواردات (على أساس سنوي بالنسبة المئوية)
نمو الصادرات والواردات (على أساس سنوي بالنسبة المئوية

وبينما يحدث كل هذا، ويتحول الناتج المحلي الإجمالي التركي بسرعة إلى الانخفاض بداية من الربع الأخير، يبرُز غياب البنوك التركية المنشغلة بإعادة هيكلة ديون عدد كبير من عملائها من الشركات. وإلى الآن، فشلت عمليات تجديد القروض المجمعة - والتي أجرتها البنوك بنجاح منذ أغسطس - في إحداث أثر إيجابي على أنشطة الإقراض. ومن ثم، ليست مفاجأة أن تكون معنويات المستهلكين ومعنويات الشركات والمعنويات الاقتصادية بوجه عام ما زالت سلبية. ويمكننا هنا طرح المزيد من التفاصيل التي تؤكد هذا، وتتمثل تلك التفاصيل في انهيار مبيعات السيارات والسلع البيضاء والطلب على المنازل بوتيرة متزايدة.

نمو الودائع مقارنة مع إجمالي القروض (على أساس سنوي بالنسبة المئوية)
نمو الودائع مقارنة مع إجمالي القروض (على أساس سنوي بالنسبة المئوية

ومع سعي الحكومة لوقف الانكماش والتحول إلى النمو من خلال عدة إجراءات، تعكس أحدث بيانات بشأن الأداء المالي حجم الصعوبات الاقتصادية التي تواجهها تركيا. وفيما يتعلق بالإيرادات، سجلت الضرائب على السلع والخدمات - والتي تعكس النشاط الاقتصادي المحلي - انكماشاً ضخماً على أساس سنوي بلغ 28 بالمئة في سبتمبر؛ قادت ذلك إيرادات ضريبة القيمة المضافة التي انخفضت 28 بالمئة، والدخل من ضريبة الاستهلاك الخاص الذي هبط 33 بالمئة بالقيمة الحقيقية.
ومن ثم، كانت مفاجأة أن تقرر حكومة تركيا البراجماتية - وأمامها انتخابات محلية في مارس - الأسبوع الماضي خفض ضريبة الاستهلاك لعدد من القطاعات من أجل تحفيز الطلب المحلي؛ لكن ذلك لم يكن مفاجأة في الوقت ذاته. فبينما من المنتظر أن تساعد التخفيضات الضريبية - التي ستنتهي بحلول 2019 - في تقليص معدلات التضخم بما يصل إلى 150 نقطة أساس، فإنها بالتأكيد لن يكون لها مثل ذلك الأثر على النمو الاقتصادي. فالأسر التركية - المثقلة بتضخم في أسعار الغذاء يزيد عن 30 بالمئة - ليست لديها الرغبة في الانطلاق نحو البنوك والحصول على قروض بفائدة مرتفعة للغاية من أجل شراء المزيد من السلع البيضاء أو السيارات أو المنازل. ومن الصعب أن نشعر بصدمة إذا رأينا الحكومة تواصل جهودها لتحفيز الطلب في الفترة السابقة على الانتخابات المحلية؛ لكن مثل هذه المبادرات التجريبية ستضغط بطبيعة الحال على الليرة الضعيفة أساساً.
وإذا كان هناك ثمة شيء يرفع مستوى التوقعات، فستكون خطة الحكومة المالية التي تمتد لثلاثة أعوام، والتي تعِد بإجراءات تقشف في مواجهة التضخم. وسيكون من شأن التقشف بطبيعة الحال المزيد من الانكماش في عام 2019. لكن، وكما تُظهر بيانات الميزانية لشهر سبتمبر، فإن الحكومة - التي تتراجع قدرتها على الإنفاق يوماً بعد الآخر - كبحت الاستثمار بالفعل.
ومن ثم، وبالعودة إلى التضخم - الذي يقع في القلب من حالة التدهور القائمة في الاقتصاد التركي - فلن تكون هناك أي فائدة على الإطلاق من المزيد من الزيادات في أسعار الفائدة في ظل الانكماش الحاد في الاقتصاد. لكن ليس معنى هذا أن البنك المركزي سيبدأ في خفض أسعار الفائدة عند حدوث أي تراجع، ولو طفيف، في تضخم أسعار المستهلكين الأساسي؛ ولكنه يعني أن على الحكومة أن تتحلى بالجدية فيما يتعلق بالشق المالي لكي تمنع استمرار زيادة التضخم، ولكي تجعل زيادة الأسعار تتراجع عن نطاقها الجديد الذي يتراوح بين 15 و20 بالمئة. كان برنامج الثلاثة أعوام المالي بداية جيدة، لكنه يفتقر إلى التجانس نظراً لأن الافتراضات التي وضعتها الحكومة فيما يتعلق بالعملة والتضخم والنمو الاقتصادي كانت بالفعل قد تجاوزها الزمن عندما طُرحت. كما أن التخفيضات الضريبية التي طُرحت في الآونة الأخيرة - وعلى الرغم من كونها مؤقتة في طبيعتها - جعلت وكالتي التصنيف جيه.سي.آر وموديز تشعران بالقلق، مما دفعهما إلى إصدار تحذير بخفض أكبر في التصنيفات إذا استمرت تركيا في سياساتها غير المحافظة تلك.
إذا، فقد أصبح الأمر معقوداً على الحكومة في أن تطرح خطة مالية حقيقية - وأعني أن تكون حقيقية بالفعل - وتتسم بالمصدافية من أجل الوصول إلى حجم الادخار المستهدف عند 70 مليار ليرة (13 مليار دولار) في وقت لن يكون الاقتصاد يحقق فيه النمو الذي توقعته للعام المقبل، والبالغ نحو ثلاثة بالمئة، بل سيسجل انكماشاً نسبته خمسة بالمئة.
والحل الوحيد المتبقي لخفض معدلات التضخم التركية المرتفعة للغاية، والتي جعلت الاقتصاد يخرج عن السيطرة في 2018، هو تبني سياسة مالية تتسم بسجل أداء قوي. ومن ثم فإن الاستقراء الدقيق للميزانية خلال عام 2019 سيكون المهمة الأبرز لأي شخص يحاول تحديد اتجاهات الاقتصاد التركي.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: