بالأرقام.. الاقتصاد التركي في 2018: ربح أردوغان فحلّت الكارثة بالشعب

 

التضخم الناتج عن ارتفاع سعر صرف العملات الأجنبية أمام العملة المحلية التركية، الليرة، وعجز الحساب الجاري، والحاجة المتزايدة لـ200 مليار دولار سنويًا، والأسوأ من كل ذلك انتهاك القانون، وحقوق الإنسان، والقيم الاقتصادية الليبرالية، وانتهاج سياسة خارجية معادية للغرب، كلها أزمات كانت تعتبر بالنسبة للاقتصاد التركي، حينما دخلنا العام 2018، قضايا وقتية سرعان ما ستزول.
ومع ذلك، كان لا يزال هناك أمل، كما كان الحال مع جميع المشاكل التي تمت تجربتها عدة مرات من قبل، وتم حلها في النهاية من خلال براغماتية حكومة حزب العدالة والتنمية الحاكم. هذا الأمل أبقى على وجود التوقعات التي قالت إن الاقتصاد التركي سيتباطئ بشكل هادئ، وسيهبط أداؤه بوتيرة معتدلة، بدلاً من أن ينفجر على الأقل مثل البالون، أبقى على هذه التوقعات حتى ولو كانت هناك هزات كبيرة أثرت على الاقتصاد.
الاقتصاد التركي الذي دخل العام 2018 بمعدل تضخم بلغ 11.92 في المئة، ليكون هو الأعلى تضخمًا داخل منظمة التعاون الاقتصادي والتنمية، كان الأمل لا يزال حيًا وقائمًا بأنه ستكون لديه القدرة على الحد من زيادات الأسعار، وذلك من خلال السياسات المالية التقشفية التي سيتم تطبيقها، وأن تكون لديه القدرة على التقليل من عجز الحساب الجاري الذي وصل إلى 47 مليار دولار سنويًا، وأصبح في وضع لا يمكن الاستمرار معه.
ولقد كان سعر صرف الدولار أمام الليرة مرتفعا نهاية الربع الأول من 2018، بنسبة 5.5 في المئة فقط عن سعره في نهاية 2017؛ وذلك الفارق البسيط كان بسبب تدفق الأموال الساخنة بأرقام قياسية على البلاد بفعل تأثير الأسواق الدولية التي دخلت العام الجديد مع ارتفاع في شهية المخاطرة، وبفعل حالة التفاؤل التي ذكرناها أعلاه بخصوص أن نظام أردوغان عاجلًا أم آجلًا سيترك النزاع مع العالم الغربي، والأسواق. كما أن فوائد السندات والقروض الائتمانية لم يطرأ عليها أي تغيير تقريبًا في نهاية شهر مارس 2018، مقارنة بمطلع العام ذاته. هذا إلى جانب أن البنك المركزي التركي كان يبدو وكأن لديه القدرة على الإمساك بزمام الوضع.
وبسبب هذه النتائج، فإن من انتظروا حدوث أزمة في الاقتصاد مع نهاية الربع الأول من العام 2018، بدأ النظام الحاكم يتهمهم بخيانة الوطن على اعتبار أنهم "متشائمين اقتصاديًا".
وبكل تأكيد كانت هناك سلبيات اقتصادية كبيرة. فعلى سبيل المثال فإن عجز الحساب الجاري نهاية شهر مارس من العام 2018، تجاوز حاجز الـ55 مليار دولار. كما أن ارتفاع أسعار النفط، حال دون الحد من معدلات التضخم في الداخل. ناهيكم عن أن زيادات الأسعار السنوية التي لا زالت عند خانتين بمقدار 10.23 في المئة، كانت تسير بنسبة بلغت ضعف الهدف الموضوع.
كما أن التغيير الفني الذي أجري على النظام المحاسبي للقطاع المصرفي التركي، أدى إلى ظهور فجائي لقروض متعثرة كانت البنوك تخفيها منذ سنوات. ومن ثم فإن معدل القروض المتعثرة الذي كان أقل من 3 في المئة بنهاية العام 2017، قد ارتفع لأكثر من 13 في المئة بعد إضافة القروض التي تم تمديد آجالها؛ لتصل بذلك تلك القروض إلى 70 في المئة من أسهم البنوك.
وكان هذا الحاصل، نتيجة طبيعية للاستثمارات الكثيرة التي اهتمت بالسوق الداخلي، وعجزت عن توفير عملات أجنبية، والسبب في ذلك كان الاقتراض المفرط للعملات الأجنبية، ونمو القروض الائتمانية خلال السنوات العشر الماضية. ولا سيما أن القروض القائمة على العملات الأجنبية في قطاعي الإنشاءات، وتوزيع الكهرباء، كانت تنذر بالخطر. كما أن قيام وكالة "موديز" للتصنيف الائتماني بتخفيض تصنيف تركيا الائتماني لما دون المستوى القادر على القيام باستثمارات، كان بمثابة صدمة كبيرة أطلت برأسها في الربع الأول من 2018.
ومع هذا أيضًا كان الوضع يمكن السيطرة عليه، وذلك بالطبع إذا لم يتعمد نظام أردوغان استغلال المشاكل التي كان يشهدها الاقتصاد قبل الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في 24 يونيو التي كان يراها انتخابات مصيرية،وتحويلها إلى أداة للصدام والعراك من أجل الحصول على أصوات الناخبين. كما أن أردوغان كان قد زعم نهاية العام 2017 أن هناك من يهربون الأموال لخارج البلاد، معلنًا أنه سيقوم باتخاذ التدابير اللازمة حيال ذلك، بل وأقلق راحة المستثمرين بشأن "التحكم في رؤوس الأموال". وفي شهر أبريل 2018 قرر بشكل مفاجئ التصدي لمعدلات الفوائد التي كانت في حقيقة الأمر منخفضة مقارنة بمعدلات التضخم.
الرئيس أردوغان أيضًا ألحق تهمة "الخيانة" بمديري البنك المركزي التركي الذين لم يخفضوا معدلات الفوائد نزولًا عند رغبته. وكان لهذه المشادات تأثيرها العكسي الكبير على الأسواق، ما أدى إلى ارتفاع سعر الدولار الأميركي أمام الليرة إلى أكثر من 4 ليرات. ولما بدأت معدلات التضخم هي الأخرى ترتفع تبعًا لارتفاع سعر العملة الأميركية، ارتفعت فوائد القروض والسندات إلى 15 في المئة مقابل 12.75 في المئة فوائد البنك المركزي.
وفي ظل هذه التطورات، بدأ أردوغان، وحزبه، والآلة الإعلامية التابعة لهما، بحملة دعائية مفادها أن القوى الداخلية والخارجية المعادية للنظام الرئاسي، يشنون حربًا اقتصادية ضد تركيا. وبكل تأكيد لم يكن هذا الأمر بالمفاجئة الكبيرة للمستثمرين المحليين والأجانب الذين يستثمرون في تركيا. وكما يعلم الجميع فإن أردوغان عند كل استحقاق انتخابي تقريبا، كان ينجح في تعزيز معدلات التصويت من خلال خلق الاستقطاب في المجتمع، وتمثيل دور الضحية.
ولهذا السبب، بدأت الهزة التي حدثت مطلع شهر أبريل (الارتفاع المفاجئ في سعر العملات الأجنبية) تميل إلى الانكسار. واستمر الأمر على ذلك الحال حتى زيارة أردوغان العاصمة البريطانية، لندن، منتصف شهر مايو، وقوله إن "الفائدة هي أم كل الشرور" خلال تصريحات أدلى بها في المحطة التلفزيونية لوكالة "بلومبيرغ" التي يتابعها عن كثب عالم المال، وخلال اجتماعه مع مديري الصناديق الاستثمارية الدولية الذين التقى بهم خلال الزيارة. وملخص ما قاله في المحطة التلفزيونية، وخلال اجتماعه مع مديري المال، هو أن "الفائدة المرتفعة هي السبب الرئيس للتضخم، وعند انتخابي رئيسًا سأحارب الفوائد". وعلى إثر تلك التصريحات حدثت موجة جديدة في أسعار صرف الدولار الأميركي أمام الليرة، لترتفع مرة واحدة قيمة الدولار إلى أكثر من 04.70 ليرة، ولم يتمكن نظام أردوغان من التغلب على ذلك إلا من خلال إرسال الوزير المسؤول عن الاقتصاد في تلك الفترة، محمد شمشمك إلى بريطانيا بنية الاعتذار عما قاله الرئيس، إلى جانب قيام البنك المركزي برفع معدل الفائدة مرتين.
والمحصلة أن معدلات الفائدة ارتفعت ثلاث مرات لتصل إلى 19.25 في المئة بعد رفع البنك المركزي التركي لها خلال الفترة الممتدة من أبريل إلى يونيو 2018؛ ليخسر بذلك أردوغان صداماته بخصوص الفائدة التي كان قد بدأها وهذه المعدلات عند 17.75 في المئة.
ورغم ارتفاع معدلات الفائدة بـ6.5 نقاط، كان سعر الدولار لا يزال فوق 4.50 ليرة. وكان من الطبيعي أن يعتبر هذا بمثابة عقبة أمام نظام أردوغان الذي كان يستعد لخوض الانتخابات في الأسبوع الأخير من شهر يونيو. لكن المفاجئة أن استطلاعات الرأي التي أجريت آنذاك، أظهرت أن اثنين من كل ثلاثة مواطنين، كانا يعتبران أن ما تتعرض له تركيا في الأسواق، حرب اقتصادية تشنها قوى خارجية وداخلية ضد تركيا. وفي نهاية المطاف تمكن أردوغان من الفوز بالانتخابات الرئاسية، وحصل حزبه على الأغلبية في الانتخابات، حتى ولو كانت نسبة أصواته أقل من تلك التي حصل عليها في الانتخابات البرلمانية السابقة. ومن ذلك يتضح لنا أن الحملة الدعائية التي شنها حزب العدالة والتنمية بخصوص أن ما تتعرض له تركيا هو حرب اقتصادية، قد أتت أكلها، وحققت أهدافها. فالناخب كان يرى أن فوز أردوغان سيكون كفيلًا ببدء مرحلة التعافي السريعة في الاقتصاد كما وعده أردوغان نفسه، وكان يرى أيضًا في النظام الرئاسي العصا السحرية التي سيبدأ من خلالها العصر الذهبي للبلاد. لكن على العكس من ذلك لم تكن الأسواق على نفس درجة تفاؤل الناخب. لا سيما أن أردوغان كانت له العديد من الآراء المناهضة للأسواق، ناهيكم عن أن تعيينه صهره، بيرات البيرق، عل رأس وزارة التجارة، والاقتصاد، وإصدار الرئيس سلسلة من القرارات المناهضة للأسواق من خلال مراسيم بحكم القانون أعلنها بعد الانتخابات، كلها أمور تسببت في استمرار حالة الضغط بالاقتصاد.
وفضلا عن هذه التطورات وتداعياتها على الاقتصاد التركي، فإن أزمة القس الأميركي، أندرو برانسون، الذي اعتقلته تركيا بعد أحداث 15 يوليو 2016، كانت سببًا في حدوث أزمة دبلوماسية هي الأكبر من نوعها بين أنقرة وواشنطن على مرّ التاريخ، ما نتج عنه اضطراب في الأسواق.
كما أن التصنيفات الائتمانية السلبية الصادرة عن وكالات التصنيف الائتماني الدولية في تلك الفترة، تسببت بشكل أو بآخر في سحب العديد من الشركات لاستثماراتها من تركيا. وظل الأمر على ذلك الحال لحين نشر الرئيس الأميركي، دونالد ترامب، تغريدته الشهيرة التي أعلن فيها استهدافه تركيا بالعقوبات بشكل مباشر؛ لينفجر على إثر ذلك البالون محدثًا جلبة كبيرة للغاية. ولقد كان الصوت الصادر عن هذا الانفجار كبيرًا لدرجة أن تركيا التي كانت قبل سنوات معدودة يضرب بها المثل كنموذج للأسواق الناشئة، بدأت تقترب من عتبة الإفلاس، وبدأت توضع في نفس الكفة مع الأرجنتين التي اضطرت لإبرام اتفاق مع صندوق النقد الدولي للخروج من أزمتها الاقتصادية.
ولما ارتفع سعر الدولار إلى 7.20 ليرة منتصف شهر أغسطس، أنزل أردوغان الأشرعة إيذانًا بالإفراج عن القس الأميركي، وإرساله إلى بلاده مرة ثانية، بعد تكراره في أكثر مناسبة  أنه لن يتم الإفراج عنه بأي شكل كان. وتوقف ارتفاع الدولار في نهاية المطاف ليصل سعره إلى 5.30 ليرة مع نهاية العام 2018، وهو بذلك لا يزال مرتفعًا بنسبة 41 في المئة مقارنة عن قيمته التي كان عليها بالعام 2017.
ومن جانب آخر نجد أن أردوغان الذي كثيرًا ما انتقد فوائد البنوك بأشد الكلمات طيلة العام، لا يشتكي الآن من تلك الفوائد. بل ويستخدم حاليًا كلمات للمدح والثناء من أجل الميزانيات التي بدأت تتحقق لديه من نفقات الفوائد والتي من المقدر أن تصل إلى 500 مليار ليرة خلال السنوات الثلاث المقبلة.
وخلاصة الأمر، يمكننا القول إن أردوغان أنهى العام 2018 كـ"رابح" في السياسية الداخلية والخارجية. لكنّ ذلك جاء على حساب شعبه واقتصاده، إذ انخفض دخل المواطن، وقلت القوة الشرائية لديه. ليصبح أردوغان هو "الرابح"، وشعبه هو الخاسر.
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/ekonomik-kriz/2018de-ekonomi-reis-kazandi-vatandas-kaybetti
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.