Nesrin Nas
مارس 30 2019

انتخابات يطغى عليها التآمر والتناحر

ما رأيناه وسمعناه بدءًا من انتشار مشاهد مذبحة نيوزيلاندا في الميادين التركية وصولًا إلى تهديد زعماء المعارضة وخاصة مرشح أنقرة بالمحاكمة، والنداءات على الناخبين "ليست هذه هي الانتخابات هي التي سيتم فيها تلقين الدرس، رجاءً لا تفعلوا" حيث لا تكفي تلك التهديدات؛ كلُّ ذلك يُنبئ بأن الأمور لا تسير على ما يرام بالنسبة لتحالف السلطة.

إننا نتجه إلى صناديق الانتخابات في بيئة تآمرت فيها الهويات والأحزاب بعضها على بعض، وتزامن مع ذلك التفكك الجغرافي، وصار كل شخص يسمع صوت رئيس حيّه فحسب، تسودها حملة انتخابية أعلن رئيس الجمهورية، فعليًًا، خلالها أنه ليس رئيسًا للجميع.

ومع أن الخطابات الميدانية لرأس الدولة ووزير الداخلية المسؤول عن تحقيق الأمن في الانتخابات تعلن للعالم أجمع أن الانتخابات لن تكون منافسة عادلة وآمنة ولن تُجرى في بيئة صحية، فإننا سنرى تأثير الاقتصاد في هذه الانتخابات إلى حد ما. ولكن الأهم هو أنه قد تأكد أن خسارة السلطة لأصوات الناخبين والتي كانت بدأت مع الاستفتاء، مستمرة وسوف تستمر.

وشركات أبحاث ودراسات الرأي العام أيضًا تلفت الانتباه إلى هذا الاتجاه، وإلى أن أهم قضايا المجتمع ذات الأولوية هي الاقتصاد المفتوح والبطالة، وأن قضية الأمن تراجعت إلى أدنى مستوياتها، أكثر من الاهتمام بمن سيكون الفائز في هذه الانتخابات. وهذا يزيد من سخط السلطة أكثر.

وفي انتخابات الــ 24 يونيو زُعم أن النظام الرئاسي هو الداء لكل دواء، وتم تسويقه على أنه سيرتقي بتركيا حيث رُفع شعار "رئيس قوي يعني مجلسًا قويًا وتركيا قويةً"، لكنه بات من الواضح أن هذا النظام عَقَّد جميع مشاكل تركيا بصورة أكثر بدءًا من الاقتصاد إلى السياسة الخارجية بدلًا من أن يحلها كما ادُّعي، وهو ما زاد من غضب السلطة وذعرها.

فكان ذعرًا أدى إلى أن كل خطوة اتخذتها السلطة من قبيل الهجوم على مخازن البصل والبطاطس، وإنشاء منافذ للبيع تابعة للبلديات، والسيطرة على سعر الصرف بواسطة البنوك العامة، والحفاظ على أسعار الفائدة منخفضة من خلال تهديد البنوك، وإجبارها على منح قروض حتى لا تنعكس الأزمة الاقتصادية على الشارع لم تقف عند ترسيخ مفهوم الأزمة فحسب، بل جعلت الخروج منها صعبًا، وزادت من مدتها على حد سواء.

وكان من مظاهر هذا الذعر تمسك السلطة الشديد بمفهوم البقاء فيها، ومحاولتها استقطاب أصوات الناخبين استغلالًا لمذبحة نيوزيلندا، وذلك بتقديمها تركيا دولة إسلامية مناضلة، وتهديدها زعماء المعارضة بالسجن، بل وبإعدامهم بواسطة أتباعها، وتصريحها أنها ستفصل رؤساء البلديات المحتمل ترشحهم في الانتخابات من وظائفهم، وعدم اكتراثها بأن هذا يعتبر ضربًا لصندوق الانتخابات -الذي باركوه لسنوات طويلة واعتبروه الديمقراطية بعينها-بعُرض الحائط وركلًا له...

هناك جرعة زائدة في لغة الدعاية لدرجة أنه عندما يقول أردوغان و"بهجلي" و"صويلو" "البقاء" يتبادر إلى أذهان الغالبية أنه بقاء كرسي السلطة وامتيازاتها فحسب.

ضَف إلى ذلك، أن أعضاء السلطة الذين يُخرِجون هذه الانتخابات من كونها انتخابات محلية، حيث يرونها انتخابات الحياة أو الموت، يضعون الدولة في مواجهة مع الشعب بسبب اختياراتهم هذه. والواقع أنهم يلوحون إلى أن الجماهير التي تصوت لصالح المعارضة سوف تُنبذُ بعد الانتخابات، فإن كانت أغلبية الأصوات لصالح المعارضة فسوف نواجه مشهدًا تبدو فيه تركيا شيئًا ثانويًا، ولا يعترف فيه بأن الأغلبية هي الشعب.

ولن يتغير حكام البلاد في هذه الانتخابات، ولكنه لن يكون لدى الحكومة، التي قدمت يوم 31 مارس على أنه انتخابات البقاء بالنسبة للدولة، الكثيرُ من الوسائل للتغلب على المشكلات التي نواجهها من الاقتصاد إلى السياسة الخارجية. لأن سياسة الاستقطاب الموجودة في الداخل هي في الوقت نفسه بادرة سياسة تشمل الانفصال خطوة خطوة عن العالم الخارجي.

وبالتالي فإننا نخطو باتجاه مرحلة سيتم فيها بواسطة النظام القضائي إسكاتُ من يُنظر إليهم اليوم على أنهم ثانويون، ويُضطرون إلى الهجرة، وأما الموالون للسلطة فسوف يُجبرون على العيش في تركيا محاطة من كل جانب بجدران مرتفعة، وتُمنح الامتيازات القانونية والاقتصادية للأشخاص وفقًا لدرجة القرب العرقية والدينية والسياسية.

زِد على ذلك أن السلطة التي جعلت كل الوسائل السياسة، التي لجأت إليها في سبيل حل مشكلات تركيا، وسيلة دعائية لها تبدو لم تترك لنفسها خيارًا آخر سوى البقاء في السلطة.

وانعدام الخيارات هذا يجعل من المستحيل إصدار أحكام بشأن المخاطر. فمثلًا الموقف الذي وقفناها في مذبحة نيوزيلاندا وأسباب خسارة الليرة التركية مؤخرًا ما نسبته 6 في المائة من قيمتها أمام الدولار أمر واضح وصريح، ولست أدري كيف سينعكس على صندوق الانتخابات ذلك الأمر هو وتقديم هذه الخسارة على أنها لعبة القوى المتآمرة على السلطة، وفتح تحقيق للبنوك المحلية والأجنبية، ولكنني أستطيع القول إن ذلك سيؤثر على تركيا بدءًا من الاقتصاد وحتى السياسة الخارجية تأثيرًا كبيرًا.

كم هو مؤسف أن تركيا تركض نحو نظام منغلق عازم على السير بعصا السلطة، وليس بالمعايير والقواعد العالمية في كل القضايا من الاقتصاد إلى العدالة، ومن الأمن إلى السياسة الخارجية. في حين أن نظامًا منغلقًا يعني فقرًا دائمًا. ويعني الحرمان من الحرية والحقوق الأساسية. إنه يعني نظامًا يتم فيه على خلاف المعتاد قبول عدم المساواة والظلم باعتباره "ما يجب أن يكون".

ويقول صديقي العزيز "أحمد تولغار" في مقاله يوم الأحد في "ت 24" إننا نعيش في بلد "مقعر":

"مثلما ينطوي الفرد على نفسه، ويتحول إلى الداخل، يمكن لأي مجتمع أيضًا أن يتحول إلى الداخل، وينطوي على نفسه. والمجتمع التركي يمر بمرحلة كهذه، وهكذا يسير في مثل هذه المرحلة منذ فترة طويلة. فمع ضغوط الدولة وخطاب العنف يئن ويتلاشى العديد من المواطنين يوميًا بسبب الأزمة الاقتصادية، وينسحب كلٌ منهم من الساحة العامة إلى ساحته الخاصة بحثًا عن الأمان، ويتحول إلى داخله، وينطوي. لقد اتخذ هذا الموقف بُعدًا اجتماعيًا. من ناحية أخرى تكونت أيضًا كتلة كبيرة مؤيدة للنظام راضية عن نفسها، مهتمة بذاتها، ومنطوية عليها؛ بتأثير دعاية وخطاب عدائي مكثف.

وكلما تحولت تركيا إلى داخلها وانعزلت وانغلقت على نفسها من خلال هذين الخطين فإنها بالطبع تنفصل عن الحياة الاجتماعية الدولية أيضًا. لقد أصبح المجتمع لا يهتم بهذه الأمور. إنه يعيش الوضع الذي ينخرط فيه وكأنه مصيري، مصير خاص. والهاوية الناتجة عن التحول إلى الداخل والانغلاق على النفس تتكون حاليًا في صدر المجتمع بهذه الطريقة، وتظهر في البعد الوطني. إذن، نحن في بلد "مقعر".

أية نتيجة وكيف سيكون تأثير هذا من الناحية السياسية؟ عندما ننظر إلى الأسطح المقعرة أو المرآة المقعرة أو أيً من الأسطح المعدنية الغائرة، في داخل ملعقة مثلًا، نرى صورتنا أكبير بكثير مما هي عليه... فالسلطات الاستبدادية والشعبوية اليمينية تعتبر أنها محاطة بالأعداء، وخوفًا من الشعور بالوحدة تسعى إلى تشبيه المجتمع والغالبية بنفسها، وتريد أن يشبهها المجتمع والغالبية. إن السلطات الاستبدادية للشعبوية اليمينة تحب المجتمعات المقعرة، ومجتمعات المرآة المجوفة لهذا السبب تمامًا، وتشاهد نفسها باستمرار في مرآة البلاد المقعرة. وهذا أيضًا مرآة عملاقة في الأساس."

ربما تكون هذه الانتخابات خطوة أولية لكسر هذه المرآة العملاقة.

وربما لن نكون قادرين على اختيار حكامنا المحليين مرة أخرى؛ إذ قال أردوغان في 2017 إن تعيين الحكام المحليين أكثر ملاءمة وصوابًا. لذلك من المهم الذهاب إلى صناديق الانتخابات والتصويت.

فصندوق الانتخابات هو الوسيلة الوحيدة التي تبقت لنا من الديمقراطية لكي نقول للحكم الاستبدادي الذي يرى نفسه في مرآة بلد مقعرة إننا لسنا راضين عنه.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/yerel-secimler/yine-bir-secim-oncesi
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.