إيليم يلماظ
مارس 27 2018

باصقين أوران: استراتيجية أردوغان خلقُ توتر دائم في الداخل والخارج

يُعرفُ الأستاذ الدكتور باصقين أوران بدراساته وبحوثه حول القوميات والأقليات، كما أنه واحدٌ من الخبراء في السياسية التركية الخارجية، وقد نشر كتابه الجديد "الأقليات العرقية والدينية: التاريخ والنظرية والقانون وتركيا".
ويعتبر الكتاب مصدرًا في بابه فيما يتعلق بحقوق الأقليات، كما أنه يضع في الوقت نفسه فترة حالة الطوارئ في تركيا تحت المجهر.
وقد خُصّصَت مساحة كبيرة في الكتاب لمعاهدة لوزان التي توصف بأنها "صَكُّ تركيا"، كما أنَّ أساطير المدينة التي كونها حكام البلاد أنفسهم حول هذه المعاهدة تمثل جزءًا مهمًا منه يضمن لقارئه الضحك والقهقهة.
تجدر الإشارة إلى أن الأستاذ الدكتور باصقين أوران حين قبل عرضنا بإجراء حوار معه شاركنا أفضل أساطير هذه المدينة: "لقد عُقدت لوزان من أجل 100 سنة، وسوف تنتهي من تلقاء نفسها في عام 2023".
ولا سيما أن تلك الأسطورة الأخيرة تشكل ظاهرة مستقلة بذاتها؛ فإلى جانب وضع لوزان في مستوى واحد مع المواد الغذائية ذات الصلاحية المحددة؛ فإن ذلك يُذكِّر الإنسان بما ورد في مسلسل "مهمتنا الخطر" من أن "شريط التسجيل هذا سوف يمحو نفسه بنفسه بعد 5 دقائق من الاستماع إليه!".
كان هناك العديد من الأسئلة التي تُطرح على هذا الكتاب المصدر في بابه، غير أن الأستاذ الدكتور باصقين لما كان واحدًا ممن تستهدفهم سهام النقد لتفضيله رأي "لا يكفي ولكن نعم" كان لا بد من التطرق إلى هذا الموضوع وعدم إغفاله. فنظرًا لعضويته في لجنة الحكماء تحدثنا معه حول إمكانية وجود منهج آخر و/ أو مسيرة حل جديدة اليوم فيما يتعلق بالمشكلة الكردية التي تحدثنا عن ماضيها وتاريخها في إطار كتابه.
ومما لا شك فيه أننا سمعنا أيضًا تقييمات الأستاذ باصقين الخاصة بقرارات المحكمة الدستورية في تركيا والمحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان التي لا يتم تطبيقها. بالإضافة إلى أننا سألناه كيف يقوم بتعريف حزب العدالة والتنمية اليوم، وكان صرح قديمًا بدعمه له؛ حيث قال "إن حزب العدالة والتنمية يطهر البلاد من العصابات التي فيها".

باصقين أوران

وهنا نترك الحديث إلى الأستاذ الدكتور باصقين أوران ليحدثنا عن حقوق الأقليات مِن ألفها إلى يائها، وممارسات الدولة، وأشكال انتهاك تلك الحقوق، والعلاقة بين الاستيعاب والدمج والتكامل، والعديد من الأسئلة الأخرى المتعلقة بالفترة منذ العصور الوسطى (800-1453) وحتى اليوم..
تناولتم في كتابكم الجديد المسمى "الأقليات الدينية والعرقية: التاريخ والنظرية والقانون وتركيا" موضوع الأقليات الذي يمثل أحد المواضيع الشائكة عند مناقشتها تناولًا شاملًا من ألفه إلى يائه، لقد أعددتم الكتاب بحيث يكون مصدرًا جديرًا بالرجوع إليه.. إنكم تبدؤون الكتاب بالحديث عن "وثيقة المدينة" التي صاغها محمد عليه السلام في عصر صدر الإسلام والتي شُرعت من أجل حماية الأقليات. فكيف كانت النظرة إلى الأقليات في عصر صدر الإسلام؟

وثيقة المدينة نص تفاهم مبكر عقد بين الأديان (القرن السابع الميلادي)، وهو نص مهم. غير أنه لا بد من عدم المبالغة؛ لأن تحولها إلى موضوع نقاش بدأه علي بولاج أحد المسلمين المتدينين في تركيا أوائل التسعينيات من القرن الماضي، وذلك ضمن المنشورات اليسارية، كان موجهًا إلى تحقيق هدفين اثنين:
1) إظهار أن الإسلام منفتح على الديمقراطية.
2) القول بإمكانية إقامة نظام اجتماعي متعدد القوانين وإمكانية الوصول إلى حل من شأنه أن يُزيل الصراع بين الإسلاميين والحداثيين.
ومع ذلك فإنَّ هذا النص الذي أعدّه محمد (عليه الصلاة والسلام) كان يصون ويحفظ حقوق الأقليات، لكن الأقليات التي كانت تحميها هذه الوثيقة هم المسلمون أنفسهم الذين جاؤوا إلى المدينة تحت قيادته هو شخصيًا بسبب الهجرة، واليهود الموجودون في المدينة. ولو أن تلك الوثيقة كانت أُعدَّت من جانب العرب؛ عبدة الأوثان الموجودين بالمدينة لكان الأمر كذلك حينها.
ومن جانب آخر لقد تحولت وثيقة المدينة إلى نظام الأمة في الدولة العثمانية عام 1452 واستقرت هناك؛ ولم تستطع أن تتقدم وتتطور أكثر. فقد كان نظام الأمة يعترف لغير المسلمين بالحكم الذاتي، غير أنه كان يعتبرهم طبقة ثانية بالنسبة للمسلمين.
ومع ذلك فإن المرحلة التاريخية التي بدأت على أنها حماية للبروتستانت في القرن 16 قد تناسبت وتطورت لتؤسس نظام حقوق الإنسان والأقليات الحالي.

من هذا المنظور التاريخي كيف تفسرون توجيه واستخدام الدين الإسلامي في الوقت الراهن كوسيلة لقمع الأقليات والأديان الأخرى؟ وكيف تنشأ منظمات مثل داعش؟ وما هي المشكلة الرئيسة هنا؟

إن معاملة الإسلام للأقليات عبارة عن إقامة لنظام الأمة بشكل كامل: حيث يظل غير المسلمين مستقلين في شؤونهم الدينية، ولكن شريطة ألا يخرجوا من وصايتنا ولا عن طاعتنا.
إلا أن داعش بعيدة عن هذا الخط تمامًا، بل وتمامًا للغاية، ولا علاقة لها بذلك على الإطلاق. إنها مجرد عصابة تهدف إلى القضاء على غير المسلمين، بل وعلى من لا ينتسب إليها أصلًا من المسلمين. إنها ناجمة عن حقيقة عدم وجود دولة إسلامية واحدة متطورة في العالم، وهي تندد بهذا الوضع حسب مزاجها من خلال إرهاب ذكوري وحشي يستغل الخطاب الإسلامي. هذا كل شيء.

يُناقش موضوع الأقليات في تركيا من الزاوية الاجتماعية أكثر بكثير من مناقشته من حيث الإطار القانوني. فهل هذا التعريف "الأقلية كل من يرى نفسه مختلفًا عن الأغلبية." المطروح حول معنى الأقلية تعريفٌ صحيحٌ؟

هناك خمسة عناصر هي الأكثر حضورًا في مفهوم الأقلية كتالي:
1) أن تكون أقل عددًا من باقي عدد السكان (ولا يؤثر في هذا أن يكونوا أغلبية في بعض المناطق الأخرى من البلاد).
2) ألا تكون المهيمنة (لأنها لو كانت المهيمنة، ومن ذلك مثلًا البيض الموجودون في أبارتايد (نظام الفصل العنصري)، فلا يُمكن أن يُطلق عليها لفظ أقلية).
3) أن يكون مواطنًا في الدولة التي يعيش فيها (لأن "الأجنبي" فئة أخرى ومختلفة).
4) أن يختلف عن الأغلبية من الناحية العرقية والدينية واللغوية.
5) الحفاظ على تلك الفروق والاختلافات.
بعد وضع هذا التعريف في الاعتبار والاعتداد به يمكن عندئذ مناقشة موضوع الأقلية.

حسنٌ، إذا قمتم بتعريف مفهوم الأقلية من حيث الإطار القانوني؛ فمن الذين يُطلق عليهم هذا المصطلح في تركيا؟

يُطلق مصطلح الأقلية على غير المسلمين. وهذا أيضًا ينبع من الفصل الثالث في معاهدة لوزان.
ومع ذلك يجب بسرعة إضافة أن هذا الفصل يحمل عنوان "حماية الأقليات"، لكنه يكفُلُ حقوقًا إلى مجموعات أخرى من غير المسلمين؛ ومن ذلك على سبيل المثال أن "من يستخدمون لغة غير اللغة التركية" يستطيعون استخدام لغاتهم الخاصة بهم شفاهيًا في المحاكم (المادة 39/5). كما أنه يضع حقوقًا يمكن أن يستفيد منها غير المسلمين أيضًا مثل: يستطيع "جميع مواطني الجمهورية التركية" استخدام اللغة التي يفضلونها في التجارة وفي العلاقات الشخصية وفي الاجتماعات المفتوحة العامة وفي وسائل الصحافة والإعلام، و"يستحيل فرض أية قيود على هذا" (المادة 39/4).
ومع ذلك فإن الدولة، وكما يعلم الجميع، لم تترك نوعًا من القيود إلا وفرضته وطبقته، وواصلت انتهاك هاتين الفقرتين تمامًا منذ البداية.
باصقين أوران

الأكراد والعلويون لماذا لا يعرفون أنفسهم على أنهم أقليات، لماذا يرفضون هذا؟

لأنهم ما زالوا يخضعون للتأثير التاريخي لنظام الأمة؛ ذلك أنه إذا ما قيل في تركيا "الأقلية" تبادر إلى الذهن مباشرة مصطلح "غير المسلمين"، وبالتالي فإنهم أنفسهم يبدون كمواطنين من الدرجة الثانية بل وحتى مواطنين مستحقرين عندنا؛ كما يُقصد من ذلك أيضًا "الطابور الخامس" أي خونة الوطن. والأكراد والعلويون أيضًا خاضعون لتأثير هذا الجو العام.

هل يطلب الاتحاد الأوروبي من تركيا أن تمنح الأقليات وضعًا معينًا حيث يخاطبها "اعترفوا بحقوق الأقليات"؟

لا، ليس هناك من يُطالب بمنح الأقليات وضعها. لقد أصبح الأمر معيارًا عالميا إذ يُقال فحسب اعترفوا بحقوق الأقليات. فبعد التوقيع على معاهدة لوزان صدر نص مطول بشأن حماية الأقليات. إنهم يقولون اعترفوا بالحقوق الواردة هنا. ومن ذلك مثلًا: استخدام اللغة الخاصة، واستخدامها في التعليم، وتأسيس الأحزاب والأوقاف وما شابه ذلك. وباختصار حق صيانة خصائصهم وصفاتهم المختلفة.

انطلاقًا من هذه النقطة ما هو المنهج الصحيح لحل المشكلة الكردية؟ فمثلًا هل طلبُ الأكراد "إننا عنصر أصيل في التأسيس، يجب أن يُذكر الأمر بهذا الشكل في الدستور" طلبٌ صحيحٌ، وهل يمكن تحقيقه؟ وما هو مقابله في اتفاقية الاتحاد الأوروبي، ولوزان؟

لو تم الاعتراف بحقوق الأكراد الواردة في معاهدة لوزان الفصل والفقرة 39/4 لكان من الممكن ألا تكون هذه المشكلة موجودة اليوم. إلا أنه جرى تطبيق سياسة استيعابية بشعة بالنسبة لجميع الحقوق وعلى رأسها المنع من استخدام الحقوق الخاصة باللغة الأم. وهو ما حافظ أيضًا على وعي الأقلية الكردية متقدًا حيًّا.
في الواقع؛ أنه لو لم تنفذ سياسة التمييز العنصري أيضًا تجاه العلويين الذين توافدوا على المدن بعد عام 1950، ولم تجرِ عملية صهرهم واستيعابهم لما كان وعي العلويين كما هو عليه اليوم.
وخلاصة القول إن الأتراك السُّنة العنصر الرئيس في الدولة هم المهيمنون عليها، وقد مارسوا تنفيذ سياسة الصهر والاستيعاب، وهم من تسببوا في خلق المشاكل الكردية والعلوية لأنفسهم.
لقد صار هذا الوضع سبيلًا لا رجعة منه، لأنه ما إن يظهر وعي الأقلية حتى يُشْرَعَ في تنفيذ سياسة الصهر والقمع، والتي تخلق نتيجة واحدةً فحسب: شحذ هذا الوعي، وتحول نظام حالة الطوارئ الحالي إلى مختبر فريد من نوعه؛ بينما حزب العدالة والتنمية غير مدركٍ للأمور.
من جانب آخر فإنه من العيب القول "إننا نحن العنصر الأصلي والمؤسس"، لأنه يعني أننا نريد أن نكون إلى جانب الأتراك على العرش المستوي والأعلى. هناك أيضًا الشركس إلى جانب العلويين والأكراد، وغير المسلمين، وغيرهم وغيرهم. إن مثل هذا الزعم والطلب يعني ازدراءهم.
غلاف كتاب "الأقليات العرقية والدينية: التاريخ والنظرية والقانون وتركيا"
غلاف كتاب "الأقليات العرقية والدينية: التاريخ والنظرية والقانون وتركيا"

كذلك هناك مناقشات حول تيار أو فكرة الانتماء لتركيا. فهل هذا المصطلح كافٍ لحل المشكلة؟

إن مصطلح "من تركيا" يضع تعريفًا لمواطني هذه البلاد على أساس الأرض. وإذا ما قلت "تركي" فقد عرفتهم على أساس الدم، بل وحتى على أساس الدين والدم على حد سواء؛ لأنه حين يُقال "ترك" فإنه يُقصد به عندنا التركي المسلم فحسب. الأمر بسيط إلى هذا الحد.
إن الترك، وبمعنى أصح التركي المسلم السُّنِّي الحنفي المذهب هو العنصر الرئيس في تركيا. لكنه جزء من المنتسبين إليها؛ إنه القسم الأكثر كثافة وزحامًا. وهناك إلى جانب هؤلاء أيضًا غير المسلمين والأكراد ومن شابههم، غير أنك إذا ما قلت "من تركيا" تكون قد شملت هؤلاء أيضًا. أما إذا قلت تركي فلن تشملهم.
ومن هنا أيضًا يتضح أن بعض الدول تضع أسماءها بناء على الأرض التي تقوم عليها، وبعضها يضعه بناءً على الدم. الصنف الأول كثير للغاية، ومنه على سبيل المثال: إسبانيا (لأنه ليست هناك مجموعة عرقية-دينية تسمى إسبان)، وفرنسا (لأنه ليست هناك مجموعة عرقية-دينية تسمى فرنسيين)، والعراق وسورية والنمسا والصين (فليست هناك مجموعة عرقية-دينية تسمى الصيني)، والمملكة المتحدة، والولايات المتحدة الأميركية، وكندا، ولك أن تعدد الأمثلة إلى ما شئت..
من جانب آخر يمثل استخدام مصطلح "من تركيا" الخطوة الأولى في حل المشكلة؛ غير أن اتخاذ الخطوة التالية يتطلب اعتبار كل من يدخل ضمن هذا المصطلح مواطنين متساوين حقًا.

في هذا الكتاب تدرسون أيضًا معاهدة لوزان التي تسبب رئيس الجمهورية أردوغان في جدل ونقاش حولها. أريد أن أسألكم أولًا لماذا فتح النقاش في معاهدة لوزان من قبل رئيس الجمهورية الممثل الأول للدولة، ولماذا شعر بالحاجة إلى هذا؟

الأمر بسيط للغاية: ثمة استراتيجية واحدة يمتلكها أردوغان: إنها منع النقاش حول قضية الفساد المالي والرشوة في 17-25 ديسمبر 2015. وهناك أيضًا تكتيك واحد لتنفيذ هذا؛ ألا وهو خلق توتر دائم في الداخل وفي الخارج. تلك هي خلاصة المسألة.
إلى جانب هذا أيضًا هناك مسألة أخرى تتمثل في أنه لكي يستطيع أردوغان الإسلامي القومي أن يلجأ إلى عصر أتاتورك فعليه أن يهاجم معاهدة لوزان التي أسست لتلك الفترة وأدخلت تركيا في المعسكر الغربي.

حسنٌ، كيف يتم تعريف الأقليات في معاهدة لوزان، وكيف جرى تنفيذ ذلك الإجراء في تركيا و/ أو لم يتم تنفيذه؟ وأين نحن بالنسبة لتنفيذ ذلك؟

كما قلت سلفًا؛ لقد تم تعريف مصطلح الأقلية بأنه غير المسلمين، وقد أعطيت لهم أهم الحقوق الواردة في الفصل الثالث من المعاهدة، إلا أنه تم انتهاك حتى حقوق غير المسلمين منذ البداية ولا يزال ذلك مستمرًا.
على سبيل المثال؛ هناك طوائف كثيرة من غير المسلمين تعيش إلى جانب الأرمن واليهود والروم الذين يُعرفون بأنهم "الثلاثة الكبرى": السريانيون، والبروتستانت، والكاثوليك اللاتينيون، والروم الأرثوذكس في أنطاليا، والبهائيون، واليزيديون، وشهود يهوذا، وغيرهم..
يتم تجاهل هؤلاء وكأنهم ليسوا من غير المسلمين.
من جانب آخر فقد انتُهِكت حقوق تلك الطوائف الثلاثة الكبرى التي ذكرناها سابقًا ولا يزال ذلك يحدث بنسبٍ كبيرة. غير أن تلك الانتهاكات متنوعة وكثيرة لدرجة أنه يستحيل حتى مجرد ذكر عناوينها هنا.

ما هو الخطأ الأساسي الذي قمتم برصده فيما يتعلق بالنقاش الدائر حول معاهدة لوزان؟ وما رأيكم في كثرة الجدل والنقاش حول معاهدة توصف بأنها صكُّ تركيا وهي "أساطير المدينة" على حد تعبيركم؟ هل يمكنكم أن تشاركونا أساطير هذه المدينة؟

إن معاهدة لوزان مثل جميع معاهدات السلام هي -بخلاف "الاستسلام غير المشروط"- نص توافقي. والأكثر من ذلك أنها على خلاف معاهدة سلام عادية؛ فإنها لم تُنهِ حربًا واحدة، بل حربين اثنتين:
1) الحرب العالمية الأولى التي هُزم فيها الأتراك.
2) حرب الاستقلال التي انتصر فيها الأتراك.
ونتيجة لذلك فقد سجل الجانبان رغباتهما، غير أنه لما كانت حرب الاستقلال وقعت لاحقًا فقد قامت أساسًا على مطالب الأتراك.
علاوة على ذلك فإنه، وبعد تحقيق الاستقلال، كان الهدف الأساسي لمصطفى كمال أتاتورك هو إقامة دولة قومية على منهج غربي مستفيدًا من هذا الاستقلال. ولأجل ذلك فإن ما يدور حول معاهدة لوزان من مناقشات وجدل اعتمادًا على فلسفة من "لا يُعجبه العجب، ولا الصيام في رجب" هو نقد سخيف وجهل.
ولكن لماذا يعارضون، لقد قلت ذلك أعلاه أيضًا؛ إنهم يعارضون معاهدة لوزان لأنها أسست نظامًا غربيًا علمانيًا. وإلا، فليس لأنهم لم يأخذوا جزر بحر إيجة التي يشكل اليونانيون كامل سكانها.
أما بالنسبة لأساطير المدينة فلقد تحدثت عنها بما فيه الكفاية في الكتاب، ولكن مظاهر الجهل تشغل مساحة كبيرة هنا. وإليكم بعض الأمثلة:
"إذا ما انتقلت الموصل أو كركوك إلى سيادة دولة أخرى باستثناء العراق بأي شكل من الأشكال فإن تركيا من حقها عندئذ أن تقوم بضمهما إليها."
"لقد رفضت الولايات المتحدة الأميركية التصديق على معاهدة لوزان."
"توجد مواد سرية في لوزان."
"عقدت معاهدة لوزان لمدة قدرها 100 سنة، وسوف تنتهي من تلقاء نفسها في 2023."
ولا سيما تلك الأسطورة الأخيرة فإنها تشكل ظاهرة بالمعنى الكامل؛ فإلى جانب وضع لوزان على نفس المستوى سويًا مع المواد الغذائية ذات الصلاحية المحددة؛ فإن ذلك يُذكِّر الإنسان بما ورد في مسلسل "مهمتنا الخطر": من أن "شريط التسجيل هذا سوف يمحو نفسه بنفسه بعد 5 دقائق من الاستماع إليه!".

لقد أفسحتم المجال أيضًا لموضوع الهوية الفرعية والهوية العليا في تلك المرحلة التي أُطلقت من أجل حل المشكلة الكردية؛ فما هي مسألة الهوية الفرعية والهوية العليا؟

الهوية العليا هي الهوية الرسمية التي تحددها للمواطن المجموعة العرقية والدينية المهيمنة على الدولة، ومن ذلك مثلًا الترك.
الهوية الفرعية: هي هوية المجموعة التي تشكلها منذ الميلاد الجماعات العرقية و/ أو الدينية التي تكون الأمة.
وليس بالضرورة أن تتناقض هاتان الهويتان، ذلك أنه إذا تجاهلت واحدة منهما الأخرى (ذلك أن الدولة التي نصفها بالقومية تُقام على هذا النوع من التجاهل وغض الطرف) فسوف يتعارضان.
والقاعدة أن: تعترف الهويات العليا بالهويات الفرعية، وتحترم حقوقها، وتضع اسم الدولة بناء أساس الأرض التي تقوم عليها (وهنا يدخل مصطلح من تركيا). والهويات الفرعية أيضًا لن ترفض الهويات الأساسية، وإذا ما تحقق هذا فلن يحدث أيُّ تعارض، وإن لم يتم التصرف هكذا فلا مفر من وقوع تعارض وتنافر.

هناك أيضًا عملية الاستيعاب والصهر والدمج قد أفسحتم لها مكانًا واسعًا في كتابكم. فبأي الأشكال ظهر هذا ويظهر في تركيا؟ وما هي الإجابة الرئيسة التي قدمتموها لتحقيق النجاح في سياسات الدمج والصهر لدى الأكراد والعلويين؟

الاستيعاب هو إزالة الهويات الفرعية من على الساحة، وإقامة هيمنة الهوية العليا. إنها إعادة ضبط الذاكرات الاجتماعية للهويات (الأقليات) الفرعية.
أما الدمج والتكامل فهو الاعتراف بالهويات الفرعية وإدراجها ضمن الأمة. غير أنه يمكن ممارسة عمليات الصهر والاستيعاب تحت مسمى الدمج والتكامل في البلاد غير الديمقراطية؛ لذا يجب الانتباه إليها.
لقد نجحت ممارسات الاستيعاب والصهر لدى العلويين والأكراد بشكل محدود للغاية. وقد تحدثنا عن العلويين أعلاه: ربما يبدو الأمر متناقضًا ولكن في ظل القمع.
أما الأكراد فيتمتعون بوضع أكثر تمييزًا: إنهم جماعة كثيفة من السكان يتركزون في منطقة معينة يصعبُ الوصول إليها. إنهم ليسوا شعبًا مهاجرًا، بل شعب متأصل؛ أي إنهم كانوا هنا قبل مجيء الأتراك (فالشعوب الأصيلة هي تلك تميل إلى الحفاظ على سماتها الخاصة).
بالإضافة إلى ذلك فهم يمتلكون ثقافة محلية مهمة أنتجت مصادر مثل "شرف نامه" و"ممو وزين". وبفضل كل هذا لم يتم استيعابهم ولا صهرهم، بل إنهم صهروا شعوبًا أخرى في تلك المنطقة واستوعبوها طبيعيًا (مثلًا: التركمان، والأرمن).
وللحديث بقية..

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضا: