Ergun Babahan
يونيو 27 2018

النظام الحاكم في تركيا.. نموذج للأنظمة الفاشية

لكل عصر فاشيته الخاصة... (بريمو ليفي)

"إذا كنا نعتقد أن الفاشية هي جرح من الماضي؛ تعافى العالم من آثاره، فإن مجيء دونالد ترامب إلى البيت الأبيض كان بمثابة فك الضمادة عن هذا الجرح، والعبث به..".
كتبت هذه الأسطر وزيرة الخارجية الأميركية السابقة مادلين أولبرايت.

لم تكن مادلين أولبرايت مجرد وزيرة خارجية سابقة للولايات المتحدة الأميركية؛ فهي مؤرخة، كما كانت عضواً بالكونغرس، وسفيرة للولايات المتحدة في الأمم المتحدة. وهي - بالإضافة إلى هذا كله - إحدى ضحايا فاشية هتلر؛ إذ كانت طفلة لعائلة اضطرت إلى الهرب بعد الحرب خوفاً من بطش هتلر ومن الشيوعية.
أفردت أولبرايت في مقدمة كتابها، الذي حمل عنوان "احذروا الفاشية!"، تعريفات مختلفة للفاشية، كما توافقت عليها مع طلاب الدكتوراة التي كانت تشرف على رسائلهم العلمية. ربما لا تكون الفاشية هي المعادل في علم السياسة اليوم للاسم الذي يطلق على الأنظمة المتسلطة، ومع هذا فلكل عصر فاشيته الخاصة على حد تعبير بريمو ليفي. 

الفاشية

اعتمدت أولبرايت في نقاشها مع طلابها - من أجل وضع تعريف واحد للفاشية - على بعض الأسس والمعايير المصاحبة لهذا المفهوم... فالفاشية هي "فكر قومي تسلطي معاد للديمقراطية"، وهي "العنف أو الميل إلى العنف بأيسر الطرق".
ومع هذا، فالفاشية ترتبط بصفة عامة بنظرة أي شعب إلى نفسه، بوصفه جماعة خاصة ذات عرق خاص، لا تجد نفسها ملزمة بتأدية حقوق الآخرين من حولها، وهي أيضاً بناء سياسي يقوم على فكر محدد؛ يتعين على هذا الشعب اعتناقه، دون الاكتراث بما له من حقوق أو ما عليه من واجبات تجاه الآخرين.  
والفاشية هي بكل تأكيد المعادل الموضوعي لكلمة الخوف.
الأمر بالطبع له علاقة وثيقة بمفاهيم أخرى مثل الانقسام والتحول إلى ألعوبة في يد القوى الكبرى، أو تنحية الدين جانباً، أو احتقار الضعيف. وقد ركَّزت أولبرايت على هذه النقطة بالتحديد بقولها:

"الخوف هو وسيلة الفاشية للنفاذ لقلب المجتمعات. والمتعارف عليه أنه لا يمكن لأي نظام سياسي أن يحقق النجاح دون الحصول على الدعم المناسب من شعبه. وعلى العكس من ذلك، نجد أن الفاشية تعتمد أكثر على دعم الأقوياء والأثرياء في الشارع، دون النظر إلى جنسهم؛ ذكوراً  كانوا أو إناثاً؛ فهي تتذرع بهم إذا خسرت، ولا تلتفت إليهم في جني المكاسب."

وبالإضافة إلى ذلك، تضيف أولبرايت أن النازيين كانوا عنصريين، ولكنهم كانوا في الوقت نفسه إصلاحيين.

ننتقل إلى نقطة مثيرة أخرى تناولها الكتاب.

تستمد الفاشية طاقتها - على العكس من الحكومات الملكية، أو حكومة الرجل الواحد، أو حتى الديكتاتوريات العسكرية - من مجموعة من الغوغائيين الذين يؤمنون بمبادئها، ويدركون أن أية خسارة في حرب من الحروب، أو أية لحظة انهزام تمر بها دولهم تعني انهياراً داخلياً لها.
دعوني أوضح الأمر - بشكل أكبر – قياساً على الأوضاع التي تشهدها تركيا في الوقت الراهن. أود هنا التأكيد على أهمية الدعم، الذي يلقاه أردوغان من شرائح واسعة من العلمانيين وأصحاب المال كذلك، سواء فيما يتعلق بموضوع الأكراد، أو في أي موضوع يتعلق بالغرب.

أما الموضوع الثاني، الذي أكدت عليه أولبرايت كثيراً، فهو تصرف الفاشية إزاء المؤيدين لها، والمعارضين لمعاييرها؛ فالفاشية تقدم عضوية في نادٍ خاص للصادقين معها، والمخلصين لها. تلك العضوية التي لن يستفيد منها أي طرف معارض؛ إذ أنها لا تقدم للمعارضين سوى السخرية والاحتقار.
لا بد للفاشي أن يكون عدوانياً، ذا نزعة عسكرية، توسعياً، إمبريالياً، إذا أتيحت له الظروف؛ كي يحافظ على قوة نفوذه السلطوي. وهو دائم السعي لتنشئة أجيال "ذكورية وأنثوية جديدة " في مدارس ذات طابع ديني؛ تحولهم إلى أداة طيعة لينة، تُنفذ ما يُملى عليها دون سؤال؛ وبذلك يضمن أن يكون مستقبله آمناً.

هل بدأت الأجراس تطرق أذهانكم الآن؟ يبدو أن صاحبة هذا الكتاب خطَّته في أنقرة، وليس في واشنطن، أليس كذلك؟

الأمر المهم هنا أيضاً؛ أن الفاشي الذي انتُخِبَ في الموقع الذي يشغله يزعم دائماً أنه - هو وحده - صاحب الشرعية للبقاء في هذا المكان، وليس أحد غيره.
من أجل هذا، فهو لا يتورع عن اللجوء إلى أية طريقة - بما فيها اللجوء إلى العنف - للحفاظ على هذه الشرعية المزعومة؛ وصولاً إلى أهدافه.
وكان من الطبيعي أن تفرد الكاتبة فصلاً كاملاً بعنوان "المحترم أردوغان"؛ تحكي فيه عن مغامراته في تركيا.

أعتقد أن أي شخص منا قد يتفق أو يختلف في ما إذا كانت سمات الفاشي والفاشية تنطبق على أردوغان أم لا، فلكل منا قناعاته المختلفة، ولكن المؤكد أن ما كتبته مادلين أولبرايت في كتابها عن الحكم الفاشي ينطبق تماماً على ما يحدث في تركيا اليوم.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: