ديميتار بيشيف
يوليو 04 2018

الولايات المتحدة تهيّئ بدائل لتركيا في شرق المتوسط

قد تشير الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا إلى تحول في الشؤون الداخلية وفي السياسة الخارجية كذلك. 
ستدخل أنقرة في مساومات صعبة ضد حلفاء قدماء في حلف شمال الأطلسي (الناتو) بينما ستتقرب إلى روسيا، وستخلق خصومات أخرى مع الغرب. 
الرئيس التركي رجب طيب أردوغان يريد الكعكة ليتناولها بمفرده، فهو يتطلع لإكمال الصفقة مع الروس فيما يخص شراء صواريخ إس-400 بينما أقنع منتقديه في الولايات المتحدة بأن تركيا لن تساوم على دفاعات حلف الأطلسي، وأنه ينبغي السماح له بشراء طائرات إف-35 المتقدمة التي تنتجها لوكهيد مارتن.
وبدد الأتراك المخاوف بأن الطائرات أميركية الصنع ستكون عرضة لصواريخ إس-400، وأوضحوا أن فنيين من تركيا، وليس روسيا، سيتولون تجميع وتشغيل الصواريخ. 
وستتولى تركيا تطوير برمجياتها الخاصة، ولذلك ستحد من خطورة تسريب بيانات حساسة إلى الروس. 
واعترضت صواريخ إس-400 طائرة إسرائيلية من طراز إف-35 في المجال الجوي السوري، ويفترض أن موسكو حصلت بالفعل على بعض المعلومات الفنية. 
والمشكلة هنا أن واشنطن لا تبدو مقتنعة بالحجج التركية. فالكونغرس الأميركي يعارض بالفعل بيع طائرات إف-35 لتركيا.
وأضاف الكونغرس رفضه للصفقة إلى سلسلة من الخلافات مع أنقرة ومنها سجن القس الأميركي أندرو برانسون الذي يخضع للمحاكمة في تركيا حاليا بتهمة ارتباطه بحركة فتح الله غولن. وتتهم أنقرة الحركة بتدبير محاولة الانقلاب العسكري في يوليو عام 2016.
والتراشق الذي جرى مؤخرا على تويتر بين النائب الأميركي أدام تشيف وإبراهيم كالين المتحدث باسم أردوغان لا يبشر بخير بشأن الأحداث المقبلة.
وتنتشر شائعات تشير إلى أن كالين مرشح لشغل منصب وزير الخارجية في الحكومة التركية الجديدة.
وعندما نترك الكونغرس ونتجه إلى الإدارة الأميركية نجد أن الأمور متوترة أيضا.
وقد شهد الاجتماع الذي جرى مؤخرا بين وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ونظيره الأميركي مايك بومبيو بعض التقدم بشأن مدينة منبج السورية. 
وتشعر الإدارة الأميركية بعدم ارتياح تجاه تركيا. وفي جلسة بمجلس الشيوخ الأميركي يوم 26 يونيو، هدد ويس ميتشل، مساعد وزير الخارجية للشؤون الأوروبية والأوروآسيوية، بفرض عقوبات فيما يخص تسليم طائرات إف-35 إذا لم تلغ تركيا صفقة الصواريخ مع روسيا. 
وقد تواجه أنقرة عقوبات وفقا لقانون "كاتسا" الأميركي (مكافحة أعداء أميركا عبر العقوبات) الموقع في أغسطس من العام الماضي.
وعبر ميتشل عن حزنه لسجن برانسون علاوة على ما يقدر بنحو 24 أميركيا آخرين، ودعا أردوغان إلى رفع حالة الطوارئ في تركيا المفروضة منذ الانقلاب الفاشل.
وقد تذوق تركيا من نفس الكأس إذ تسعى الولايات المتحدة للرد عليها بالتعاون مع حلفاء آخرين. وقد ألمح ميتشل إلى أن واشنطن مهتمة بتوثيق العلاقات مع اليونان.
وساءت العلاقات التركية-اليونانية بشدة في العام الجاري بسبب توترات عسكرية متصاعدة في بحر إيجة.
وقال ميتشل "نحن نرعى اليونان باعتبارها ركيزة للاستقرار في البحر المتوسط وغرب البلقان، ونعمل على تعزيز التعاون المنتظم مع قبرص في مجالي الأمن والطاقة".
وألمح ميتشل أيضا إلى أنه يجري الإعداد "لاستراتيجية طويلة الأجل لتعزيز الوجود الأميركي في شرق البحر المتوسط".
ولم تأت هذه الكلمات من فراغ. فقد توطدت العلاقات اليونانية الأميركية بقوة في الآونة الأخيرة.
وقد عقد رئيس الوزراء اليوناني ألكسيس تسيبراس، الذي وصف دونالد ترامب بأنه شرير في الحملة الانتخابية الرئاسية عام 2016، اجتماعا مثمرا في البيت الأبيض خلال أكتوبر من العام الماضي.
وتعتبر الإدارة الأميركية اليونان نموذجا يحتذى به كعضو في حلف الأطلسي ينجز ما عليه فيما يخص الانفاق الدفاعي حتى في فترات التقشف. 
وفي أبريل من العام الجاري، تعهدت حكومة أثينا بتحديث 50 بالمئة من أسطولها من طائرات إف-16 البالغ 150 طائرة.
والاستثمار الذي يُكلف 1.45 مليار دولار يهدف لمواكبة عملية التجديد في سلاح الجو التركي مع احتمال حصوله على طائرات إف-35.
ورغم وجود رئيس حكومة يساري وصف في السابق بأنه حصان طروادة الروسي إلا أن اليونان أعادت اكتشاف نفسها، وترى نفسها في موقع متقدم للغرب تجاه الشرق.
وتحدث خبراء في السياسة الخارجية، ومنهم البروفيسور أريستوتل زيامبريس بجامعة بريوس، عن توجه "يوناني أوروبي-أطلسي جديد".
ومثال ملموس لذلك هو الاتفاق التاريخي الموقع مع جمهورية مقدونيا في 17 يونيو لإنهاء نزاع طويل الأمد على مسألة اسم البلد المجاور لليونان.
وبعد موافقة رئيس الوزراء المقدوني زوران زائيف على تغيير اسم بلاده إلى مقدونيا الشمالية (وهو إجراء لا يزال يحتاج موافقة الناخبين في استفتاء يجري في سبتمبر) تحولت اليونان بين عشية وضحاها من معارض إلى مؤيد قوي لمقدونيا في الاتحاد الأوروبي وفي حلف الأطلسي.
ومن المتوقع أن تحصل (شمال) مقدونيا على دعوة للانضمام إلى حلف الأطلسي خلال قمة الحلف في وقت لاحق الشهر الجاري.
وقد منح وزراء خارجية الاتحاد الأوروبي مقدونيا الضوء الأخضر لبدء مفاوضات الانضمام للتكتل في 2019 إذا تم تنفيذ عدد من الإصلاحات.
وباختصار، فإن اليونان تمكنت في هذه الأوقات المضطربة من تهيئة مكان لنفسها كلاعب بناء في المجتمع الغربي بدلا من تصبح مثيرة للمتاعب أو مثقلة بالديون.
وفيما يخص شرق البحر المتوسط، فإن اليونان وقبرص نجحتا في تقوية العلاقات الدبلوماسية والأمنية مع إسرائيل ومصر أيضا.
وشهد توطيد العلاقات مشروعات مشتركة لتطوير مكامن للطاقة الهيدروكربونية وتعاونا دفاعيا مما جعل هذا التكتل واقعا حقيقيا على الأرض.
وفي ظل التنافر بين الولايات المتحدة وتركيا، فإن التحالف بين اليونان وقبرص وإسرائيل قد يصبح أكثر تقبلا في واشنطن. 
لكن، وكما حدث في الماضي، فإن اليونان ليست في موقع يتيح لها أن تحل محل تركيا كشريك للولايات المتحدة لأن أميركا تريد أردوغان في سوريا وفي الشرق الأوسط ككل. 
إن تركيا تتميز عن غيرها بحجمها الكبير وموقعها الاستراتيجي وقوتها العسكرية.
وفي جلسة مجلس الشيوخ، سلط ميتشل الضوء على التعاون بين أجهزة المخابرات في البلدين، وأثنى على "حليف وشريك" أميركا.
واتصل ترامب بالرئيس التركي في نفس اليوم لتقديم التهنئة على فوزه في الانتخابات.
واليونان على الجانب الآخر لم تتعاف بعد من الأزمة المالية التي أثرت بشدة على اقتصادها. وبقاء حكومة تسيبراس الائتلافية المهتزة موضع تساؤل أيضا.
والرهان على أثينا ليس مفيدا، لكن الفائدة في وجود خيارات متنوعة تجاه تركيا التي أصبحت تصرفاتها غير متوقعة على نحو كبير. 
وقد يمضي صناع السياسة الأميركيون في هذا الاتجاه. 


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: