انهيار الشركات يعمّق الأزمة الاقتصادية في تركيا

تكشف المعطيات أن الأزمة التي تشهدها الشركات الصغيرة والمتوسطة، التي تمثل العمود الفقري لاقتصاد تركيا، تتعمّق يومًا بيوم، الأمر الذي يتطلّب تنفيذ إصلاحات هيكلية من دون أي تأخير تفاديًا لتفاقم الثمن.
فقد وصل مقدار انخفاض العمالة في الشركات الصغيرة والمتوسطة إلى 348 ألف في ديسمبر 2018، مقارنة بنفس الفترة من العام السابق؛ في حين انخفض عدد الموظفين المؤمن عليهم بمقدار 211 ألف مقارنة بشهر نوفمبر. 
وإذا ألقينا نظرة على نشرة التشغيل والتوظيف التي أعدها مركز دراسات السياسة الاقصادية (TEPAV)، بالاستناد إلى بيانات مؤسسة الضمان الاجتماعي (SGK)، تظهر أبعاد الأزمة الاقتصادية المتزايدة بصورة مستمرة، ومدى انعكاسها على الشركات والمؤسسات الاقتصادية الصغيرة والمتوسطة.
فقد كشفت النشرة أن أكبر نسبة انخفاض في العمالة حدث في قطاع تشييد المباني ضمن الشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث وصل إلى 282 ألف شخص. وإذا أضفنا إليها الشركات الكبيرة أيضًا، فإن نسبة انخفاض العمالة في القطاع تبلغ 358 ألف شخص. جاء بعد ذلك قطاعُ بناء المباني الخارجية، حيث بلغ مقدار انخفاض العمالة فيه 50 ألف شخص. وقد انخفض عدد العاملين في الشركات الصغيرة والمتوسطة في قطاع تشييد المباني بنسبة 25.8%.
وهذا يعني أن واحدًا من بين كل أربعة أشخاص في القطاع فقدوا وظائفهم. وعندما ننظر إلى قطاع البناء ككل مع قطاعاته الفرعية الأخرى، فإن نسبة انخفاض القوى العاملة فيه تتجاوز 500 ألف.
وفقا لنشرة التشغيل المذكورة؛ فإن 48 قطاعًا من أصل 88 قطاعًا في عموم تركيا شهد تراجعًا في عدد العاملين. وكذلك الصناعة التحويلية هي الأخرى التي تشهد انكماشًا خطيرًا، إذ تظهر المعطيات أن 13 قطاعًا من أصل 24 قطاع الصناعة التحويلية يشهد تضاؤلاً، ويبلغ حجم تضاؤل العمال في أول 10 قطاعات حوالي 80 ألفًا.
ومع أن عدد القوى العاملة زاد في 24 مدينة، إلا أنه انخفض في 57 مدينة. وجاءت إسطنبول في المركز الأول من حيث تضاؤل العمال المؤمن عليهم في الشركات الصغيرة والمتوسطة، حيث بلغ عددهم 95 ألف شخص، تلتها في المرتبة أنقرة بواقع 26 ألفًا، ثم قونيا بواقع 19 ألفًا، ثم كلٌّ من أضنة وإزمير بواقع 18 ألفًا. وتعكس المعطيات أن الانكماش في الشركات الصغيرة والمتوسطة أعلى بكثير مقارنة بالاقتصاد العام.
وفي الوقت الذي طال الانكماش قطاعات البناء والإنتاج والصناعة، التي تمثل أركان القطاع الخاص في تركيا، اقتصر النموّ فقط على المجالات التي ترتبط بالدولة، وتقدم أعمالا وخدمات تخص القطاع العام.
المعلومة المذهلة الأخرى التي تظهرها بيانات نشرة التوظيف المذكورة، التي تستند إلى معطيات مؤسسة الضمان الاجتماعي تتعلق بعدد التجار. لقد ارتفع عدد التجار في عموم تركيا بمقدار 65 ألف خلال عام واحد، إلا أن عددهم شهد انخفاضًا بمقدار 45 ألف خلال فترة نوفمبر-ديسمبر فقط.
وكذلك انخفض عدد المزارعين في 46 مدينة، بينما توقفت المدن التي شهدت زيادة عند 34 مدينة. في حين أن مدينة أنطاليا تبوأت الصدارة من حيث نسبة انخفاض عدد المزارعين، أعقبتها بالترتيب كلٌّ من مدن هاتاي وآيدين وسامسون. وشهدت مدينة طرابزون أسرع نسبة انخفاض في عدد التجار الصغار بلغت 8%.
ويرى الخبراء الاقتصاديون أن هذا الانخفاض في عدد المنتجين هو أحد الأسباب التي تقف وراء الارتفاع الجنوني الذي تشهده أسعار المواد الغذائية في تركيا.
وفي الوقت الذي يتقلص فيه القطاع الخاص، فإن الزيادة المشهودة في عدد الموظفين المدنيين تلفت الأنظار، حيث ازداد عددهم بمقدار 45 ألف في سنة واحدة. وأصبحت إسبرطة أكثر المدن ارتفاعًا من حيث عدد موظفي الخدمة المدنية بمقدار 7 آلاف.
ولا شكّ أن نمو القطاع العام في الوقت الذي يتقلص فيه القطاع الخاص، يعني أن عددًا أقل من المكلفين بدفع الضرائب يمولون المزيد من الموظفين العامين، وهو الأمر الذي يعني أن عبء القطاع الخاص أصبح أكثر رغم أنه يكافح من أجل البقاء.
وقد جاء المسح الذي أجرته مؤسسة الأبحاث والدراسات الاقتصادية الاجتماعية التابعة لجامعة "باهجه شهير" حول توقعات سوق العمل داعمًا لمعطيات مؤسسة الأبحاث والدراسات الاقتصادية السياسية. فوفقًا لهذا المسح أيضًا، يشهد جميع القطاعات -ما عدا قطاع- الخدمات انكماشًا ملحوظًا.
لقد شهدت العمالة في قطاع الخدمات زيادة محدودة في شهر ديسمبر، مقارنة بالشهر السابق، وصلت إلى 16 ألف؛ في حين تقلصت في قطاع الصناعة بمقدار 182 ألف. كما أن العمالة في قطاعي الزراعة والبناء شهدت انخفاضًا بمقدار 54 ألفًا و77 ألفًا في شهر واحد فقط.
يعتبر تسريح 182 ألف شخص من عمال قطاع الصناعة أقوى انكماش بعد الانكماش الذي شهده في يناير 2009، والذي بلغ 165 ألف شخص، ليرتفع بذلك انكماش القطاع إلى 256 ألف في الفترات الأربع الأخيرة.
وإذا أردنا أن نلخّص، فإن الشركات الصغيرة والمتوسطة تعاني من انهيار اقتصادي عميق، وأن أبعاد الأزمة تجاوزت حدود أزمة عام 2009. ومن ثم تتوجه الشركات التي تتدهور أوضاعها بسبب الأزمة الاقتصادية إلى إقالة العمال، مما يؤدي إلى انخفاض الإنتاج والفشل في سداد الديون المضاعفة بسبب تقلب العملة. وهكذا يصبح الإفلاس أمراً لا مفر منه بالنسبة للعديد من الشركات التي فشلت في الخروج من الأزمة. وذلك بالإضافة إلى تكاليف اقتصادية واجتماعية ونفسية نابعة من فقدان مئات الآلاف من الأشخاص وظائفهم. أضف أن الإنفاق العام الذي أقدمت عليه الحكومة وبلغ أرقامًا قياسية أثناء الانتخابات المحلية الأخيرة تسبّب في تعميق الأزمة أكثر. 
يجب على تركيا أن تضع نقاشات الانتخابات جانبًا وتركّز على الاقتصاد وتنفيذِ الإصلاحات الهيكلية الضرورية بصورة عاجلة. ولا بد أن تكون الخطوة الأولى هي إعادة تأسيس سيادة القانون وحرية الصحافة وظروف السوق الحرة. وآمل أن السلطة الحاكمة بقيادة أردوغان على دراية كافية بأن الثمن الذي ستدفعه تركيا سيزداد كلما تأخرت في اتخاذ هذه الخطوات.

 يمكن قراة المقال باللغة التركية أيضًا على هذا الرابط: 

https://ahvalnews.com/tr/ekonomi/kobilerde-ekonomik-cokuntu-derinlesiyor