برانسون يضع العلاقات الأميركية-التركية على صفيح ساخن

لم يكد يمر يوم واحد فقط على نقل القس الأميركي أندرو برانسون من السجن في تركيا إلى الإقامة الجبرية في منزله، حتى قام الرئيس الأميركي دونالد ترامب بكتابة تغريدة على موقع تويتر يدين فيها بكلمات شديدة اللهجة استمرار احتجاز برانسون، وهدد ترامب بفرض عقوبات على حليفة بلاده في حلف شمال الأطلسي إذا لم يطلق سراحه على الفور.
وفي نفس الوقت تقريبا، شجب أيضا نائب الرئيس مايك بنس في مؤتمر حول الحريات الدينية استمرار احتجاز برانسون. أما وزير الخارجية مايك بومبيو، وهو أيضا عضو في الكنيسة البروتستانتية الإنجيلية شأنه شأن برانسون، فقد دعا إلى إطلاق سراح رجل الدين الأميركي، وإن كان لم يلجأ إلى استخدام كلمات قاسية مثل ترامب أو حدة تصريحات بنس.
ولم يكن من المستغرب أن يرد وزير الخارجية التركي مولود جاويش أوغلو ببيان على تويتر يقول فيه إن لا أحد يملي أوامره على تركيا، مضيفا أن برانسون يخضع لنفس القانون الذي يسري على الجميع في بلاد الأناضول.
وبينما حظيت تغريدة ترامب وخطاب بنس وتصريحات بومبيو ورد الفعل التركي باهتمام إعلامي واسع، لم يصل إلى مسامعنا أي شيء من مستشار الأمن القومي الأميركي جون بولتون. من المرجح أننا سنضطر للانتظار لبضعة أيام لمعرفة ما إذا كان قد تمت استشارته قبل أن يتم نشر هذه التغريدات، وإذا كان حدث ذلك بالفعل، فما هي المشورة التي قدمها بهذا الصدد. وذلك لأنه إذا لم تتم استشارة مكتبه قبل أن يلقي بنس خطابه الناري، وهو إجراء طبيعي اعتادت الإدارات السابقة على انتهاجه، فهذه قد تكون علامة على وجود انقسامات بين مكتبي بولتون وبنس.
إذن، لماذا كان رد فعل كبار المسؤولين الأميركيين، بما فيهم ترامب، سلبيا إلى هذه الدرجة حيال نقل برانسون إلى الإقامة الجبرية؟ ففي بادئ الأمر، أعرب بومبيو ومسؤولون آخرون عن خيبة أملهم إزاء عدم الإفراج عن برانسون، لكنهم اتفقوا على أن الانتقال إلى الإقامة الجبرية يشكل تحسنا في موقفه.
كما يرى العديد من الأشخاص، وأنا من ضمنهم، نقل برانسون إلى الإقامة الجبرية كخطوة أولى محتملة في عملية مخطط لها بعناية لإطلاق سراح برانسون في المستقبل القريب، وذلك كوسيلة لتهدئة المشاعر المعادية لأردوغان وتركيا بشكل متصاعد في الكونغرس الأميركي. وينظر المشرعون الأميركيون في احتجاز برانسون ظلما بينا وعلامة على انزلاق تركيا بعيدا عن الغرب في اتجاه الاستبداد. كما استشهد العديد منهم بهذه القضية كأحد الأسباب الكثيرة التي تقتضي إنهاء مشاركة تركيا في برنامج إنتاج مقاتلات إف-35 المتقدمة.
لكن هناك تقارير عن تسريبات مفادها أن ترامب ومساعديه كانوا يعتقدون أنهم تمكنوا من تأمين صفقة مع الجانب التركي تضمن الإفراج الكامل عن برانسون وشعروا بأن تركيا قد تراجعت عن هذه الصفقة بنقله إلى الإقامة الجبرية. لكن من الممكن ألا تكون هناك صفقة على الإطلاق وأن بيان بنس قد تمت كتابته قبل أيام من هذه الخطوة حتى يلقيه في مؤتمر الحريات الدينية بهدف تعزيز القاعدة الإنجيلية لترامب.
لكن كان من المتوقع أن الكلمات التي استخدمها بنس وترامب، وإلى حد أقل بومبيو، ستثير غضب القصر الأبيض، مقر إقامة أردوغان الجديد مترامي الأطراف، ولن تسهم في إطلاق سراح برانسون قريبا. ومع ذلك، يبدو جليا أن إدارة ترامب تؤمن بأن انتقاد الدول الأخرى ذات السيادة وقادتها سيؤدي إلى تهذيب سلوكهم. فعلى كل حال، أدى استخدام ترامب للهجة حازمة تجاه كوريا الشمالية إلى دخولها في مفاوضات مباشرة، وكذلك إلى عودة رفات الجنود الأميركيين الذين قتلوا في كوريا قبل أكثر من 60 عاما.
كما يأمل ترامب في أن يؤدي التهديد بفرض رسوم جمركية مرتفعة على السلع الأوروبية إلى الضغط على التكتل الأوروبي لتحقيق أقصى مكاسب ممكنة للشركات الأميركية في المعاملات التجارية بين الجانبين. ولكن إذا وضعنا في الاعتبار سلوك أردوغان في الماضي باعتباره مؤشرا على طريقة تعامله مع مثل هذه الأمور، وسواء كان هناك اتفاق جرى التراجع عنه أم لا، فمن المشكوك فيه أن تهديدات ترامب ومطالبه ستؤثر في الرئيس التركي أو تدفعه إلى اتخاذ أي قرار على غير إرادته.
بالتالي، تبدو آمال برانسون في الحصول على حريته الكاملة صعبة التحقيق في الوقت الراهن في الوقت الذي تحولت فيه مسألة احتجازه من سحابة صيف تعكر صفو العلاقات بين دولتين حليفتين منذ زمن طويل إلى صدام مصيري بين الولايات المتحدة وتركيا.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: