إيفي كيريم سوزري
ديسمبر 08 2017

بتهمة اختراق بيرات البيرق.. أحاديث وبيانات خاطئة في محاكمات "ردهاك"

في الجلسة الثانية من محاكمة ستة صحفيين أتراك بتهمة اختراق حساب بريد "بيرات البيرق" وزير الطاقة وصهر الرئيس رجب طيب إردوغان، أفرجت المحكمة بكفالة عن اثنين آخرين بعد نحو عام في السجن.

يقول مدافعون عن حقوق الإنسان إن هذه القضية زادت إحباط عشرات الصحفيين المسجونين في تركيا بشأن حرية التعبير.

ثلاثة من الصحفيين وهم "تونكا أوجريتن" و "عمر جيليك" و "ماهر كانات" احتجزتهم السلطات في مداهمة وقت الفجر في ديسمبر 2016 ووجهت لهم تهمة "الإنتماء إلى منظمة إرهابية" و "تسجيل وإساءة استخدام بيانات بشكل غير قانوني". وأفرجت السلطات عن جيليك عقب جلسة يوم 24 أكتوبر ولم يطلق سراح أوجريتن وكانات سوى يوم الخميس.

وقال أوجريتن عقب الإفراج عنه من سجن سيلفري "ستظل الصحافة سجينة في تركيا حتى الإفراج عن آخر صحفي".

الاختراق الالكتروني

أعلنت مجموعة قرصنة ماركسية تسمى "ردهاك" RedHack  في سبتمبر من العام الماضي أنها حصلت على رسائل البريد الشخصية للوزير البيرق وهددت بنشرها علنا إن لم يتم الإفراج عن "المعارضين اليساريين" ومنهم الروائية "أسلي إردوغان". وليس للاسم علاقة بالرئيس.

بعد انقضاء الموعد النهائي، نفذت الجماعة تهديدها ونشرت 17 جيجا  بايت من البيانات عبر خدمات سحابية وبروتوكولات مشاركة الملفات على الانترنت (التورنت).

في مطلع ديسمبر، أعاد موقع ويكيليكس نشر الرسائل البريدية كأرشيف مفهرس وبه مفاتيح للبحث وكان عددها 57934 رسالة بريد إلكتروني أرسلها واستقبلها البيرق في الفترة بين عامي 2000 و 2016.

تحركت السلطات التركية وحجبت بشكل مؤقت خدمات سحابية مثل "جوجل درايف" و "دروبوكس" و "وان درايف" و "جيت هاب" الذي احتوى على رابط (التورنت) الذي يقود إلى تحميل الأرشيف.

لكن بمجرد تسريبها، كانت رسائل البريد الإلكترونية الخاصة بالبيرق متاحة للجمهور وحصل عدد  من الصحفيين الاستقصائيين على الرسائل من موقع مجموعة القرصنة رد هاك RedHack.

قتل الرسل

بعد مداهمات الفجر في 25 ديسمبر،ـ ظهرت تفاصيل الاتهامات الموجهة للصحفيين للمرة الأولى في صحيفة صباح المؤيدة للحكومة.

أورد مقال الصحيفة أسماء المزيد من الصحفيين الذين لم يبلغوا عن تسريب الرسائل، لكن الحكومة كانت تستهدفهم من قبل بسبب كتاباتهم.

دينيز يوجل مراسل صحيفة دي فيلت الألمانية في تركيا كتب عن التسريب وورد اسمه في تقرير صحيفة صباح رغم أن اسمه أزيح لاحقا من التحقيق.

ولا يزال "يوجيل" يقبع في السجن دون اتهام منذ أكثر من ثمانية أشهر، مما أثار خلافا دبلوماسيا بين ألمانيا وتركيا.

قضى ستة احتجزتهم السلطات في الأصل 24 يوما أخرى في الحجز، وفي يناير أفرجت السلطات عن ثلاثة منهم بكفالة وهم الصحفيون "إيراي سارجين" و "ديريا أوكاتن" و "متين يوكسو" بينما نُقل أوجريتن وجيليك وكانات إلى سجن سيلفري شديد الحراسة.

وجهت عريضة الاتهام المؤلفة من تسع صفحات للصحفيين تهمتي "تنظيم دعاية لصالح منظمة إرهابية" و "اختراق نظم المعلومات".

وقيل أن الدليل على هذه التهم يستند على شهادة من مجهول ووثيقتين عثر عليهما على هاتف أحد الصحفيين وأرشيف رسائل البريد على جهاز كمبيوتر و20 تغريدة عامة على تويتر.

في عريضة الاتهام المطولة، أكد المدعي أن تنظيم الدولة الإسلامية الجهادي المتطرف وحزب العمال الكردستاني الكردي الانفصالي وحركتين تركيتين يساريتين وحركة رجل الدين المسلم فتح الله جولن "تصرفت بالتنسيق" ضد تركيا رغم إقراره بأن لهم "ايدولوجيات وهياكل مختلفة".

في الأسبوع الماضي، قدم "البيرق" طلبا مستندا على "حقوقه الفردية" ليصبح مدع في القضية وأقر القاضي الطلب بشكل مبدئي لأنه وارد من الوزارة الأمر الذي أثار مخاوف لدى مراقبين دوليين بشأن التدخل السياسي في القضية.

نقص الأدلة

اتهم الشاهد المجهول الصحفيين "بالانتماء لمشروع" يهدف إلى الإضرار بالحكومة التركية عن طريق نشر قصص سلبية ومنها مقالات تزعم وجود روابط بين تنظيم الدولة الإسلامية وحزب العدالة والتنمية التركي الحاكم.

قال الشاهد إن حسابا على تويتر مرتبط بجماعة "ردهاك" أنشأ مجموعة رسائل مباشرة على تويتر وأضاف 19 صحفيا ومنحهم مفاتيح الدخول على أرشيف الرسائل البريدية.

ورغم أن عريضة الاتهام لم تسع إلى إظهار أن الصحفيين شاركوا في جريمة القرصنة، إلا أنها اتهمتهم بجرائم الكترونية وهي الإطلاع على رسائل بريد الكترونية مسروقة.

وجهت السلطات إلى الصحفي أوجريتن، المحرر السابق لموقع ديكن الإخباري المستقل على الانترنت، تهمة "اختراق أنظمة معلومات" لحيازته لأرشيف الرسائل البريدية على جهاز الكمبيوتر الشخصي الخاص به.

ولم تنظر عريضة الاتهام في حقيقة أن الرسائل البريدية قد طرحت على نطاق واسع على الإنترنت وأصبحت متاحة على ويكيليكس.

وواجه أوجريتن أيضا تهمة "ارتكاب جرائم نيابة عن منظمة إرهابية" والارتباط بحزب جبهة التحرير الشعبية الثورية اليسارية وحركة جولن الإسلامية.

وقال الادعاء إن جبهة التحرير الشعبية وجماعة ردهاك مرتبطان ببعضهما وإنه لهذا السبب فإن اتصالات أوجريتن مع ردهاك تربطه بحزب الجبهة.

قال الادعاء إن عمل أوجريتن السابق في صحيفة "طرف" حتى عام 2015 هو دليل موثوق بارتباطه بحركة جولن.

وكانت طرف واحدة من 184 منفذا إعلاميا أغلقتها السلطات التركية بعد محاولة الإنقلاب الفاشلة في يوليو 2016 التي تتحكم الحكومة التركية حركة جولن بتدبيرها.

السياق المفقود

قال الادعاء إنه إذا كان الصحفيون يتابعون حسابات على تويتر مرتبطة بجماعة ردهاك وتابعهتهم حسابات مرتبطة بالجماعة فإن هذا يرقى إلى درجة اتصال مباشر بالجماعة القرصنة الالكترونية.

التغريدات العشرون تشكل معظم الأدلة لكن كثيرا منها جرى نقلها بشكل سيء  أو أخرجت من سياقها.

وكانت ثماني تغريدات منها عبارة عن عناوين إخبارية من منافذ إعلامية ومزودة بروابط إلى الموضوعات الإخبارية لكن في عريضة الاتهامات كانت علامات الاقتباس مستبعدة.

ست تغريدات أخرى عبارة عن تحديثات لأخبار لكنها مستقطعة من سياقها. والتغريدات الست الأخيرة عبارة عن آراء شخصية وأعيد نشر بعضها على تويتر مرة واحدة.

ورفض محامو الدفاع القول بأن التغريدات تحرض على العنف.

اتهم الادعاء الصحفية ديريا أوكاتان "بنشر دعاية لمنظمة إرهابية" بسبب نشرها شعار الحزب الاشتراكي اللينيني الماركسي على تويتر  رغم أن التغريدة كانت مقالا إخباريا يتم نشره آليا من حساب وكالة أنباء يسارية على تويتر وكان ينقل بيانات عن الحزب الذي له جناح مسلح.

أيضا، يواجه إراي سارجين نفس تهمة إعادة نشر  مقالات إخبارية بشأن بيانات لحزب العمال الكردستاني على حساب تويتر الخاص بصحيفة "جازيتي يولجولوك" اليسارية التي تولى رئاسة تحريرها.

ويواجه صحفي آخر وهو "متين سوكسو" تهمة استخدام كلمة "متمردة" في تغطيته لجنازة عضو في حزب العمال الكردستاني بدلا من المصطلح المفضل لدى الحكومة وهو "إرهابية".

أصدرت المحكمة الأوروبية لحقوق الإنسان قرارات متعدددة بشأن انتهاكات تركيا لحرية التعبير وخاصة تجريم بيانات تصدرها جماعات مسلحة.

البيانات الخطأ مع النهاية الخطأ

ورغم اتهام خمسة من المدعى عليهم "بنشر دعاية لصالح منظمة إرهابية" إلا أن "ماهر كانات" فقط وهو موظف في صحيفة "بيرجون" اليسارية هو الذي واجه تهمة "الانتماء لمنظمة إرهابية" وهو اتهام يحمل أطول فترة سجن في حالة الإدانة.

ولم يعمل كانات صحفيا وكان محاسبا في الصحيفة ولم تتحدث عريضة الاتهام عن أي تغريدات له على تويتر، لكن الادعاء أدرج ملفي وثائق عثرت عليهما السلطات على هاتفه بعد احتجازه.

الوثيقتان تقارير تحقيقات للشرطة بشأن وزراء ورجال أعمال مقربين من الرئيس رجب طيب إردوغان وتتناول مزاعم فساد قادت إلى سلسلة اعتقالات في ديسمبر عام 2013.

وتقول عريضة الاتهام إن تاريخ إنشاء الملفين كان قبل موعد احتجاز المشتبه بهم مما يدل على أن "كانات" كان عضوا في حركة جولن.

وقال محامو كانات إن التقارير الأصلية للشرطة بشأن فضيحة 2013 جرى تسريبها على الانترنت في العام التالي وإنها (التقارير) تحتفظ بالبيانات الأصلية ومنها تاريخ إنشائها.

والملفات الأصلية تلك، الموضوعة على جوجل درايف، مرتبطة بقصص إخبارية متعددة ومنها تقارير بصحيفة جمهوريت اليسارية الشهيرة وربما رفعها آلاف الناس على أجهزتهم.

كما أعد بيرجون تسجيل فيديو لإظهار أنه عندما جرى تحميل الوثيقتين الأصليتين المسربتين فإنهما كانتا تحملان التاريخ الأصلي لهما.

بعد عام في السجن... أنت حر

في جلسة الاستماع في أكتوبر أفرجت المحكمة بكفالة عن جيليك، وقررت بحث مسألة احتجاز أوجريتن وكانات في 22 نوفمبر. ولم يفرج عنهما في ذلك التاريخ وانتظرا حتى يوم الخميس للخروج وذلك في الجلسة الثانية.

والجلسة الثالثة في نظام العدالة التركي البطيء مقررة في الثالث من أبريل.

ويقول تقويم سنوي جمعته منصة بوتو24 الصحفية المستقلة إن المستقبل القريب في تركيا يموج بمحاكمات صحفيين ومدافعين عن حقوق الإنسان.

في الوقت نفسه، يزداد انتباه المنافذ الإعلامية الأوروبية للقضية ومنها مجلة مونديال نيوز البلجيكية وجمعية ارتيكولو21 الإيطالية وصحيفة تاز الألمانية وموقع ميديا بارت الفرنسي، وقد ذكرت جميعها أحدث تطورات المحاكمات.

وقد بعث إدوي بلينل مؤسس ورئيس تحرير ميديا بارت هذا التسجيل المصور دفاعا عن الصحفيين.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: