انتخابات إسطنبول والصواريخ الروسية ستحددان مصير أردوغان

لقد أوشكت رحلة تركيا في سبيل اللحاق بركب الحضارة الحديثة على النهاية، بعدما أطلقها كمال أتاتورك قبل نحو قرن، وساهم فيها كل زعيم جاء بعده قليلاً أو كثيرًا. والجانب الأكثر سخرية أن حزب العدالة والتنمية الحاكم هو من أطلق أهمّ خطوتين لاندماج تركيا مع الغرب، والآن هو من سيقرّر أيضًا الابتعاد، بل الانفصال عنه تمامًا. 
لا بد أن نعترف بأن حزب أردوغان قدم خدمتين فريدتين لتركيا فتحتا عصرًا جديدًا أمامها بحيث لن تنساهما الأجيال القادمة. الأولى، أنه فتح الاقتصاد على السوق العالمي بكل ما تحمله الكلمة من معنى، وأنقذ البلاد من أن تبقى جزيرة مهجورة على حافة المحيط. أما الثانية، فإنه من دشّن مفاوضات الانضمام إلى الاتحاد الأوروبي، وأطلق بذلك أخطر حملة من حملات التغريب والتحديث التي تستمر منذ عهد السلطان محمود الثاني. 
إلا أن تركيا عادت بعد 15 عامًا إلى المربع الأول، وبات الحزب الحاكم أمام قرارين حاسمين: الأول، هل سيتخذ قرارًا بإعادة الانتخابات البلدية في إسطنبول أم لا؟ الثاني، هل سيتمكّن من حلّ النزاع مع الولايات المتحدة وحلف الناتو بشأن صواريخ إس-400 الروسية بطريقة ترضي الطرفين أم لا؟
لننتقل مباشرة إلى النهاية.. فمهما حاولت الصحافة القريبة من أردوغان العثور على أعذار، فإن تجديد الانتخابات في إسطنبول يعني إفلاس الديمقراطية التي اختزلت في حرية الانتخاب فقط منذ وقت طويل، والابتعاد عن مجتمع الدول الديمقراطية. حيث سيتخذ حينها الاتحاد الأوروبي ومجلس أوروبا خطوات ملموسة بما فيها تجميد العلاقات الدبلوماسية. بل حسم بعض أعضاء النادي الديمقراطي قراره في هذا الصدد منذ زمن وأشهروا البطاقة الحمراء في وجه تركيا، وإن تغاضى عن ذلك أردوغان. 
من الواضح أن شراء صواريخ إس-400 الروسية ليس خيارًا عسكريًّا بل هو رسالة سياسية. فإذا كنتَ عضوًا في حلف الناتو فلا يمكنك أن تبتاع تلك الصواريخ من روسيا. وإن كنت تصرّ رغم ذلك على الشراء فإن ذلك يعني أنك تقول: "لقد قرّرت الخروج من الناتو والارتماء في أحضان روسيا."
لن يستطيع الحزب الحاكم أن يفسّر حاجته الملحّة إلى أنظمة الدفاع الجوي المكْلِفة للغاية وذات التقنية العالية؛ إذ ليست هناك سوى دولتين متاخمتين لحدودنا تمتلكان القدرة على إطلاق صواريخ عابرة للحدود وهما: روسيا وإيران. كما أن بحوزة نظام الأسد أنظمة دفاع جوي شبيهة بما نريد شرائها. إذن، فهل سنستخدم الصواريخ ذات التكنولوجيا والبرمجيات الروسية، والتي سيشرف عليها بأغلب الاحتمال الفنيون الروس، ضد روسيا أم إيران؟ أليس ذلك غريبًا بما أن كل السيناريوهات تدل على أننا لا يمكن أن نستخدم تلك الصواريخ إلا ضد روسيا أو إيران؟ أم أن تركيا تستعد لهجوم من الولايات المتحدة وإسرائيل، نظرًا لأنهما تمتلكان أنظمة صواريخ تطلق من الأرض والجو والبحر؟!
والآن تعالوا لنتعرف على رد فعل الغرب في حال إصرارنا على شراء الصواريخ الروسية، ولنستمع إلى ما يقوله الكاتب نَدْرَتْ أرسنال في مقاله المنشور بصحيفة "يني شفق" المقربة للحكومة: "تهديدات بفرض حظر وعقوبات على السلطات والمسؤولون الأتراك، وإصدار قانون من مجلس الشيوخ الأميركي في هذا الصدد؛ التراجع عن بيع طائرات إف-35، بل الاحتفاظ بمليار دولار من الأموال المدفوعة سابقًا لشرائها؛ استبعاد تركيا من مبادرات الناتو العسكرية؛ تصنيف مراكز الفكر العسكرية تركيا "عدوًّا" في لعبة وسيناريوهات الحرب؛ فرض عقوبات على تركيا بموجب قانون مكافحة أعداء أميركا من خلال العقوبات؛ عرقلة تطور صناعة الطيران والدفاع التركية؛ إبعاد الشركات التركية من سلسلة التصنيع والتوريد؛ تدمير الاقتصاد...الخ. وهكذا تطول القائمة.
في حين أن الصحفيّة هانده فرات تشير إلى حديث نائب الرئيس الأميركي عن تطبيق قانون العقوبات الأميركية "كاتسا" ضد تركيا. وهو القانون الذي يتضمّن عقوبات من قبيل حظر تصدير واستيراد المساعدات المصرفية للأفراد أو المنظمات، وفرض عقوباتٍ على الصادرات، وقيودٍ على الديون من المؤسسات المالية الأميركية، وعلى القروض من المؤسسات المالية الدولية التي تكون الولايات المتحدة طرفًا فيها وغيرها. 
يمكن أن توجّهوا لأميركا ما شئتم من الشتائم والصفات كــ"الجبانة" و"الخيانة"، إلا أن ذلك لن يغير من الحقيقة شيئًا، ولن ينقذ تركيا من مواجهة عقوبات عسكرية واقتصادية ثقيلة للغاية. 
ولكن ما يقلقني ليس الحصار الاقتصادي أو شيء من هذا القبيل، لأن تحطيم الجسور مع الغرب يتجاوز حدود خيار سياسي ليصبح تغييرًا جذريًّا يؤثر سلبًا على مستقبل تركيا بحيث يشعر كل أفراد المجتمع بتداعياته الاقتصادية والثقافية على وجه الخصوص. تخيّلوا أن تركيا بلد يذهب نصف صادراتها إلى دول الاتحاد الأوروبي، وتحصل على جزء كبير من واردات السياحة من المواطنين الغربيين، وتعتمد في جميع استثماراتها ومصادرها المالية الأجنبية على الدول الغربية.. ومع كل ذلك تسعى للانفصال عن الغرب!
أعتقد أن ما يميّز تركيا من البلدان الناشئة والعالم الإسلامي، ويمثل فرصة كبيرة لها، هو قدرتها على الحفاظ على هويتها الشرقية - الغربية في آن واحد، دون التنازل عن كينونتها الذاتية والخضوعِ للذوبان الثقافي، غير أنها إذا ما أقدمت على إعادة الانتخابات في إسطنبول، وشراء الصواريخ الروسية، فإن ذلك الباب سيوصد في وجهنا، كما لن يأتي شيء من الغرب. 
إذا كان هناك خيار واقعي حقًّا خارج التحالف الغربي فإنه كان بمقدورنا أن نناقش قرار الانفصال عن الغرب بدم باردة، لكن لا يوجد؛ إذ إن كلاً من روسيا وإيران خصم ومنافس تاريخيّ لتركيا، ونجاحُ أي دولة من هذه الدول الثلاث العملاق يمثّل خسارة للأخريْين، والعكس صحيح أيضًا. لذا لا يمكن "التحالف" مع روسيا وإيران وإن أمكن الحفاظ على علاقات الجوار. 
وباختصار فإن تركيا لا يمكن أن تتحمل الفاتورة السياسية والاقتصادية والمعنوية لانفصالها عن الغرب، بل تتعرض لزلزال شديد يكون مركزه البيت الداخلي لحزب أردوغان. 
وقد اعترف أردوغان بذلك عندما قال: "إن الجميع بدأ في التشتت والانتكاس بعد الانتخابات. حيث أرى أن كثيرًا من زملائنا يبحثون عن توجهات ومسارات جديدة في وقت يجب أن نتضامن ونقف جنبًا إلى جنب. الانتماء إلى ’مدارس الأئمة والخطباء‘ يعني في الوقت ذاته أن تكونَ صاحب رسالة تناضل من أجلها، وتدركَ موقعك وتَثبُتَ في المركز من دون هروب إلى أماكن أخرى عند أول زعزعة. فهذا ليس من شيم المناضلين أصحاب الدعوة والرسالة."
يجب على أردوغان أن يعلم أن رفاقه لن يصاحبوه حتى القبر بل حتى انتهاء المصالح.    


يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/kallesler-hainler-diyebilirsiniz-ama-isin-gercegi-budur
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.