بيرو كاستيلانو
يوليو 29 2018

برلمان بلا صلاحيات في نظام رئاسي جديد 

كانت الانتخابات التي شهدتها تركيا في الرابع والعشرين من يونيو الماضي بمثابة انتصار للرئيس رجب طيب أردوغان، ومكنته من تطبيق دستور جديد أقره الشعب بأغلبية طفيفة في استفتاء العام الماضي.
وبموجب القوانين الجديدة، لم تعد تركيا – فعليا – جمهورية برلمانية وانتقلت إلى نظام يمنح سلطات - تكاد تكون غير محدودة - للرئيس المنتخب بشكل مباشر من قبل الشعب.
ولم يتأخر أردوغان في استخدام سلطاته الجديدة ليصدر سيلا من المراسيم الرئاسية بقوة القانون. ويملك الرئيس كذلك سلطات تشريعية هائلة تجعل من البرلمان مجرد صدى لقراراته.
يقول أيكان إردمير الأستاذ الزميل بمؤسسة الدفاع عن الديمقراطية والعضو السابق بالبرلمان التركي "هناك مخاوف قانونية وإجرائية تتعلق بالحزمة الأولى من المراسيم التي أصدرها أردوغان لإعادة تنظيم شكل الدولة التركية".
وأضاف "لكن البرلمان أصبح بلا أي سلطات لممارسة أي رقابة على الشكل الاستبدادي الذي يعمل به الرئيس، وهو ما يثبت أن البرلمان فاقد الأهلية في ظل النظام الجديد".
وحتى بعد الانتخابات، ثارت مزاعم بأن البرلمان قد يحقق توازنا مطلوبا مع سلطة الرئيس.
وتعهد دولت بهجلي زعيم حزب الحركة القومية وهو الشريك الأصغر في الائتلاف الحاكم – في خطاب انتصاره – بممارسة دور رقابي على سلطات أردوغان الجديدة.
لكن في ظل النظام الجديد، يبدو أن نظام الحكم في تركيا يتفرد بخصائص لا يرجح أن تفرض أي قيود على السلطات الرئاسية.
وقالت مجدالينا كيرشنر أستاذة العلوم السياسية والباحثة المتخصصة في الصراعات وبخاصة تركيا وبلاد المشرق "بالمقارنة مع الأنظمة الرئاسية التنفيذية الأخرى، كالولايات المتحدة أو المكسيك على سبيل المثال، لا يمنح النظام التركي أي سلطات رقابية دستورية. في بعض الأنظمة الرئاسية، قد يتم هذا من خلال نظام اتحادي وسلطات محلية لا مركزية".
وأضافت "لكن تركيا ليس بها غرفة ثانية للبرلمان، وشهدنا في السنوات الأخيرة كيف عُزل عدد كبير من رؤساء البلديات والمسؤولين المحليين وحل محلهم آخرون بقرارات تعيين من قبل الحكومة".
بل إن النظام التنفيذي نفسه لا يعدو أكثر من أداة في يد الرئيس.
وأضاف إردمير "على عكس وزراء الحكومة في الحقب السابقة، لا يتمتع وزراء أردوغان إلا بقليل من حرية الحركة، وبالتالي لا استقلالية لهم".
وأوضح مستشار مقرب من الرئيس أن الحكومة الجديدة لا مجال فيها للاعتراض، وقال إن أي اعتراض سينتهي بعزل صاحبه.
ولم يخف أردوغان يوما ازدراءه لمبدأ فصل السلطات.
وقال إردمير"في ظل النظام الجديد، يتمتع أردوغان بالقدرة على تخطي دور البرلمان وأن يقوم – بصورة كبيرة – بالتشريع من تلقاء نفسه من خلال المراسيم."
نظريا، وبما أن الرئاسة والبرلمان باتا ذراعين تشريعيين، فإن الفرصة قائمة للخلاف، وهو أمر ينبغي حسمه من خلال المحكمة الدستورية.
في تلك الحالة، فإن الفرص كبيرة لأن تنحاز المحكمة للرئيس، الذي يقوم من خلال القوانين الجديدة بترشيح نصف أعضائها، وكذلك أعضاء المجلس الأعلى للقضاء والادعاء، وهو الجهة الأساسية المنوط بها إدارة عمل السلطة القضائية.
وقال إردومير "السلطة القضائية الآن خاضعة تماما لأردوغان. الأمل ضعيف في وجود أي شكل من أشكال المراجعة القضائية الهادفة لتجاوزات أردوغان."
وأضاف "لن تهتم المعارضة كثيرا – في رأيي – بعرض القضايا على القضاء، وهي تعرف جيدا أن من المستحيل تقريبا على أي قاض الحكم ضد رغبات أردوغان."
وتقول مجدالينا كيرشنر إن الأمر ذاته ينطبق على أعضاء البرلمان.
وتضيف "من غير المرجح حدوث خلاف حقيقي بين البرلمان والرئاسة طالما ظل الرئيس قادرا على ضمان تأييد أغلبية نسبية، على الأقل، من أعضاء البرلمان، وهو أمر أصبح سهلا في ظل احتفاظ الرئيس بموقعه كزعيم لحزب سياسي."
إن غياب الحياد عن منصب الرئيس يعني ببساطة عدم وجود فارق جوهري بين الحاكم التنفيذي وحزب الأغلبية، على الأقل طالما بقي الرئيس مسيطرا على حزبه.
وأقر البرلمان قوانين جعلت نظام الطوارئ واقعا فعليا بمجرد الإعلان عن انتهاء مدة تطبيقها التي استمرت لعامين، بعد موافقة النواب على تشريع شديد القسوة لمكافحة الإرهاب.
وقالت كيرشنر "يبدو أن الدستور الجديد والمراسيم التي تصدر بموجبه قد عززت من سيطرة الرئيس على حزب العدالة والتنمية الحاكم وعلى الجهاز الإداري للدولة، بما في ذلك الجيش، ومنحته وضعا فوقيا لا يمكن مراجعته فيما يتعلق بشؤون الاقتصاد."
وتابعت "لقد تمت عملية الانتقال إلى ما يمكن تسميته بتركيا الجديدة أو الجمهورية الثانية. لكن بالمقارنة بالجمهورية الأولى، تفتقر الدولة الجديدة إلى إطار ثابت للسياسة الخارجية. وبما أن مفاهيم أتاتورك ومبدأ الدولة العلمانية لا يزال حاضرا في المشهد، فإننا أمام تحول كامل في المجتمع التركي."
كما أن الإبقاء على البرلمان، ولو كسلطة شكلية بلا أي قوى فعلية، له معنى كبير لدى الأتراك.
فتأسيس البرلمان في أنقرة عام 1920، رغم معارضة السلطة الاستعمارية في اسطنبول، كان قرارا ثوريا أشعل فتيل حرب الاستقلال.
وأصبح هذا اليوم اذلي يوافق الثالث والعشرين من أبريل عيدا قوميا تحتفل به تركيا كل عام.
لقد ترسخ وضع البرلمان بشكل غير مباشر كسلطة شعبية مستقلة في ليلة محاولة الانقلاب العسكري الفاشلة عام 2016، حين قصف منفذو الانقلاب مبنى السلطة التشريعية في أنقرة.
ووقع الهجوم، الذي أذهل المراقبين لكون المجلس منزوع السلطة بشكل حقيقي، بعد أن أدان النواب من مختلف الأحزاب المحاولة، وأظهروا شكلا نادرا من أشكال الوحدة سيظل ماثلا في الأذهان باعتباره أبرز ما أظهره هذا البرلمان من لقطات.
وقال إردمير "في ظل ما يسميه أردوغان بالنظام الديمقراطي، فإن البرلمان لم يعد يقوم حتى ولو بدور المنفذ، بل أصبح ببساطة أداة لإضفاء شرعية على حكم الرجل الواحد."
 

لقراءة المقال باللغة الأنكليزية على هذا الرابط

الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.