اومت كرداش
يوليو 03 2018

النموذج العثماني.. حينما تسيطر الدولة على السياسة

من العادات التي حملها الأتراك من العهد العثماني، تلك السلطة المطلقة التي أعطوها للدولة في حل المشكلات الاجتماعية. ولقد قال المؤرخ التركي، خليل إنانجيق، وهو يتحدث عن الفترة الكلاسيكية (من عام 1300 إلى 1600) للإمبراطورية العثمانية، إن الإدارة المركزية لتلك الدولة حافظت على وجود مبدأ الرعية من خلال جعل الجميع تابعين لها في نطاق سيطرتها.
ولا شك أن الإبقاءَ على الرعية في حالة رعب وخوف دائمين من عقوبات السلطان، والمركز البيروقراطي، وكذلك بقاء حالة المد بين ذلك الخوف والمستقبل الغامض، لأمران يوضحان بشكل جلي أن الثقافة السياسية لدى العثمانيين تشكلت على أساسٍ من التوتر المستمر.
ومن حيث العلاقة بين المركز (الدول المركزية) والهامش (الدول الهامشية التابعة لها)، نجد أن الدولة العثمانية ساد فيها نوع من التوتر وعدم التوافق وذلك على عكس تقليد التعاون والتصالح الذي كان موجودًا في بريطانيا.
ولقد ورثت الجمهورية التركية التي تأسست على أنقاض الدولة العثمانية، ذلك الصراع الذي ساد في العهد العثماني بين الدولة المركزية والدول التابعة لها. ولعل المفهوم المفرط للدولة لدى النخب البيروقراطية، قد تسبب في ظهور مزيد من الدول. ولا شك أن التوتر الذي نشهده اليوم، جاء نتيجة لتلك العادة التاريخية التي نتحدث عنها.
ومن الجدير بالذكر أنه لا يوجد أي صراع سواء في العهد العثماني أو في فترة الجمهورية، قد انتهى من خلال التوصل لاتفاق ما. فنتيجةً للإملاءات التي كانت تفرض من الإدارة المركزية، لم نستطع أن نحقق نحن تكاملًا سياسيًا فيما بيننا.
كل هذا كان أيضًا سببًا في وجود أزمة مشروعية تعيشها الحياة السياسية؛ وذلك وهي في طور الانتقال إلى الديمقراطية. كما أن القوة الجديدة القادمة من الهامش إلى المركز، تمت محاصرتها  من قبل من يمثلون رموز عقلية الدولة.
ولا عجب أن الخوف هو الذي يغذي رموز تلك العقلية البالية التي نتجت وظهرت من خلال انتهاج سياسات قائمة على التوتر، والصدام، والاستقطاب بدلًا من تلك القائمة على التعاون والتوافق في كل شيء.
ومن الأمور التي توضح مدى تأثير وحيوية البناء العميق للدولة، تلك الدعوة المفاجئة للانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي شهدتها تركيا يوم 24 يونيو الجاري،من خلال تلاعب دولت بهجلي رئيس حزب الحركة القومية، في ظل ظروف غير عادلة تتمثل في وجود حالة الطوارئ، وما أسفرت عنه هذه الانتخابات من نتائج.
وكما هو واضح للجميع، فإننا نرى أن الرموز العقلية للدولة، قد تمت محاصرتها من قبل كل من حزب العدالة والتنمية الذي دأب على تبني سياسات أمنية قائمة على العنف والقمع، وكذلك دولت بهجلي زعيم الحركة القومية.
ومن الأشياء التي تدعو للتفكير بخصوص العملية الانتخابية الأخيرة، أن حزب الحركة القومية حصد أصواتًا كبيرة للغاية في منطقة جنوب شرقي تركيا؛ رغم أنه لم يكن له أي وجود يذكر في تلك المنطقة، ورغم السياسات التي ينتهجها كحزب فيها.
ولعل الدولة تهدف إلى جعل الرئيس، رجب طيب أردوغان في دائرة خطوطها الحمراء وهي تحاصره من جهتين. ومن الممكن أن يبدو أردوغان في النظام الجديد كرئيس لا يمكن السيطرة عليه بالإجراءات والأساليب الديمقراطية.
لكن مسألة مراقبته والسيطرة عليه ستتولاها قوة الدولة التي تشكلت وفق الرموز العقلية للدولة، وستوقفه عند حده، بل وتتطلب تتبع السياسات التي ينتهجها. وعلينا أن نعرف جيدًا أن هذا الأمر يشكل نوعًا من الوصاية ستؤدي لنتائج تصب في اتجاه تعزيز الاستبداد لا الديمقراطية.
وإن المفهوم التقليدي للدولة عندنا كان كفيلًا بعرقلة التنشئة الاجتماعية التي من شأنها تفعيل المؤسسات التي تدير نفسها بنفسها على أساس من الديمقراطية. وفي نهاية المطاف أدى ذلك لفتح الطريق أمام بُنى هرمية أثناء تنظيم المجتمع والسياسة اللذين تم تأميمهما تبعًا لذلك. ولهذا السبب أيضًا لم تتطور "الديمقراطية داخل الحزب" التي تعتبر شرطًا أصيلًا من شروط النظام الديمقراطي.
كما أن السياسة الليبرالية-المحافظة، وكذلك اليسارية، عزفتا عن توجيه النقد اللازم للدولة. ولم يتمكنا من تطوير مفهوم مجتمع خالٍ من الاستبداد والتسلسل الهرمي في تولي المناصب.
ومن العوامل الأخرى التي تكمن وراء استمرار التوتر والصراع، عدم وجود أي نهج أو توقع بخصوص مجتمع قائم على الإدارة الذاتية اللامركزية، وينظم نفسه بنفسه، ويولي أهمية للتعاون بين كافة الأطياف.
ومن المطالب الضرورية للغاية في الأنظمة الديمقراطية بشكل عام، أن تقوم مراكز الحكم بمشاركة سلطاتها مع شعوب المنطقة من خلال برلمانات تلك المناطق، هذا نموذج حل يتعين تطبيقه مع الجميع، وليس مع الأكراد فحسب.
كما أن من ضروريات الديمقراطية التعددية التشاركية، حق الجميع بلا استثناء في اتخاذ القرارات المتعلقة بمصيرهم، واقتراح كل ما من شأنه أن يرسم معالم حياتهم، بل ومن حقهم الاعتراض على أية مشاريع تعنيهم إن كانت لا تروقهم. فهم الأدرى بالمناطق التي يعيشون بها أكثر من غيرهم.
ومن ثم فإن قيام نظام ما بمنع هذه الحقوق استنادًا لنسبة الأصوات التي حصل عليها في عموم البلاد، واعتباره الإرادة الوطنية المعيار الوحيد للشرعية بالنسبة له، أمر ونهج غير ديمقراطي على الإطلاق. وذلك لأن حرية الإدارة تشكل القاعدة الأساسية للحرية السياسية.
لذلك يتعين على جميع الأحزاب السياسية، بما فيها الحزب الذي يمسك بتلابيب السلطة، الابتعاد عن مفهوم الدولة الهيغلية (نسبة للفيلسوف الألماني جورج فيلهلم فريدريش هيغل)، وعن القوانين الثقافية المتضاربة من أجل الدولة والمجتمع في تركيا.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: