انتصارات المعارضة التركية في الانتخابات فرصة للإصلاح الحقيقي

صدّق المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا يوم الأربعاء رسمياً على تولي مرشح حزب المعارضة الرئيس - حزب الشعب الجمهوري - أكرم إمام أوغلو منصب عمدة إسطنبول، وذلك بعد 17 يوماً من الانتخابات المحلية التي أُجريت في 31 مارس.
لكن إمام أوغلو ليس في مأمن بعد؛ فقد تقدم الحزب الحاكم بطلب لإلغاء التصويت الذي جرى في إسطنبول وإعادته متعللاً بما يقول إنه تزوير شاب الانتخابات. وإذا وافق المجلس الانتخابي على طلب حزب العدالة والتنمية، فسيعود ناخبو إسطنبول من جديد إلى صناديق الاقتراع خلال ستة أسابيع فقط، وبالتحديد في الثاني من يونيو.
بيد أن حزب الشعب الجمهوري وشركائه في التحالف الانتخابي حققوا بالفعل نجاحاً كبيراً في الانتخابات من خلال الفوز بالعُمودية في العاصمة أنقرة ومدينتي أنطاليا وأضنه جنوبي البلاد، فضلاً عن عدد من المدن الأخرى الكبرى في أنحاء البلاد. إلا أن إسطنبول ستكون تتويجاً لهذا الإنجاز الضخم.
غير أنه في الوقت ذاته سيكون خطراً على حزب الشعب الجمهوري الاغترار بهذه الانتصارات؛ فقد تصبح عمودية هذه المدن الكبرى التي فاز بها هي ذاتها فخاً يسقط فيه الحزب ما لم تُتّخذ خطوات جريئة خلال فترة إداراته لتلك المدن.
وتحصل البلديات الكبرى مثل إسطنبول وأنقرة على ميزانيات ضخمة للغاية، وتتعامل معها الشركات والتكتلات التركية الكبرى.
أحد الجوانب الطبيعية لهذا هو حجم الإيجارات الناتجة عن المشروعات التي أُسندت إلى شركات أو صرّحت بها البلدية، والذي يزيد عن حجم الميزانية. كما أن إسطنبول مدينة يعيش بها 16 مليون نسمة وما زالت آخذة في النمو.
وبالإضافة إلى السيطرة على حجم الميزانية، تملك البلديات الكبرى سلطة اتخاذ قرارات تشكل ملامح التغيرات الاجتماعية في مدنها.
ومن ثم فإن إدارات البلديات بيدها أن تختار الحيلولة دون انتشار الفساد على نطاق واسع أو أن تساعد هي نفسها في انتشاره، حيث أنها تسيطر بطبيعة الحال على العطاءات العامة وتملك سلطة توزيع الإيرادات.
ويجب ألا ننسى أن محاربة الفساد هي إلى حد كبير مسألة تنظيم مؤسسي، فضلاً عن كونها قضية أخلاقية. وهناك بالطبع مساحة للصدق والإخلاص في هذه المعركة. ومن شأن اختيار شخص يتحلى بالأخلاق لتولي المسؤولية أن يحد من الفساد؛ لكن من دون تغيير الهياكل المؤسسية، فقد يحل مسؤول فاسد محل ذلك الشخص الأمين بسرعة.
غير أن محاربة الفساد تحتاج بشكل مُلح إلى وضع قواعد مؤسسية عبر التشريعات والقوانين لكي نتجنب عودة العُمد غير الأمناء من جديد في وقت لاحق وتبدد أي مكاسب تحققها الإدارات الأمينة.
لكن البرلمان وحده، لا الإدارات المحلية، هو الذي بيده سلطة طرح الإصلاحات المؤسسية والدستورية والقانونية اللازمة في هذه المعركة.
والقضية الأكثر أهمية التي بانتظار حزب الشعب الجمهوري في الأيام القادمة حالما تصبح نتيجة سباق انتخابات إسطنبول نهائية هي أن يذهب الحزب إلى البرلمان ليضغط من أجل إصلاحات قانونية تحد من الفساد، وعلى وجه الخصوص في داخل البلديات.
وهناك أربعة موضوعات في هذا الصدد، كل منها يمثل تحدياً.
أول هذه الموضوعات هو تمرير قانون ملح للغاية يفرض ضريبة على الإيجارات في المدن. ومن المهم أن نتذكر أن نائب رئيس الوزراء السابق المنتمي لحزب العدالة والتنمية علي باباجان اقترح خطة بهذا الشأن عام 2013، وكلفه رد الفعل على ذلك الاقتراح ثمناً باهظاً، حيث اضطر للابتعاد لفترة طويلة عن الحياة السياسية.
وتمرير هذا القانون بمثابة دخول عش الدبابير الذي به الكثير من الشخصيات والمؤسسات من أصحاب النفوذ، حيث أن هذا سيكون معناه اقتطاع جزء من دخلهم واستخدامه لما فيه صالح جموع الشعب. وهذه خطوة ضرورية، لكن من شأنها خلق أعداء وإحداث تداعيات، حيث ستنتقص واحدة من أدوات البلديات الأكثر قوة، وهي الحق في تخصيص الإيجارات.
الإجراء الثاني المهم هو استعادة سلطات غرفة الحسابات في تنظيم إنفاق البلديات، ومن شأن هذا إعادة أحد إجراءات الشفافية من جديد إلى المؤسسة التي أُضعفت كثيراً على مر السنوات.
وإذا حصلت الغرفة على سلطة تنظيم إنفاق الإدارات المحلية ونشر البيانات تلقائياً، فقد يصبح هذا مثالاً يحتذى للحكومة المركزية ويحد من الفساد والإنفاق غير القانوني على المستوى المحلي.
المسألة الثالثة الملحة هي إصلاح قانون العطاءات العامة لمنع الفساد في هذا الجانب. ويعتقد الكثيرون أن العطاءات والمشتريات العامة أحد الأبواب الرئيسية لفساد الحكومة التركية الحالية.
الأمر الرابع، والأهم، هو أنه يجب على المعارضة أن تضغط من أجل طرح تعديل دستوري يمنح الإدارات المحلية الحق في فرض ضرائب. وإذا صيغت هذه التعديلات بشكل صحيح، فلن تكون هناك مخاوف من أن يمهد مثل هذا التعديل الطريق أمام التأسيس لنظام اتحادي.
ويضع النظام الحالي سلطة فرض الضرائب في يد البرلمان؛ لكن هذا معناه أن تتلخص وظيفة الإدارات المحلية في آليات تحديد الإيجارات وتخصيصها.
وإذا أعرض حزب الشعب الجمهوري عن خوض المعركة الشرسة اللازمة للضغط من أجل تمرير هذه الإصلاحات من خلال البرلمان، وآثر الاستمرار في ظل النظام القديم، فسيكون من شأن هذا أن يجعل من الحزب صورة مصغرة من حزب العدالة والتنمية الحاكم.
لكن إذا ضغط حزب الشعب الجمهوري من أجل تمرير هذه الإصلاحات وأعاقه حزب العدالة والتنمية عن ذلك، فإن هذا سيُظهر للناخبين إلى أي مدى صار الفساد ضارباً بجذوره العميقة في الحزب الحاكم.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/istanbul/turkish-opposition-election-victories-chance-real-reform
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.