مارس 27 2019

انتخابات ديار بكر تحت سيف مسلط على المرشحين

تشهد مدينة ديار بكر، شرقي تركيا، ذات الأغلبية الكردية، أجواءً انتخابية هادئة مقارنة بالمدن الغربية الأخرى. وقد يكون سبب ذلك أن أهل ديار بكر لا يعلّقون آمالاً كبيرة على الانتخابات البلدية، بينما يقبع عشرات من رؤساء البلديات الذين انتخبوهم بالانتخابات السابقة في السجن بتهمة "الإرهاب" الجاهزة، والتهديدات الجديدة التي تطلقها حكومة حزب العدالة والتنمية بفرض حراسة قضائية على البلديات إذا ما فاز مرشحون لهم صلة بالإرهاب، لذا فإن مقولة "الذي يأتي بالانتخابات يذهب بها" لا تنطبق على ديار بكر وأمثالها من المدن الكردية، بل سيجري سباق الانتخابات بين المرشحين والأوصياء المعيَّنين. 

مرشح حزب الشعوب الديمقراطي الكردي لرئاسة بلدية ديار بكر الكبرى هو كل من هوليا آلكوكمان أويانيق وسلجوق ميزراقلي، ومرشح حزب الشعب الجمهوري هو ويسي أغهان، بينما مرشح حزب العدالة والتنمية الحاكم هو الوصيّ المعيَّن على البلدية في الأول من نوفمبر 2016 جمالي عطاء الله، أما مرشح حزب السعادة ذي الخلفية الإسلامية فهو فصيح بوزان. 

وكان حزب المناطق الديمقراطية ( الاسم القديم لحزب الشعوب الديمقراطي) قد حصد 55.1% من الأصوات في انتخابات 2014 المحلية، في حين توقفت نسبة أصوات العدالة والتنمية عند حاجز 35%. أما في انتخابات 2015 التشريعية، فإن حزب الشعوب الديمقراطي المؤيد للأكراد حصل على 79.06% من أصوات الناخبين، بينما لم تتجاوز نسبة دعم الحزب الحاكم 14%. كما أن الشعوب الديمقراطي كسب 67.03% من الأصوات في انتخابات 2018 التشريعية والرئاسية، في حين تبقّت نسبة تأييد العدالة والتنمية عند حدود 20.31%، والحزب الجمهوري عند 2.5%، وحزب السعادة عند 1.7%.  

تكشف هذه المعطيات أن الشعوب الديمقراطي يفوز بنسبة أصوات أقلّ في الانتخابات المحلية مقارنة بالانتخابات العامة. 

ومع أن حزب المناطق الديمقراطية كان فاز بـ16 بلدية في ديار بكر عقب انتخابات 2014 المحلية، إلا أن السلطات القضائية فرضت حراسة قضائية على 13 منها في 2016، فضلاً عن أن عديدًا من رؤساء البلديات، بينهم رئيسة بلدية ديار بكر الكبرى غولتن كيشاناك، لا يزالون قابعين في السجون. 

الحملات الدعائية للانتخابات.

عقب جولة في شوارع ديار بكر نلاحظ أن سباق الانتخابات سيجري بين الحزب الحاكم والشعوب الديمقراطي، رغم غياب حماس انتخابي لدى الشعب بشكل عام. ونرى أن معظم أهالي ديار بكر يحتجّون على تهديد أردوغان بتعيين أوصياء على بلديات الشعوب الديمقراطي، واتهام زعمائه بالإرهاب، ومطالبته أنصاره بالرحيل إلى كردستان العراق، كما أنهم مستاؤون من تراجع الإنتاج الزراعي والحيواني في المدينة، بسبب حظر التجول والاشتباكات بين قوات الأمن والانفصاليين الأكراد، بالإضافة إلى تفاقم الأزمة الاقتصادية في عموم تركيا. 

ومن اللافت أن الشرطة تقوم بحراسة مقرات شُعب الحزب الحاكم ومرشحيه أثناء فعالياتهم الدعائية؛ في حين أنها تحاصر مقرات شُعب الحزب الكردي وتراقب عن كثب أنشطته الانتخابية في المدينة.

يزعم مرشح الحزب الجمهوري محمد صايين، في حديثه معنا حول الانتخابات، أن حزبهم هو البديل الثاني لناخبي كل من الحزب الحاكم والشعوب الديمقراطي، ويقول بأن هدفهم الأساسي هو السعي لزيادة نسبة أصواتهم في المدينة.  

في حين يؤكد مرشح حزب السعادة فصيح بوزان أن الغاية الكبرى للناخبين هي تحقيق الأمن والسلام والسعادة والأخوة في ديار بكر، ثم يتابع قائلاً: "رغم أن حزب العدالة والتنمية يحكم في البلاد منذ 17 عامًا، إلا أنه لم يقدم أداءً ناجحًا في الاقتصاد والتغلب على البطالة والتعليم والسياسة الخارجية، وليس هناك أي شماعة ليعلق عليها فشله إلا مزاعم "بقاء تركيا أو زوالها". وأعتقد أن أهالي ديار بكر على دراية تامة بهذه المشاكل وسيصوّتون لصالحنا وقد نحصل على نسبة أصوات مفاجئة."   

بينما ينبّه مرشح الشعوب الديمقراطي لرئاسة بلدية ديار بكر الكبرى سلجوق ميزراقلي على أن حزب أردوغان يستغل كل إمكانيات الدولة في تنظيم فعاليات الدعاية الانتخابية، ثم يستدرك بقوله: "أما نحن فنعتمد على أنفسنا وجهود أنصارنا في تلك الفعاليات، ونحاول أن ندقّ باب كل مواطن يقيم في ديار بكر لنوصل إليهم رسالتنا وبرنامجنا الانتخابي".

الحملات الدعائية للانتخابات.

أما الناخبون الأكراد فالشعور المسيطر عليهم هو الغضب والإحباط. حيث تبدأ السيدة الستينية أكليمة حنس حديثها قائلة: "لو كان البحر مدادًا لكلماتي لنفد قبل أن أنتهي من ذكر عدد وحجم مشاكلي"، ثم تضيف: "إنهم أقالوا رؤساء البلديات الذين انتخبناهم، ولم يقيموا أي وزن لإرادتنا. إنه (أردوغان) يتربع على عرشه في قصره الفاخر، بينما المواطن العادي يعيش في بؤس كبير وضيق شديد بسبب الأزمة الاقتصادية. لي ابنان أكملا دراستهما الجامعية، إلا أنهما لا يزالان عاطلين بسبب سياسات الحزب الحاكم. لذا سأدعم الشعوب الديمقراطي في الانتخابات حتى يرفع الظلم عن الأكراد."

ويقول ويسي بارس (60 عامًا)، وهو متقاعد لكنه يعمل كسائق سرفيس في إحدى الشركات لعدم كفاية معاشه التقاعدي، إنه منح صوته حتى اليوم لحزب أردوغان، لكنه لن يدعمه هذه المرة، وفسّر سبب ذلك قائلاً: "لقد تغير حزب العدالة والتنمية وبدأ يتبنى سياسة عنصرية تمييزية، لذلك لن أدعمه هذه المرة. إنهم يهينون كل يوم شعبنا، مما يجرح قلوبنا ويمس كبرياءنا وشهامتنا. إنهم يمارسون الظلم على نواب الشعوب الديمقراطي ورؤساء بلدياته ويزجّونهم في السجون.هؤلاء أناس نحن انتخبناهم. كفى، نحن نريد الأمن والسلام والسعادة. سأساند مرشح الشعوب الديمقراطي."

وعندما نوجه للشاب مظلوم ميشه، الذي يعد نفسه لخوض امتحان القبول في الجامعات وسيصوّت لأول مرة، سؤال: "هل تعانون من أي مشكلة؟" يجيبنا بسؤال آخر: "عن أي مشكلة أتحدث؟"، ويشرح مضمون سؤاله قائلاً: "لا يمكنك أن تحصل على عمل أو وظيفة عن طريق الدراسة، ذلك لأنه لا يتم تعيين الطلبة الحاصلين على درجة عالية في امتحان التوظيف، بل يتم تعيين المقربين إلى السلطة السياسية ولو حصلوا على درجة متدنية. فالمجتهدون والأذكياء والمؤهلون تهضم حقوقهم وتحرمون من التوظيف بسبب هذه المحسوبية. لديّ مخاوف بشأن التعليم وإيجاد عمل. مع ذلك أواصل الدراسة لعل الأيام القادمة تكون أفضل من اليوم. أما الحزب الذي سأصوّت له في هذه الانتخابات فهو الشعوب الديمقراطي."

وما قاله أحد الموظفين في المكتب الانتخابي التابع لحزب العدالة والتنمية، والذي رفض الكشف عن اسمه والتقاط صورة له، يلخّص النتائج المحتملة للانتخابات البلدية في ديار بكر: "أهل ديار بكر لا ينظرون إلى الخدمات. إنهم لن يتخلوا عن أفكارهم حتى ولو غطّى العدالة والتنمية كل الشوارع بالذهب. بحسب رأيي لن تتجاوز نسبة أصوات حزب أردوغان في ديار بكر 30%"، على حد زعمه. 

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضًا:

https://ahvalnews.com/tr/yerel-secimler/diyarbakirda-hdp-secmeni-kizgin-akp-secmeni-ise-umutsuz
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.