مارك بنتلي
ديسمبر 04 2017

بسبب انتهاكات حقوق الإنسان.. الاتحاد الأوروبي يظهر العين الحمراء لتركيا!

قد يفرض أخيرا الاتحاد الأوروبي عقوبات مالية كبيرة على حكومة الرئيس التركي رجب طيب إردوغان بسبب سجلها في انتهاكات حقوق الانسان، وهو الأمر الذي سيوجه لطمة قوية لحكومته في الوقت الذي تسعى فيه الى جذب استثمارات أجنبية لتنشيط الاقتصاد المتعثر.

فبعد قرار الاتحاد الأسبوع الماضي بحجب مبلغ قدره 175 مليون يورو (210 مليون دولار) من ميزانيته المخصصة لدعم تركيا، وهو مبلغ أكبر من المتوقع لكنه لا يزال ضئيلا، يبحث القادة الأوروبيون احتمالية تعليق 3.5 مليار يورو من قروض بنك الاستثمار الأوروبي المخصصة لدعم الاقتصاد التركي.

القرار بالطبع يمكن أن يؤزم الوضع في بلد يزرح تحت عجز كبير في التمويل الخارجي، لكن من شأنه أيضا أن يصبح أبرز إجراء من التكتل الأوروبي ضد تركيا بعد أن حاد إردوغان عن الديمقراطية، وكذلك أقوى استعراض للنفوذ المالي على أنقرة منذ أن اشترط عليها صندوق النقد الدولي بدء برنامج للتحول الاقتصادي لمنحها قروضا قيمتها 20 مليار دولار بين عامي 1999 و2003.

كان المشرعون الأوروبيون قد دعوا منذ فترة طويلة إلى اتخاذ إجراءات ضد حكومة إردوغان ذات التوجه الإسلامي بعد أن أحكم الرئيس قبضته على البلاد. وعلى مدى السنوات الخمس الماضية، ألقت تركيا عشرات الصحفيين وناشطين في مجال حقوق الإنسان في السجن ومارست التضييق على الحريات الصحفية وقمعت المظاهرات السلمية والأقلية الكردية دون رحمة. وقال إردوغان، الذي فرض حالة الطوارئ بعد محاولة انقلاب فاشلة العام الماضي، إن هناك حاجة إلى اتخاذ إجراءات للتعامل مع جماعات المعارضة غير القانونية ومن يدعمونها، بما في ذلك حركة فتح الله غولن.

وقال ماريتجي سكاكي وهو عضو في البرلمان الأوروبي معني بشؤون تركيا "إن الإحباط وخيبة الأمل كبيرة...خاصة فيما يتعلق بعدم احترام حقوق الإنسان وسيادة القانون... هذه الانتهاكات تستمر مرارا وتكرارا."

وكأن كل هذا لا يكفي، حيث تعرضت سمعة تركيا الدولية للطمة أخرى هذا الأسبوع بظهور مزاعم حول تورط إردوغان ووزرائه في صفقات مالية غير مشروعة مع إيران للتحايل على العقوبات الأمريكية. وتتواصل في نيويورك حاليا محاكمة أحد المشتبه بهم الرئيسيين وهو مصرفي في بنك "خلق"، فيما تقول تركيا إن الاتهامات التى أطلقها رجل أعمال تركي من أصول إيرانية لا أساس لها.

ونقلت وكالة رويترز للآنباء عن دبلوماسيين لم تذكر اسمائهم قولهم إنه من المرجح أن يتخذ القادة الأوروبيون قرارا بحجب قروض بنك الاستثمار الأوروبي عن تركيا في اجتماعهم في بروكسل الأسبوع المقبل. وأضافوا أن هذه الاموال ستخصص لأوكرانيا ودول الكتلة السوفيتية السابقة عوضا عن ذلك.

ولم يتضح بعد ما اذا كان البنك الأوروبي لإعادة الإعمار والتنمية وبنك التنمية الألمانى والممولون الدوليون الرئيسيون الآخرون لتركيا سوف يحذون حذو الاتحاد الأوروبي.

يأتي هذا فيما تسعى تركيا حاليا إلى الحصول على موارد لتغطية أكثر من 200 مليار دولار على هيئة قروض من القطاعين العام والخاص سنويا. وبينما ساعد حجم العجز هذا على أن تصبح تركيا واحدة من أسرع الاقتصادات الناشئة نموا على الصعيد العالمي، دفع أيضا بعض المستثمرين إلى سحب رؤوس أموالهم من الأسواق المالية التركية، ما أدى إلى انخفاض قيمة الليرة والسندات.

يقول تيم آش، كبير الاستراتيجيين في مؤسسة "بلو باي" لإدارة الأصول في لندن "إذا نفذ الاتحاد الأوروبي هذا الإجراء، فإن هذا سيزيد من صعوبة الموقف المعقد بالفعل بشأن الفجوة في التمويل الخارجي." وأضاف "إنها ليست ضربة قاضية بالنسبة لقدرة تركيا على توفير التمويل لنفسها، لكني اعتقد أن صدى مثل هذه الخطوة يمكن أن يكون مؤثرا إذا تسببت في حالة من الهلع بين البنوك الغربية الخاصة وبدأت في سحب أموالها هي الأخرى."

ومن المحتمل كذلك أن يمس حجب تمويل بنك الاستثمار الأوروبي حلفاء إردوغان من رجال الأعمال، حيث قال مسؤولون إن الاتحاد الأوروبي سيزيد من التدقيق في القروض المقدمة إلى تركيا في أكتوبر وإن التدابير ستؤثر على وجه الخصوص على التمويل الممنوح للشركات التي ترتبط بعلاقات وثيقة مع حكومة إردوغان.

أردوغان يصطحب يلدريم في اول دخول الى نفق يوروآسيا في اسطنبول العام الماضي
أردوغان اول من استخدم نفق يوروآسيا في اسطنبول العام الماضي

وفي الأغلب، يخصص بنك الاستثمار الأوروبي القروض التي يمنحها للمساعدة في تنفيذ مشروعات التشييد الضخمة أو المشروعات الصغيرة والمتوسطة الحجم. وهو ما ساعد بشكل كبير على بزوغ نجم إردوغان الذي اكتسب أرضية كبيرة بتنفيذ مشروعات ضخمة، مثل نفق مرمراي تحت مضيق البوسفور الذي ساعد البنك في تمويله بأكثر من مليار يورو، ونفق أوراسيا الذي موله البنك بقرض قيمته 270 مليون يورو، ما شكل دليلا على الازدهار الاقتصادي لتركيا تحت قيادته. هذا بالإضافة إلى أن بنك الاستثمار الأوروبي قدم 295 مليون يورو لتمويل خط المترو في اسطنبول وبناء مستشفيات وميناء لناقلات النفط وغيرها من المشروعات.

علاوة على ذلك، يضخ بنك الاستثمار الأوروبي بعضا من قروضه عبر البنوك التركية على شكل قروض للمشاريع الصغيرة والمتوسطة الحجم. ومن بين المؤسسات الشريكة له بنك "خلق" والبنك الزراعي التركي، فضلا عن أهم البنوك المملوكة ملكية خاصة مثل بنك أك وبنك يابي كريدي. وقد قدم هذا التمويل مساعدة كبيرة ل لعديد من الشركات في المناطق الأكثر فقرا في وسط الأناضول وشرق البلاد حيث يتمتع إردوغان بشعبية قوية. وكان آخر قرار بالموافقة على إقراض كهذا حدث في 30 يونيو.

وقالت المستشارة الالمانية أنجيلا ميركل الشهر الماضى إنها ستضغط على الاتحاد الأوروبى لخفض التمويل المخصص لتسهيل انضمام تركيا إلى التكتل، عازية ذلك إلى تدهور الديمقراطية في البلاد. وكانت الولايات المتحدة قد أوقفت خدمات منح التأشيرات فى تركيا في 8 أكتوبر بسبب خلاف حول اعتقال موظفين محليين في قنصلياتها. لكن واشنطن خففت لاحقا من قيودها على منح التأشيرات لتسمح بإصدارها لأصحاب حالات معينة مثل الحالات الصحية.

وقال وزير الخارجية الألماني زيغمار غابرييل في خطاب إلى مسؤولة السياسة الخارجية بالاتحاد الأوروبي فيديريكا موجيريني والمفوض الأوروبي لسياسة الجوار والتوسع يوهانس هان في يوليو إن سياسات إردوغان "تتناقض بشكل صارخ مع منظومة القيم الاوروبية وتتطلب رد فعل واضح."

من جانبه، انتقد إردوغان الاتحاد الأوروبي بسبب ما وصفه بازدواج المعايير، وهاجم ألمانيا وهولندا بشكل خاص بشأن ممارسات قال إنها تشبه نهج "النازية".

وسيزيد أي تخفيض كبير في حجم تمويل الاتحاد الأوروبي من صعوبة موقف إردوغان الذي يمر بفترة حساسة من رئاسته التي يكافح للحفاظ عليها من خلال استمرارية النمو الاقتصادي قبل فترة قصيرة من الانتخابات الرئاسية والبرلمانية التي من المقرر أن تجرى عام 2019 على أبعد تقدير.

ووصولا إلى هذا الهدف، تحتاج الحكومة إلى مصادر جديدة للعائدات لتعزيز الاستثمارات، لكنها اصطدمت بضعف مردود خطة حكومية وصلت قيمتها إلى أكثر من 200 مليار ليرة (50 مليار دولار) لضمان القروض الممنوحة للشركات المتعثرة في قطاع السياحة والقطاعات الأخرى بسبب القيود المالية، فيما لم تنجح بعد الجهود الرامية إلى زيادة رؤوس المال اللازمة لتعزيز قطاع البنية التحتية في إحداث التأثير المنشود، حتى على الرغم من إنشاء صندوق الثروة السيادية العام الماضي خارج الميزانية تحديدا لهذا الغرض.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: