الهوية الكردية الضائعة بين برامج "أجون" في الفضاء التركي!

 

"أجون ميديا" هي شركة إنتاج يملكها "أجون إليجالي"، أنتجت العديد من البرامج المختلفة مثل برنامج المسابقات "سرفايفر"، وبرنامج "صوت تركيا" الشهير. ما يعنينا في هذا الأمر هو السلوك الذي يتبعه الأكراد المشاركون في هذه المسابقات...
بدأ الأمر مع نهاد دوغان، الذي عُرف لدى حزب العدالة والتنمية الحاكم في صورة "الكردي المتدين"، سواء برفعه للآذان، أو بإقامته للصلاة، أو بآرائه وتعليقاته الخاصة بأمور الدين. كان دوغان من بين الأكراد الذين بلغت شعبيتهم مبلغاً كبيراً، خلال فترة مبادرة السلام بين الحكومة والأكراد، وفترة الحديث عن مفاوضات السلام. وبلغت شهرته الآفاق كذلك في برنامج المسابقات "سرفايفر"...
كان أداء دوغان، طوال فترات السباق، مثيراً للإعجاب من الجميع، إلى أن صرخ باكياً معلناً عن شوقه للآذان، كاشفاً للمشاهدين عن "بأس الكردي"، وهو يتقدم خلال مراحل المسابقة التي تتطلب القوة والصلابة. وصل دوغان إلى المباراة النهائية. ومع هذا، تمكن المتسابق "ديريا بويوكونجو" من التغلُّب عليه في مرحلة تصويت الجمهور عبر الهاتف.
وبعد انتهاء المسابقة، صرَّح نهاد دوغان قائلاً "جئت في المرتبة الأولى في برنامج سرفايفر، أما ديريا فاحتل المرتبة الأولى في رسائل الجوال". يبدو أنه كان على حق؛ لأن نهاد دوغان صار بعد هذا السباق "كاللحية التي إذا قصصتها عادت لتنمو بكثافة". فنال على إثر هذا شهرةً واسعة، وسمعة طيبة، وأُتيحت له فرص كبيرة أخرى...
ليس هذا فحسب، بل إن أردوغان اختاره، إلى جانب عدد آخر من الفنانين، ليكون برفقة عائلته ضمن فريق الإغاثة الذي توجه إلى الصومال في عام 2011. وتمر السنوات، ويلتحق نهاد دوغان للمرة الثانية ببرنامج المسابقات سرفايفر، ولكن الأمر اختلف هذه المرة، فكان من بين الأسماء التي خرجت مبكراً من السباق.
السؤال الذي يطرح نفسه الآن؛ كيف يخفق دوغان بهذا الشكل في المرة الثانية، وهو الذي نال كل هذا النجاح في النسخة الأولى من البرنامج؟! الواقع أن هذا هو السبب نفسه الذي جعل القنوات التليفزيونية تستضيفه في برامجها. 
ما حدث هو أن دوغان استطاع خلال هذه الفترة أن يقرأ، بشكل جيد، الوضع المحيط به. وبدأ يوجه سهام نقده الحادة إلى الشريحة العلمانية في المجتمع. ولم يكن دوغان وحده هو الذي فعل هذا، بل شاركه في الأمر نفسه عدد كبير من الأكراد المتدينين؛ من المقربين إلى حزب العدالة والتنمية الحاكم. ولكن تأتي الرياح بما لا تشتهي السفن؛ فقد جلبت له بعض تصريحاته في وسائل الإعلام الكثير من المتاعب؛ حيث نال دوغان نصيبه من النقد كذلك في عام 2015. وكانت التغريدة التي نشرها دوغان على موقع تويتر بعنوان "العلمانية- والتنورة القصيرة"، التي تعالى فيها على حادث قتل الطالبة الكردية أوزجان أصلان وحرقها في مرسين، وهي تقاوم شخصاً حاول اغتصابها. من هنا فقد دوغان وجاهته، وبدأ في السقوط... 
وما لبث دوغان أن أدرك حقيقة الأمر، وتوجه بالاعتذر إلى عائلة الطالبة أوزجان، الأمر الذي حسَّن صورته بعض الشيء. ومع هذا كانت الأوضاع في تركيا تتجه نحو التغيير بسرعة كبيرة.
 
الهوية الكردية الضائعة بين برامج "أجون" التركية!
 
لم تعد صورة "الكردي المتدين" صالحة في عصرٍ انتهت فيه مبادرة السلام مع الأكراد؛ عصر يحاول فيه كذلك حزب العدالة والتنمية التوجه صوب صناديق الاقتراع، يداً بيد مع حزب الحركة القومية، في ظل استمرار فرض حالة الطوارئ. 
لقد ساهم كل هذا في سقوط دوغان. ومع هذا، فيحسب لدوغان أنه لم يخفِ أصوله الكردية، سواء خلال فترة السباق أو بعدها.
جمعه لي أقْ غول أحد الأكراد، الذين دخلوا أيضًأ إلى عالم أجون، وكان من الأسماء التي لفتت الانتباه إليها بشدة خلال فترة السباق. قطع جمعه لي مسافة 1500 كم سيراً على الأقدام طيلة 50 يوماً، رغبةً منه في المشاركة في هذا البرنامج، واستطاع في النهاية أن ينضم إلى السباق، بعد أن نال رضا أجون. ومنذ ذلك اليوم، وهو يستخدم لغة مضطربة حزينة طوال الوقت.
مرة أخرى ينسى جمعه لي آلام الأكراد وأحزانهم، ويركز جل اهتمامه على الطريقة التي يستميل بها قلوب الأتراك. فهو مثلاً لم يتناول وجبة الهامبرغر طوال حياته. إن عدم تناوله وجبة الهامبرغر ذات الخمس ليرات حتى اليوم لأمر مؤسف بحق . كما إنه يشعر بشوق كبير، لا يستطيع أن يتحمله، تجاه بناته أو على حد قوله تجاه "ملائكته"!
لقد توجهوا إليه بالسؤال حينها: أخي.. لماذا تتكبد الأموال طيلة 50 يومًا كنت خلالها كالمتشردين؟! لقد أحرق جمعه لي قلوبنا حقاً بآلامه التي لا تحتمل، في منطقةٍ يقبع في سجونها عشرة آلاف سجين كردي، بعيداً عن أطفاله الذين يتوق لرؤيتهم!
خاض جمعه لي السباق تحت اسم "المستأجر الدائم" لدى سرفايفر، متوشحاً بوشاح الضحية الذي لم يستطع أن ينزعه عن بدنه طوال فترة السباق. كان جمعه لي يهتف بأعلى صوته في كل جولة من السباق، مردداً كلمة "الأناضول". وحتى عندما تحدى منافسين آخرين كان يقول أيضاً إن "الأناضول تقف خلفه" لتسانده.
نفهم مما سبق أن ترديده المستمر لكلمة الأناضول لم يكن سببه أنه جمعه لي المسكين، العاجز، بقدر ما كان مناورة منه لتعزيز مكانه في السباق؛ فكان استخدامه لهذه الكلمة بمثابة تغطية على بعض المفاهيم الأخرى لديه، تماماً كما يفعل بعض الناس. حسناً، لماذا كان يهتف إذن باسم الأناضول بين الحين والآخر؟ وما هو الشيء الذي رأى أنه من الضروري التغطية عليه؟  
يشير المؤرخ جمال كفادار في كتابه "روما واحدة"، في معرض حديثه عن العلاقة، التي تربط الأتراك بمفهوم الأناضول، إلى الدفء والتأثير السحري، الذي تتركه هذه الكلمة عليهم. وهذا أمر واقع بالفعل؛ فكلمة الأناضول لها مفعول السحر، ليس على الأتراك فحسب، بل على شريحة مهمة من الأتراك المتحدثين بالتركية كذلك... 
يقول كفادار "إن كلمة الأناضول ترجع في أصلها إلى اللغة اليونانية، وإنها اكتسبت شعبية خاصة في القرن الماضي على وجه الخصوص، وإن هذه الكلمة لم تكن مستخدمة في القصر، أو المدينة، أو الأدب الشعبي في الماضي، كما لم يرد ذكرها لدى يونس أمره، وبير سلطان عبد الله، وكاراجاه أوغلان قط.
نعم، ربما لم يستخدمها كاراجاه أوغلان، ولكن جمعه لي فعلها، في برنامج سرفايفر، رغبة منه في جمع أكبر قدر من رسائل التأييد، ومن ثم تحقيق النصر. كان يصرخ في كل مرة، مكرراً كلمة "الأناضول" ذات المفعول السحري في أحاديثه. لم يكن هذا سوى نوع من مكر الشرق!
ظن جمعه لي أنه لو أكد على هويته التركية فسينصرف عنه عدد كبير من الأتراك، ولن يرسلوا إليه برسائل التأييد. يدرك جمعه لي أن كلمة الأناضول هي النقطة التي يلتقي عندها الأتراك والأكراد معاً. السؤال الآن، هل كان جمعه لي محقاً فيما فعله؟
يؤكد كفادار أن مفهوم الأناضول يعطي صورة ذهنية مختلفة من شخص لآخر، وهو ما ظهر جلياً  في مؤلفات الأدباء الأتراك أنفسهم، الذين اختلفوا فيما بينهم عند النظر إلى الأناضول؛ فنجد الأديب التركي نجيب فاضل يطلق عليه اسم "الشرق الكبير"، ويسميه الروائي التركي خليقرناس باليقجيسي باسم"الأناضول الأزرق".
لقد دأب كثير من الأتراك حتى يومنا الحاضر على استخدام عدد كبير من المفاهيم والصور؛ حاولوا بها طمس الهوية الكردية لمنطقة الأناضول؛ بإطلاق مسميات من قبيل: أهل الشرق، الإنسان الأناضولي، إخواننا المسلمين... إلخ. ولم يقتصر الأمر على الأتراك فحسب، فوجدنا بعضاً من الأكراد يستخدم مسميات مختلفة؛ لإخفاء هويتهم الكردية، فمنهم من قال "نحن أهل الشرق"، أو "نحن من الأناضول" دون الإشارة إلى هويتهم، أو هوية المكان... الخ.
كان جمعه لي كان واحداً من أولئك الذين أرادوا أن يخفوا انتماءهم الكردي؛ لقد أراد جمعه لي بذلك أن يجمع الأصوات من الأناضول التي يثق فيها كثيرًا. ومع هذا لم يصل إلى ما كان يطمح إليه. لم يجد جمعه لي أيا من أهل الأناضول إلى جواره، على الرغم من قيام إذاعة بلدية إغدير – التي عينت الحكومة التركية حارساً قضائياً عليها- بإصدار بيان؛ طالبت فيه بتقديم الدعم لجمعه لي. ولم يقتنع الأتراك والأكراد، على حد سواء، بانتماء جمعه لي إلى الأناضول.
لم يتأهل جمعه لي للمرحلة النهائية، ولكنه أهدى تميمته المكتوب عليها "آية الكرسي" إلى أحد المتسابقين، ويدعى "ترابي"، من الفريق المنافس. كان جمعه لي يشارك في المسابقة ضمن فريق المتطوعين، وكانت علاقته وطيدة للغاية مع زميله هاكان. أما ترابي، فكان من أشرس المنافسين لهاكان منذ بداية السباق. ومع هذا أعطى جمعه لي التميمة إلى الترابي، وبرر ذلك بقوله "طلبها مني الترابي أولاً، لو كان هاكان طلبها قبله لأعطيتها إياه". هل أدركتم الوضع الآن، أم لا....
 
الهوية الكردية الضائعة بين برامج "أجون" التركية!
 
آدم أيضاً أحد الذين شاركوا في برنامج سرفايفر العام الماضي. وبدلاً من أن يقول آدم إنه كردي، أخذ يكرر بدوره أنه "مواطن من الشرق". ومع هذا لم يحصل على ما يريد، وعجز عن تحقيق الفوز. شارك آدم هذا العام كذلك في المسابقة، ولكنه استوعب الدرس هذه المرة، ولم يكرر خطأ السنة الماضية. لم يتفوه بكلمة الشرق، أو بكلمة الأناضول.
كان آدم يكرر كلمة "الشرق" باستمرار، رغبةً منه في أن يحصل على دعم الأتراك والأكراد معاً. كان من الصعب عليه أن يستفيد من عيسى وموسى في آن واحد. فلم يعطِ الأكراد والأتراك صوتهم لصاحب السياسة المزدوجة هذا. أعتقد أن السبب في عدم استبعاد آدم إلى الآن هو عدم اتباعه سياسة العام الماضي، وها هو ينافس في الوقت الحالي.
يتبارى الأكراد، بخلاف سرفايفر، في عدد آخر من المسابقات التي تشرف عليها شركة "أجون ميديا" كذلك. من بين هؤلاء، الشابان أمره سَرت كايا، ودودان، اللذان فازا في العرض النهائي لبرنامج "صوت تركيا". 
لفت سرت كايا الأنظار إليه منذ اليوم الأول بشخصيته وبصوته، وهو يغني مقطوعة "لست مُمتناً". ما لفت الانتباه هو التزامه الصمت طوال مراحل المسابقة، فلم يتفوه بكلمة واحدة، سوى أنه يسير على درب المغني الكردي جوان حاجو، وأركان أوغور. لم يحاول سرت كايا أن يخفي هويته وراء كلمات مثل "الشرق"، أو "الأناضول". لقد استمر في أدائه العروض المختلفة على الألحان التركية والكردية على حد سواء، وبالتالي كان طبيعياً أن يصعد إلى المرتبة الأولى.
 
الهوية الكردية الضائعة بين برامج "أجون" التركية!
 
سحر دودان الألباب، هو الآخر، من اليوم الأول بصوته الرائع. لقد اختار عضوة لجنة التحكيم "حاديثا"، واستمر معها للنهاية؛ حتى حصد المركز الأول هو الآخر. لم يحدث شيء غير أن أحد الحضور وجه إليه الحديث قائلاً "لماذا لا تغني باللغة الكردية؟"، ونصحه بضرورة أن يغني بالكردية.
اهتم النقاد كذلك، وليس أبناء الشعب فقط، بهذا الموضوع؛ فمنهم من قال إنه كان يتعين على دودان ألا يشارك في المسابقة من الأساس، في حين أكد النقاد الموسيقيون أن دودان فعل الصواب، في ظل الظروف الراهنة. وفي قناعتي الشخصية أنه فعل الصواب بالفعل؛ لأن هذا أفضل ما يمكنه فعله في ظل تلك الظروف.
خلاصة القول، لماذا يتجنب الأكراد الإشارة إلى ما يدل على هويتهم أثناء المشاركة في مثل هذه المسابقات؟ يجيب على هذا السؤال الفيلسوف ميشيل فوكو، في معرض حديثه عن الحقيقة والاعتراف، بقوله: "الحقيقة ليست فقط الشيء الذي يُفصح عن نفسه بدقة من خلال الاعتراف، بل هي عملية لها شقان: فالخطاب متاح دائما ولكنه في شكل غير مكتمل، لا يكتمل إلا عند المستمع".
لا يصل المتسابقون فقط إلى نهاية هذه المسابقات؛ فالنهاية تكمن عند المشاهدين كذلك؛ فكونك متسابقاً يجعلك مجبراً على الظهور بشكل يختلف كثيراً عن طبيعتك؛ طمعاً في الفوز، وإحراز أكبر قدر من رسائل التأييد.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا:

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.