النظام الفاسد بتركيا يسعى لكسر الأمل لدى المعارضة بقوة هيمنته

 

سبق وأن تحدثنا عن زيادة المخاوف المتعلقة بالناحية الأمنية الخاصة بالانتخابات البرلمانية والرئاسية المبكرة المزمع إجراؤها في تركيا يوم 24 يونيو المقبل، وها هي تلك المخاوف تظهر في الأفق من الآن، ولا زال يفصلنا عن ذلك الاستحقاق الانتخابي نحو 20 يومًا. إذا تعرفون أن هناك هجومًا استهدف في وقت سابق شهر مايو الماضي عددًا من أنصار حزب "السعادة" المعارض، كما أن المحكمة الدستورية لم تقبل تعديل نظام التصويت المثير للجدل الذي من شأنه التأثير على أصوات ما يقرب من 270 ألف شخص في مناطق تصوت عادة لحزب الشعوب الديمقراطي. كل هذه التطورات أثبتت صدق مخاوفنا الأمنية من تلك الانتخابات.
وتعرض حزب السعادة لهجومين، الأول تم يوم 3 مايو في وضح النهار في ميدان "كيزلاي" مركز العاصمة أنقرة. وكان هذا الهجوم عبارة عن اعتداء قامت به مجموعة من الأشخاص على  مكان تجمع عدد من أنصار حزب السعادة لجمع توقيع 100 ألف شخص من أجل رئيس الحزب، تمل كرم أولا أوغلو لدعم ترشيحه للانتخابات الرئاسية.
أما الهجوم الثاني، فوقع مساء 25 مايو أيضًا، وكان أكثر دموية من الهجوم الأول. مكان الحادث كان العاصمة أنقرة أيضًا. الاعتداء استهدف هذه المرة عددًا من أنصار حزب السعادة في الساعة الواحدة والنصف بعد منتصف الليل، وهو يقومون بتعليق أعلام الحزب، ولافتته الانتخابية، وكانت ذرائع الهجوم أن أنصار الحزب هؤلاء قاموا بإنزال أعلام حزب الحركة القومية المعارض، وعلقوا أعلامهم مكانها.
لا جرم أن الهجمات التي استهدفت أنصار حزب السعادة كانت مروعة، ومزعجة لما هو قادم. كما أن محاولة إرغام ما يقرب من 270 ألف شخص للتصويت في أماكن خارج المناطق التي يصوتون فيها عمًلا بنظام نقل اللجان الانتخابية الذي وافقت عليه اللجنة العليا للانتخابات، أمر الهدف منه التأثير على نسبة التصويت لحزب الشعوب الديمقراطي، لأن هذه الأماكن تصوت في الغالب للحزب. قد يلفت هذه الإجراء انتباه منظمة الأمن والتعاون في أوروبا، وتسجل ملاحظة عليه. لكن رغم خطورة أية ملاحظة قد تصدر عن هذه المنظمة، فإن ذلك لن يلقى أي اهتمام لدى إدارة الرئيس رجب طيب أردوغان.
فلو كانت السلطات القائمة على إدارة البلاد تلقي بالًا للمؤسسات الدولية وما يصدر عنها، لما وصلت الأوضاع في تركيا إلى ما وصلت إليه. وأردوغان سيستمر حتى موعد الانتخابات في 24 يونيو على أسلوبه المتمثل في عدم الاكتراث لأية مؤسسات دولية، وسيقوم بأمور لا يستسيغها عقل؛ وذلك لأن احتمالات خسارته كبيرة وأصبحت الأوضاع جد خطيرة عليه.
وحري بي هنا أن أقول إن انتخابات 24 يونيو تمثل الفرصة الأخيرة بالنسبة لتركيا. فكما ترون بات الإعلام مملوكًا للدولة في قبضة رجل واحد، والضغوط وأساليب القمع التي تمارس ستكون في ازدياد، لكن العمل الجاد بين أحزاب المعارضة، من شأنه أن يقضي على كل هذه الأشياء؛ وذلك حتى لا نعض أصابعنا من الدم فيما بعد. على المعارضة العمل بشكل مكثف، وهذا الأمر ينطبق أيضًا على حزب الشعوب الديمقراطي.
لا شك أن استعراض النظام لمزيد من القوة، أمر لا يؤتي أكله باستمرار. ففي الغالب سيشكل ذلك تأثيرًا يشبه تأثير لعبة "البمرنغ" الذي يعرف في علم النفس الاجتماعي بنظرية المفاعلة النفسية. أي أن استعراض المزيد من القوى سينقلب بالسلب على أردوغان. فهذه الأمة دائمًا ما تقف بجانب المظلومين، وهكذا ستصبح فيما بعد.
لكن الأهم في الأمر هو ألا يتحول ذلك إلى حلقة مفرغة، وألا يتم ارتكاب أي نوع من الظلم. ومن المؤكد أن الانتخابات المقبلة من الممكن أن تكون الاستحقاق الذي سيمنى فيه حزب العدالة والتنمية الحاكم بهزيمة نكراء. ومن ثم فإنه سيكون من الأهمية بمكان عدم الوقوع فريسة للتصورات النمطية، وعدم نسيان أننا على حق، وعدم التفريط في تلك الفرصة المعجزة المتمثلة في انتخابات 24 يونيو.
والسؤال الذي يطرح نفسه الآن، هل سيدب الخوف في أوصالنا عند النظر إلى بالون منفوخ أم سنكون على درجة من الشجاعة تمكننا من المخاطرة واستلال إبرة وغرسها في ذلك البالون؟ فلا ينبغي أن نكون عاطفيين أمام ما تمارسه الإدارة المتجبرة من أساليب تهديد وقمع وإنهاك. ولا يمكن لأي قوة أن تهزم المعارضة إذا تحركت بعقلانية ما قد يؤدي إلى حدوث تغييرات كبيرة وكثيرة على مسرح الأحداث.
وجدير بالذكر أنه بعد إعلان قوائم مرشحي الأحزاب لخوض الانتخابات المقبلة، لا بد أن تحدث بعض الأزمات والخصومات داخل تلك الأحزاب لدرجة أن البعض منها قد يتجه لعدم التصويت لذلك الحزب. ومن ثم فإنه سيكون من المهم بمكان هنا أن يقوم كل حزب بفعل ما ينبغي عليه فعله من أجل الحيلولة دون فقدان أية أصوات من الناخبين. وهذه النصحية تعتبر مهمة أكثر لحزب الشعوب الديمقراطي؛ لأنه أكثر الأحزاب التي تتعرض لضغوط.
ومن ثم لا يجب للقائمين على هذا الحزب ألا يقولوا "لا يوجد مكان آخر يمكن أن يذهب إليه المعارض الكردي"، ويجب أن يستمعوا بإنصات لكل قول ناقد. فلا شك أن السياسية ليست وظيفتها درء الانتقادات، وإنما هي فن الإصغاء لها واستخراج الدروس والعبر منها. فمثلما يُقال أن الزبون ولي نعمة التاجر، فهكذا السياسي يجب أن يستخرج العبرة والدرس من انتقادات الناخبين. لكن على عكس ذلك، فإن هذا السياسي أو الحزب سيمنى بخسارة كبيرة في الأصوات.
وفي نهاية المقال نود التأكيد على أن هناك نظام قائم فاسد بالي، قوته الوحيدة التي يمتلكها بين يديه، هي كسر الأمل لدى جموع المعارضة من خلال قوة الهيمنة والسيطرة. لذلك فإن الشيء الوحيد الذي ينبغي فعله هو المطالبة بتوفير معايير الأمن لمواجهة سياسات الإرهاب والتخويف التي يلجأ إليها النظام، فإذا لم يحقق ذلك المطلب لا بد من توثيق ذلك عبر تقارير. ولا يجب أن ننسى أن الانجرار للعنف يشبه في حد ذاته سكب البنزين على النيران، ويعني أننا نجهز خسارتنا بأيدينا.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: