فيجين غيونز
نوفمبر 24 2017

الهيروين .. العدو الخفي لمدينة دياربكر

 

حذّرني الجيران من بائعي الهيروين المنتشرين في شارع ضيق أمام المنزل بينما تخبرني أمٌ مسنة لديها 6 أولاد، عن سبب تقديمها طلبا للمدعي العام بديار بكر بنقل ابنها إلى المستشفى لعلاجه من إدمان الهيروين بدلا من إلقائه بالسجن.
بعد ذلك رافقني الجيران للذهاب إلى منزل "سور" على الطراز القديم الذي يقع خلف الأبواب الصلبة الثقيلة على الجانب الآخر.
كان هناك ثلاثة رجال يرتدون ملابس ذات علامات تجارية عالمية باهظة الثمن مثل جاك ولسفكين يعقدون صفقة في شارع  من شوارع "سور" الضيقة، وعلى إثر ذلك غيّرت السيدة ـ التي رافقتني للذهاب إلى المنزل بالجهة المقابلة ـ الموضوع متحدثة عن أوقات الصلاة.
هيروين سور ديار بكر
نايف باموق

بعد قليل دخل ابن هذه السيدة نايف باموق مدمن الهيروين إلى غرفتنا التي يوجد بها أربع سيدات من الجيران وهو ينظر إلى السجاد المصنوع يدويا على الأرض دون أن ينظر إلى أعينهن، وسأل والدته على الحبوب. وقال إنه لم يتعاطَ الهيروين في اليومين الآخرين ويتمنى أن تساعده هذه الحبوب.

هيروين سور ديار بكر
رمزية باموق

أوضح لنا مقيم قديم بـ "سور" يبلغ من العمر 32 عاما، يتكلم ببطئ وهو يحتسي الشاي كيف بدأ تعاطي الهيروين:

 

"عندما بدأت الاشتباكات بـ "سور" غادر أصدقائي المنطقة بالتزامن مع فقد أخي. كانت آلامنا في تلك الأيام التي شهدنا فيها الاشتباكات كبيرة، وتُركنا وحدنا جوعى على مدار أسبوع.
وانتقل السوريون تلك الأيام وكانت بداية معرفتي أنا وأصدقائي بالهيروين الملفوف في السجائر. لم أكن أتوقع أني سأتعاطى الهيروين حتى بدأت الحرب. كان الحشيش جزءا من حياتنا اليومية بـ "سور" مُذ كنا صغارا ولكن لم يدمنها أحد منا حتى بدأت الاشتباكات ودخل الهيروين إلى "سور".
كنت أنا وأصدقائي ننام بشوارع "سور" خلال الاشتباكات. وبدأنا نجتمع في المنازل المهجورة ونتعاطى المخدرات في شكل مجموعات.
يُباع الهيروين والمخدرات على الأقل في 16 منزلا يستأجرها السوريون بـ "ضياء جوق ألب" فقط.
ذهبت إلى المستشفى الموجودة بـ "أل أزيغ"، لكنهم رفضوا تقديم أي مساعدة طبية وطلبوا مني عبور الأزمة بنفسي، لذلك هربت من المستشفى بعد يوم واحد. ذهبت بعدها مع أمي إلى وحدة الطب النفسي بمستشفى جامعة دجلة، لكنهم لم يقبلوني؛ لعدم وجود أماكن خالية".

وأوضح لنا باموق ـ الذي قال إنه بائع مخدرات ـ أن الشرطة تقوم بدوريات في شوارع "سور" على الأقل أربع مرات كل ليلة، وفي الصباح يُطلق سراح جميع المتعاطين الذين تم القبض عليهم ليلا:

"بعض رجال الشرطة هم جزء من تجارة المخدرات. ويقومون هنا بهذا العمل بكل سهولة"

لا يرفع باموق عينه عن السقف كي لا يلتقي بأعين النساء الجالسات بالغرفة، وعلى وجهه خيبة أمل واضحة، ويتأوه بعمق.

يُكرر دائما أنه يبحث عن العلاج كي يقلع عن الهيروين نهائيا. وعندما عَيرته والدته في وجهه برغبة زوجته في الطلاق بالمحكمة هذا الأسبوع؛ لعدم قدرته الإقلاع عن المخدرات تصرف بشكل عدواني، ووَبّخ والدته.
وعلى الرغم من أنه يعيش مع والدته لمدة عام إلا أنه نادرا ما يمكث في البيت لأنه يقضي معظم أوقاته في شوارع "سور".
شرد باموق بأفكاره، وبعد صمت قصير قال "اشتقت إلى ابنتي وأريد عناقها في جلسة الطلاق بالمحكمة هذا الأسبوع".
تعمل والدته رمزية باموق في فرن مقابل 800 ليرة شهريا، وقالت باكية: إن ابنها  كان يستولي على النقود منها قسرا قبل أن يختفي بالأيام، وأنها قدمت طلبا إلى مكتب المدعي العام في الأسبوع الأول من شهر نوفمبر ولكن لم يُحرز أي تقدم.
ويخبرنا محسن صايان ـ مختار حي "ضياء جوق ألب" الذي يعمل الآن بورشة صغيرة لتصليح التليفزيونات بعد تعرض مكتبه لخسائر أثناء الاشتباكات ـ إنه يُخمٍن ارتفاع نسبة تعاطي المخدرات وخاصة الهيروين بنسبة 5.000% في المنطقة منذ بداية الاشتباكات.
كانت تقديرات محسن صايان مرتفعة بشكل مفاجئ، وقد فنجل عينيه وهو يذكر لنا أن هناك في المنطقة المسؤول عنها طفل صغير يبلغ من العمر 11 عام بدأ تعاطي الهيروين.

وتخبرنا فيدان يلديز إحدى سكان حي جوق ألب وهي أم لثلاثة أطفال صغار بأنه دائما ما كان مدمنو المخدرات يدقون بابها بالخطأ؛ لأن جيرانها السوريين يبيعون المخدرات.
وذكرت يلديز أن السوريين استأجروا منازل الجيران على الفور أثناء الاشتباكات بعد ترك السكان المحليين لها. وأضافت وهي تُخفض صوتها كي لا يسمع جيرانها بائعو المخدرات وهي تتحدث عنهم:

"لدي ثلاثة أطفال يلعبون طوال اليوم بالغرفة. أشعر بسوء ولكن لا أستطيع السماح لهم باللعب خارج المنزل؛ لعدم وجود الأمان. كان أطفالي يلعبون بالخارج قبل الحرب، ولكننا أصبحنا حبساء المنزل. وبالإضافة إلى ذلك أريد من الحكومة أن تهدم بيتي؛ هكذا سنستطيع الانتقال إلى مكان أكثر آمنا".

 

قديما كان متعاطو المخدرات والبائعون ينشطون بشكل رئيس في "سور" و"باغلار" ولكن بسبب استمرار عمليات الهدم بـ"سور" انتشروا في أماكن كثيرة بالمدينة. انتشر الهيروين في ربوع دياربكر منذ بداية الحرب.
يتم الاتجار بالمخدرات في مناطق مثل "باغلار دورت يول" و"ديكلينت" و"سومربارك" وحديقة "كوشويولو" وميدان "باتيكانت". انتشرت البطالة بين الشباب على نطاق واسع، وتُلاحظ التعاسة في قطاع كبير من المجتمع بعد الاشتباكات. على الرغم من انتشار الحشيش في هذه المنطقة منذ عدة عقود إلا أنّ سهولة الوصول إلى الهيروين في المدينة جديدة نسبيا مع بداية الحرب. وتنجم الزيادة في استخدام المواد المسببة للإدمان جزئيا من تعيين الموظفين التابعين للدولة بدلا من القادة المنتخبين في بلدية دياربكر. وقد تم إيقاف أو تعليق أنشطة المراكز التي أسسها رؤوساء البلدية المنتخبين لمكافحة المخدرات. 
وقد أسس رؤوساء بلدية دياربكر المنتخبين برنامجا لمكافحة إدمان المخدرات عام 2015م ثم جمعوا أكثر من مائة منظمة غير حكومية تعمل داخل إطار تعاوني في علاج مدمني المخدرات ولكن تم فصل العاملين على هذا البرنامج بعد إلقاء القبض على رؤوساء البلدية وتعيين موظفين تابعين للدولة أماكنهم.
وكان أوميت تشاتينر ـ الذي فقد عمله بمستشفى محلية ـ واحدا من العاملين على هذا البرنامج. وأخبرنا أنهم ساعدوا على إنشاء مجموعة تسمى "مخدرات بلا اسم" تحث المدمنين على إيجاد حلول للخروج من دائرة المخدرات.
وخارج هذا البرنامج أنشأت البلدية مركز استعلامات اسمه "هيفرا" لمدمني المخدرات عام 2005م. ويُفاجئ مدخل مبنى مركز هيفرا المكون من 3 طوابق المغطى بورق الشجر والصمت المطبق من يدخل إليه. ويحتوي الطابق الأرضي تنس الطاولة وبعض المعدات الرياضية.
ويخبرنا فريق علم النفس وموظفي الخدمة الاجتماعية بمركز هيفرا أنه تم تعليق جميع المشاريع منذ تعيين موظفين تابعين للدولة في البلدية. وأضافوا أنه كان الممكن تواصل العائلات بمدمني المخدرات ولكن بعد بدء الموظفين التابعين إلى الدولة العمل بالبلدية أصبحت العائلات على مسافة من مركز هيفرا وغير متفاعلة مع المدمنين.
ووفقا لآخر إحصائية قدمها مركز هيفرا عام 2015م أصبح عدد مدمني المخدرات بدياربكر 14.000 مدمن، ولكن منذ ذلك الحين لم يتم عمل أي إحصاءات. بينما يوضح الموظفون بالبرنامج أن 80% من المدمنين يتعاطون الهيروين.
وصلت الآن لمركز "يشيلتشاي" لمكافحة المخدرات بالمدينة. وقد نحيت رأسي بعدما خلعت حذائي ودخلت من مدخل البرج المنخفض المُرقم بـ 82.
هيروين سور ديار بكر
"يحيي أوجر" رئيس مركز "يشيلتشاي" بدياربكر

 

استقبلني "يحيي أوجر" رئيس مركز  "يشيلتشاي" بدياربكر بابتسامة عريضة على وجهه. وأعطاني زوجا من النعال وأخبرني أنه "تم تصميم هذا المكان كالجامع".
أخبرنا "يحيي أوجر" الذي يعمل كإمام أنه تم إنشاء "دومدر" وهي جمعية لمكافحة المخدرات ستعمل مع مركز "يشيلتشاي" بدياربكر بناء على تعليمات وزير الداخلية "سليمان صويلو".
وقد تم انتخاب أعضاء هيئة الجمعية الجديدة ب "يشيلتشاي" قبل بضعة أسابيع. وأضاف "اوجر"، أنه تم إنشاء مكتب لمكافحة تعاطي المواد المخدرة يعمل تحت إشراف مكتب الشؤون الدينية كوحدة جديدة. سوف يقوم مركز "يشيلتشاي" في إطار هذا التكوين الجديد بتدريب الأئمة كي يخطبوا في الجوامع بتحريم المخدرات.
ويدعي "أوجر" ـ الذي ينتقد المجتمع الإسلامي؛ لنبذِه مدمني المخدرات ـ أن الزعماء الكرديين لديهم علاقات معقدة مع تجار المخدرات، وعدم مكافحتهم للمخدرات بشكل كاف.
وأكد "أوجر" مباحثات الوزارات عن طريق جمعية "دومدر" لتقديم منح للقرويين بمنطقتي "ليز" و "هازو" اللتان تنتجان المخدرات، وتحفيز القرويين على الزراعة العضوية بدلا من إنتاج المخدرات.
وقد حكم "تشتينار" ـ أخصائي اجتماعي سابق ـ على طريقة "يشيلتشاي" في مكافحة المخدرات بالفشل؛ لعدم وجود علماء نفسيين يقدمون الدعم المهني، بقوله:

"الوسيلة الوحيدة لمكافحة المخدرات بدياربكر الآن هي خُطبة الأئمة بالجوامع والتأكيد على أنها ذنب في حق الله."

 

ولكنه أضاف أن هذا لا يُفيد بشيء.
ونرى في دياربكر فتيات وبنين يبلغون 11 عاما يتعاطون المخدرات مثل الإكستازي والهيروين. وأخبرني طفل صغير أن الهيروين كان يُباع على طاولات بيع السيميت بالسمسم أمام مدرسة الأناضول الوطنية.
تقع المدرسة في الزاوية العليا من المثلث المُطِل على المكتب الرئيسي لـ "تشيماتم" المركز الوحيد لإعادة تأهيل مدمني المخدرات الذين أقل من 18 عاما.
ويقول أحد علماء النفس ـ بمركز "تشيماتم": "إنه كان هناك بالماضي إدمان لأنواع مختلفة من المخدرات، أما الآن فإنّ 65% من الذين يأتون إلى المركز لطلب المساعدة هم مدمني الهيروين، ويأتي بالمركز الثاني الإكستازي. وغالبا ما تتسبب المشاكل العائلية ـ التي تنجم عن تغير وسط الأصدقاء بسبب الهجرة الداخلية أو النزوح ـ في إثارة شكوك الشباب وجعلهم فريسة لبائعي المخدرات. ويمكننا ملاحظة الزيادة نفسها في عدد الفتيات اللاتي يتعاطين الإكستازي والهيروين. وقد اعترفت الفتيات بإقامتهن علاقات مع الشباب للحصول على المخدرات. أما الشباب فيسرقون المنازل. ويدخل هؤلاء الأشخاص في المتوسط إلى 200 منزل في العام لكسب ما يكفي من المال لعبور أزمة المخدرات."
هناك فقط خمسة مراكز "تشيماتم" في جميع أنحاء تركيا. لهذا السبب يشمل نشاط مركز "تشيماتم" بدياركر مناطق الاشتباكات الأخرى مثل "شرناق" و "جيزرا". ويلاحظ الطبيب النفسي أنّ أول حالات إدمان الهيروين خلال العامين الماضيين بـ "جيزرا".
ويوضح هذا الطبيب النفسي ـ الذي أشار إلى الندوات التي تُعقد حول الحلال والحرام ـ أن هناك عددا كبيرا من الشباب يتعاطون المخدرات بدورات المياه بالمساجد، قائلا: 

"هؤلاء الشباب بحاجة إلى العلاج، ولن يُغير تعليمهم الحلال والحرام أي شيء. نأخذ كل أسبوع 50 مريضا من النساء والرجال يأتون بلا موعد. وفي عام 2013م سُرِق حوالي 350 كيلوغرام من دار القضاء بدياربكر وهو يُعادل حوالي نصف طن مخدرات. لقد استلمنا عددا قليلا من حالات الهيروين حتى عام 2013م. ولكن أعتقد أن هذه المادة تُعرض للبيع منذ ذلك الوقت."

يُمكن قراءة هذا المقال باللغة التركية أيضاً :