ناجح إبراهيم
ديسمبر 19 2017

باكستان وتركيا.. القاعدة وداعش

هل صحيح أن الزمان يعيد نفسه، والتاريخ يتكرر من حين لآخر، وأن مسرح الحياة ممتد، يقدم نفس المسرحيات، لكن بممثلين وديكورات وأضواء مختلفة؟

القصة من بدايتها، تؤكد مصداقية هذه الفرضية بالنسبة للحركات الجهادية التي تجمعت في أفغانستان في عقد الثمانينات من القرن الماضي، وتكاثرت في سوريا في العقد الثاني من القرن الحالي، وفي الحالتين كان هناك عراب أو وكيل لتوريد الأفراد إلى الجبهتين.

غزا الاتحاد السوفيتي أفغانستان أملا في انقاذ حكومته الشيوعية التي كادت أن تسقط في نهاية عقد السبعينات، وكان ذلك خطأ إستراتيجياً ضمن عدة أخطاء وقعت فيها الإمبراطورية السوفيتية التي هرمت مبكراً، ولم ترد الولايات المتحدة وحلفائها الأوروبيين أن يدخلوا في حرب مباشرة مع المارد السوفيتي في أفغانستان، كي لا تنشب بينهما حرب عالمية ثالثة، اتفق الطرفان من قبل على تجنبها.

تفتق ذهن الاستخبارات الأمريكية والأوروبية على طريقة مبتكرة، استخدمتها موسكو ضد واشنطن في فيتنام، إنها الحرب بالوكالة، فكروا في العدو التقليدي للشيوعيين والاتحاد السوفيتي فوجدوه في الإسلاميين، وبدأت الفكرة تتحول إلى واقع مرير، وكانت باكستان هي بوابة العبور الرئيسية إلى ساحة المعارك في أفغانستان.

في السيناريو الجديد، حلت سوريا محل أفغانستان، وتركيا بدلاً من باكستان، ورجب طيب أردوغان بدلاً من الجنرال ضياء الحق، وداعش بدلا من القاعدة،.

بدأ السيناريو بدخول ثورات الربيع العربي منطقة اللا حسم في سوريا، حيث توحش نظام بشار الأسد في مواجهة المظاهرات السلمية، وأفرط في استخدام القمع والرصاص والصواريخ والطائرات، وكان يمكن أن يسير على طريقة الرئيس المصري حسني مبارك، أو زين العابدين بن علي في تونس، ويسلم السلطة للجيش السوري ويجري انتخابات مبكرة يحافظ بها على البلاد والعباد، قبل أن تتحول الثورة من سلمية إلى مسلحة ثم تتقاتل الميلشيات.

    الولايات المتحدة وعدد كبير من حلفائها وجدوها فرصة كبيرة لإزاحة بشار الأسد من الحكم وإقامة حكم بديل له، وتبتعد سوريا عن كل من روسيا وإيران، ويحرم حزب الله اللبناني من المنفذ الوحيد الذي يوصله بإيران لنقل الأسلحة والقادة إلى جنوب لبنان.

    كانت الخطة أشبه بما حدث في أفغانستان، لن تسيل للولايات المتحدة نقطة دم مباشرة، ولن تنفق كثيرا من الأموال، لأنها اختارت الحرب بالوكالة، كما فعلت في أفغانستان، واستعادت مفهوم "الجهاد الإسلامي" واستنفار كل الشباب المتدين لازاحة بشار، بذريعة نصرة الإسلام، وكانت تركيا المفتاح الذي يتحكم في جيوش الإسلاميين التي تعبر إلى سوريا، والمحطة التي أرادت الدول الأوروبية التخلص من خلالها من المتشددين في الغرب وتجميعهم في سوريا.

      تلاقت الرغبات الغربية السابقة، مع الأمنيات التركية لقيادة العالم الإسلامي، ففي ذلك الوقت بدأ أردوغان يتضخم ويزعم أنه خليفة المسلمين، وانطلت عليه الفكرة وبدأ يوظفها على طريقته، إلى أن كادت تنقلب عليه.

 كانت الولايات المتحدة تعمل على ألا تمنح المجاهدين الجدد سلاحاً حاسماً يمكنهم من كسب المعركة، كي لا تقع سوريا كلها في أيدي المتطرفين ويتوجه السلاح يوماً ما إلى إسرائيل، فالمعركة مطلوبة في حد ذاتها بلا غالب أو مغلوب، وهو ما جعل أردوغان يعتقد أنه الوحيد الذي يسيطر على الموقف.

 تدفق نحو 30 ألف شاب، على الحدود التركية السورية، ولو تصورنا أن هؤلاء أغلقت أمامهم هذه الحدود ولم يدخلوا سوريا لما تضخم تنظيم داعش وأخواته؟ لكن استقبلتهم الأجهزة التركية المعنية وسهلت لهم كل شيء، بعضهم تدرب علي الحدود، وبعضهم تدرب وتسلح وتم تجنيده وتعليمه وتنظيمه داخل سوريا.

 كسب أردوغان اقتصادياً وسياسياً، وارتفعت أسهمه إلى عنان السماء كقائد اقليمي للمنطقة، لكن التدخل الروسي الإيراني ومعه عشرات الميلشيات الشيعية بقيادة الحرس الثوري الإيراني ورأس حربته حزب الله اللبناني والميلشيات الشيعية المختلفة، أنقذت الأسد وحكمه من الزوال، وبدت تركيا أكبر الخاسرين.

أمنيات الخلافة الإسلامية لدى أردوغان تبخرت، وأحلام الزعامة توارت، والتحكم في سوريا انهار، والتمدد نحو العراق أصبح مازقا، والأكراد تزايدت تطلعاتهم في كل من العراق وسوريا وتركيا ذاتها، وأصبح حال أردوغان لا يختلف كثيرا عن حال التنظيمات المتطرفة، الأول يحاول انقاذ عرشه بالارتماء في أحضان روسيا التي تمتلك معظم مفاتيح الحال والعقد على الساحة السورية، والأخرى تحاول نقل صراعها إلى محطات أخرى.

لكن الولايات المتحدة اعتبرت أن أردوغان فشل تماماً في إدارة الأمر، لأن النتائج كانت عكس التوقعات، وجاءت لحظة الحسم الأمريكية للتخلص منه، كما فعلت مع ضياء الحق في باكستان، ومنحت واشنطن الضوء الأخضر للانقلاب العسكري على أردوغان العام الماضي، لكن موسكو أجهضت الخطة، وبدأت الخلافات تتعاظم بين أنقرة وواشنطن.

أردوغان تصور أن معرفته بخريطة التنظيمات الإسلامية في سوريا، يمكن أن تنقذه من مقصلة الولايات المتحدة، لذلك أشار إلى أن عناصر من داعش في الرقة ذهبت إلى سيناء في مصر، وهو يدرك أن تصريحه سوف يكون له أكثر من معنى لدى دوائر إقليمية ودولية، لكن المعنى البعيد هو أن التضييق عليه من قبل الولايات المتحدة سوف يضطره إلى كشف الكثير من خيوط اللعبة.

وهو ما حاول ضياء الحق في باكستان الإيحاء به، لكن مخطط التخلص منه كان جاهزا، وذهبت معه أسرار تصدير الإرهابيين إلى أفغانستان، والدرس الذي استوعبه أردوغان يمكن أن يجنبه سيناريو ضياء الحق، لأنه نجح في توثيق علاقاته مع موسكو، ولم يعد يعول كثيرا على واشنطن.

وإذا كان تنظيم القاعدة الذي نشأ في أفغانستان، لا يزال يقاوم الاندثار، بل تنتشر روافده في دول كثيرة، فإن داعش الذي تضخم في العراق واستفاد من اندلاع الحرب في سوريا، أنقذ عددا كبيرا من كوادره، بموجب تفاهمات مع جهات إقليمية ودولية، في مقدمتها الولايات المتحدة وتركيا، يحاول لملمة أشلائه في أماكن أخرى، لكن تظل أنقرة تقبض على بعض خيوطه، لأن أردوغان لن يتخلى عن هويته الإسلامية، باعتبارها ركيزة أساسية لحكمه، إذا فقدها قد يفقد معها عرشه.