النمو والعقوبات والانتخابات.. المزيج المزعج لتركيا

بعد نمو "قوي" في الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي بلغ 6.7 بالمئة في عام 2017، أعادت وكالة موديز للتصنيف الائتماني النظر في توقعاتها للاقتصاد التركي ضمن دول أخرى. وفي تقريرها المحدًث لتوقعات الاقتصاد العالمي، عدلت الوكالة توقعاتها لنمو الناتج المحلي الإجمالي الحقيقي في تركيا إلى أربعة بالمئة من 3.2 بالمئة للعام الجاري وإلى 3.5 بالمئة من 3.3 بالمئة لعام 2019. 
وتستند موديز في توقعاتها الأفضل للنشاط الاقتصادي في تركيا خلال العامين القادمين إلى المزيد من الدعم المالي من الحكومة من خلال المزيد من الإجراءات "لإبقاء النمو الاقتصادي مرتفعا قبل الانتخابات الرئاسية في نوفمبر 2019".
كما تؤكد موديز أن نمو عام 2017 الذي بلغ 6.7 بالمئة كان "أعلى بكثير من المحتمل" وهو ما أضر بتضخم أسعار المستهلكين الذي بلغ 12 بالمئة وبالعجز في ميزان المعاملات الجارية الذي بلغ الآن نحو 4.5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي.
وربما من الممكن الاستدلال من توقعات موديز للنمو في عامي 2018 و2019 -- وهي تعادل نحو نصف مستويات 2017 – على أن النشاط الاقتصادي من المنتظر أن يبدأ في أن يصبح طبيعيا في وقت قريب. بيد أنه في ظل عدم وجود سياسة نقدية ملائمة، فإن التضخم المدفوع بزيادة التكلفة والطلب من غير المرجح أن يقل عن مستوى يبلغ نحو عشرة بالمئة بحلول نهاية هذا العام على الرغم من تباطؤ معدلات النمو. ولا توجد حاجة لتذكير الناس بأن نسبة العجز في ميزان المعاملات الجارية إلى الناتج المحلي الإجمالي تتجه صوب بلوغ مستوى خمسة بالمئة.

مخطط اقتصادي
مخطط اقتصادي

في وقت سابق من فبراير، حذرت موديز تركيا من زيادة العجز في ميزان معاملاتها الجارية، وهو الأكبر في عالم الأسواق الناشئة. ومع استمرار الدعم المالي للنمو في عام 2018، من المتوقع أيضا أن تتداعى نسبة عجز الموازنة التركية إلى الناتج المحلي الإجمالي لتصل إلى مستوى خطير يبلغ ثلاثة بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي بنهاية هذا العام. ومع اجتماع العاملان، ستتجه علاوة المخاطرة المتعلقة بالاقتصاد التركي إلى الارتفاع بسبب خطر العجز المزدوج، وبخاصة في بيئة سيهيمن عليها العزوف عن المخاطرة على الساحة العالمية مع اتجاه العائد على السندات الأميركية التي أجلها عشر سنوات إلى بلوغ مستوى يتراوح بين 3.5 وأربعة بالمئة.
ومع وجود كل تلك المعطيات مجتمعة، لن تكون أي تحديثات لتوقعات النمو التركي بوسعها رفع التصنيف الائتماني للبلاد من الدرجة العالية المخاطر (وهو حاليا عند Ba1 مع نظرة سلبية) من جديد إلى درجة تشجع على الاستثمار. وبعيدا عن أوجه عدم الاتزان المتزايد في مؤشرات الاقتصاد الكلي لتركيا -- والتي تشمل أيضا عجزا خارجيا يمثل مشكلة -- استندت موديز في خفضها للتصنيفات في سبتمبر على التدهور السريع لسيادة القانون في تركيا. وفي ظل حالة الطوارئ، التي فرضت بعد محاولة الانقلاب الفاشلة في يوليو 2016 وجرى تمديدها لعامها الثاني تقريبا، سيكون من الصعب على الأرجح على أي تحسن في الاقتصاد الكلي يبدو في الأفق أن يرفع تصنيف تركيا من الدرجة العالية المخاطر.
والسؤال الملح من ثم هو ما إذا كان نموا اقتصاديا أبطأ كثيرا في تركيا يمكن أن يُحتمل في ظل المشاكل الاقتصادية والسياسية المختمرة في الأفق. أو كما تتساءل موديز، ما إذا كانت تركيا ستستطيع أن تحقق النماء والازدهار حالما تقود فترة "الأداء الاقتصادي المعتدل حاليا" -- والتي تتسم في آن واحد بزخم في النمو ومستوى تضخم منخفض وأسعار فائدة متدنية -- إلى ارتفاع أسعار الأصول بشكل مطرد وانحسار التقلب المنخفض على نحو تاريخي بشكل تدريجي" في الوقت الذي تدرس فيه بنوك مركزية كبرى الرجوع عن سياسة التيسير النقدي الشديد.       
وما زال من المبكر جدا إصدار حُكم، لكن المؤشرات الأولية ليست واعدة. وتراجعت مؤشرات معنويات الشركات وثقة المستهلكين بعد بداية جيدة للعام. ويبدو أنه طالما تعطي الحكومة دفعة من الجبهة المالية، ستكون هناك زيادة مؤقتة في الاستهلاك، لكن أثر تلك الإجراءات من المنتظر أن يتلاشى حالما تنتهي.
في الآونة الأخيرة، شهدنا مؤشر الثقة الاقتصادية يهبط في فبراير من أعلى مستوى في خمسة أشهر بقيادة قطاع البناء وتجارة التجزئة، وقد قاد الأول النمو في تركيا خلال العقد المنصرم. والتدهور في القطاعين هو بالطبع ليس خبرا جيدا للأشهر القادمة. وكما ذكرت آنفا ستستخدم حكومة حزب العدالة والتنمية جميع الوسائل المتاحة لديها للمحافظة على معدلات نمو مرتفعة من خلال ضمانات قروض لشركات الصناعات التحويلية والمصدرين والمزيد من إجراءات التحفيز لتعزيز مشتريات المنازل وحشد البنوك الحكومية لخفض أسعار الفائدة على القروض. بيد أنه في ظل مرور القطاع المصرفي بوقت عصيب يجد فيه صعوبة في ضخ أموال جديدة -- معدل القروض بالليرة إلى الودائع يقترب بالفعل من 150 بالمئة -- بينما تتراجع الإنتاجية في القطاع العقاري، يواجه الاقتصاد التركي مشاكل أكبر مما يبدو عليه، وعلى رأس تلك القضايا التضخم وميزان المعاملات الخارجية والموازنة المالية.
وربما كانت تركيا لتنجو بأدائها الاقتصادي لو لم تكن هناك انتخابات رئاسية على الأبواب. لكن في ظل الأجندة السياسية الثقيلة لعام 2019، يبدو أنه مع وجود أوجه الخلل التي نتجت عن جهود تحقيق نمو ضخم ستظل تركيا في دائرة الخمس الضعاف بين الأسواق الناشئة الكبرى لبعض الوقت قدما.

مخطط اقتصادي
مخطط اقتصادي

وعلى الرغم من الزيارة التي قام بها وزير الخارجية الأميركي ريكس تيلرسون إلى أنقرة في الآونة الأخيرة، ما زالت العلاقات التركية الأميركية متوترة وما زال الحديث عن عقوبات مطروح على الأجندة.
وفي تقرير حديث لمركز (بايبارتيزان بوليسي) بعنوان "أمور ينبغي التفكير فيها عند التفكير في فرض عقوبات على تركيا"، خلص محلل سياسي بارز لبرنامج الأمن القومي إلى أن إنهاء عمليات تركيا في سوريا -- حيث تتمركز القوات الخاصة الأميركية حاليا -- وضمان الإفراج عن موظفي وزارة الخارجية الأميركية ومواطني الولايات المتحدة القابعين في سجون الحكومة التركية هما القضيتان الأكثر إلحاحا إلى الآن. ويشير إلى التوترات الروسية التركية السابقة عندما فرض بوتين عقوبات اقتصادية على تركيا بعد أن أسقطت أنقرة طائرة روسية فوق سوريا مضيفا أن بوتين حصل على ما كان يريده في المقابل. وعلى ذكره لتعليق ألمانيا مبيعاتها العسكرية بهدف ضمان إطلاق سراح مواطنيها المسجونين، يدعوا الناصح الإدارة الأميركية إلى تبني موقف مشابه بشأن تركيا.
يقودنا هذا مجددا إلى الحديث عن العقوبات الاقتصادية. والسؤال هو ما إذا كانت العقوبات ستساعد أردوغان على أن يُنتَخب بسلطات موسعة في عام 2019 على حساب المزيد من العزلة التركية وتراجع أكبر في الاقتصاد وفي الديمقراطية، أم إنها ستسهم في إضعاف سلطاته وتعزيز الديمقراطية المعتلة في تركيا.
وما زال الأمر الذي لا التباس فيه بحسب تقرير مركز (بايبارتيزان بوليسي) أن العقوبات تبدو مضمونة إذا ما استمر أردوغان "في تهديد الجنود الأميركيين أو سجن مواطني الولايات المتحدة أو مهاجمة المحتجين على الأراضي الأميريكية".
ويختتم المحلل التقرير بنبرة انفعالية داعيا صناع السياسات في الولايات المتحدة إلى معاقبة أردوغان بحرص مع وضع أهداف محددة ومتسقة وقابلة للتحقيق في الاعتبار بدلا من الإضرار اقتصاديا بالمواطن التركي العادي ومن ثم تعميق الصورة السلبية السيئة أصلا لدى الرأي العام تجاه الولايات المتحدة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: