كلاير سدر
يناير 31 2018

بسبب دعوتهم للسلام.. أكاديميون أتراك يعيشون بين مطرقة الشتات وسندان ترامب

كان من المفترض أن يكون الأكاديمي التركي خليل ينيجون حاضرا في مؤتمر صحفي في أوائل عام 2016 أدى إلى اعتقال أصدقائه لاحقا، لكن المصادفة وحدها هي من قادته إلى الاعتذار عن الحضور في اللحظة الأخيرة وجنبته مصير زملائه. 
قبلها بثلاثة أيام، كان ينيجون واحدا من ألفي أكاديمي تركي وقعوا التماسا إلى الحكومة التركية يطالبون فيها بوقف حملة العنف التي تشنها الحكومة ضد المواطنين الأكراد في تركيا. 
وعلى الرغم من أن الالتماس الذي أصدرته جماعة "أكاديميون من أجل السلام" يدعو في الحقيقة إلى إحلال السلم في جنوب شرق تركيا الذي تقطنه أغلبية كردية، نظر الرئيس رجب طيب أردوغان إليه باعتباره إعلان حرب وقام بعدها على الفور بإدانة الموقعين ووصفهم بأنهم والإرهابيين واحد. 
وفي شهر مارس من نفس العام، ألقت السلطات التركية القبض على ثلاثة أصدقاء لينيجون كانوا من بين الأكاديميين الذين وقعوا على الالتماس، وذلك بعد أيام من عقدهم المؤتمر الصحفي الذي كان ينيجون يعتزم حضوره.
لكن الأمر لم يتوقف عند هذا الحد، حيث لا يزال أكثر من ألف أكاديمي ممن وقعوا على الالتماس يواجهون تبعات قانونية لإقدامهم على هذه الفعلة، فيما اضطر كثيرون آخرون منهم إلى مغادرة تركيا، ويتعين عليهم الآن محاولة إعادة بناء حياتهم في المهجر.
ولعل ينيجون كان واحدا من أوائل الأكاديميين الذين تأثروا بشدة جراء دعمهم لهذا الالتماس. ففي 15 يناير، فوجئ ينيجون بإيقافه عن عمله في جامعة اسطنبول للتجارة، وبعدها بأسابيع وتحديدا في 22 فبراير، تم فصله تماما من العمل في إشارة ضمنية إلى أي جامعة أو هيئة أخرى تفكر في الاستعانة بخدماته بأن تعيد النظر في ذلك، كما تم استبعاده من العديد من اللجان والمحاضرات التي كان اعتاد على المشاركة فيها في أعقاب قرار الجامعة.
وفهم ينيجون الرسالة، وفي شهر أبريل، وافق على تلبية دعوة لإلقاء محاضرات في جامعة نورث كارولينا الأمريكية وحصل بعدها على عرض لشغل وظيفة في ألمانيا لفترة الخريف بعد حصوله على درجة الدكتوراه. لكن للحصول على تأشيرة لدخول ألمانيا، كان ينيجون يعتزم العودة إلى تركيا في 19 يوليو. فقد كان للقدر رأي آخر، ففي 15 يوليو من عام 2016، انتشرت الدبابات في الشوارع وأطلقت طائرات الهليكوبتر نيرانها ضد المدنيين فيما عرف لاحقا بمحاولة الانقلاب التي تقول الحكومة إنها من تخطيط أتباع الداعية التركي فتح الله غولن المقيم في الولايات المتحدة.
وأدرك ينيجون على الفور أن ارتباطه بجماعة "أكاديميون من أجل السلام" سيجعله هدفا للحكومة في الحملة الأمنية التي ستعقب هذه المحاولة. وكان الموقف صعبا بالنسبة له، فهو مضطر إلى مغادرة الولايات المتحدة وفي الوقت ذاته لا يمكنه العودة إلى تركيا للحصول على تأشيرة دخول إلى ألمانيا. لكن الحظ ابتسم له أخيرا وتمكن من الحصول على تأشيرة الدخول في ألمانيا نفسها.
وأجمع جميع الموقعين على التماس "أكاديميون من أجل السلام" الذين تحدثوا إلى "أحوال تركية" أن 15 يوليو كان نقطة تحول بالنسبة لهم. وقال طالب يدرس حاليا في كندا للحصول على درجة الدكتوراه وطلب عدم الكشف عن اسمه إنه وقع على الالتماس "لأنه شكل إعلانا حول الكيفية التي يجب أن نكون قادرين بها على انتقاد الحكومة". وفي مصادفة مؤسفة، وصل هذا الطالب إلى اسطنبول قبل ساعات من محاولة الانقلاب في 15 يوليو.
وتماما مثلما توصل إليه ينيجون، أدرك طالب الدكتوراه أن حملة القمع ضد المعارضين السياسيين ستشتد شراسة في أعقاب محاولة الانقلاب، لذلك لم يتوان عن مغادرة البلاد بعدها بأيام قليلة، ولا يعرف الآن متى سيعود، حيث أنه في كل مرة يدخل فيها الأراضي التركية، يواجه خطر إلغاء جواز سفره، شأنه شأن عشرات الآلاف من المواطنين الأتراك منذ محاولة الانقلاب.
أما مايا أراكون فلم تكن فقط أستاذة للعلوم السياسية والعلاقات الدولية وخبيرة في شؤون الإرهاب وحل النزاعات والمشكلة الكردية، لكنها كانت أيضا إعلامية تملك برنامجها التلفزيوني الخاص. وبعد أن كانت أراكون ملء الأبصار والأسماع، انطفأ فجأة نجمها بعد فترة قصيرة من محاولة الانقلاب وأصبحت عاطلة عن العمل. لماذا؟ لأن الحكومة أغلقت العشرات من المؤسسات التي تربطها صلات بغولن، وحتى على الرغم أن أراكون ليست عضوة في حركة غولن، تم إدراج الجامعة ومحطة التلفزيون اللتين تعمل بهما باعتبارهما إحدى أذرع الجماعة السرية.
وظلت أراكون تعيش كل يوم تحت وطأة الخوف من احتمالية إلقاء القبض عليها قبل أن تقرر الرحيل عن تركيا مع خليلها الأمريكي الذي أصبح اليوم زوجها. وكانت الأستاذة-الإعلامية تتوقع أن تتمكن من العودة قريبا إلى حياتها القديمة. ولكن مع تزايد وتيرة الاعتقالات، حذرها محاموها من العودة، إلا أنه ليس من السهل أبدا على أراكون أن تبقى بعيدا حتى في مواجهة هذه التهديدات الصريحة. تقول أراكون: "كانت هنالك أوقات بكيت فيها بحرقة، وكأنني أمر بكابوس وقلت لنفسي 'قضي الأمر، سوف أعود مهما كانت العواقب'." لكن بعد وقت قصير من مغادرة تركيا، علمت أراكون أنها حامل لذلك بقيت في الولايات المتحدة من أجل مصلحة طفلها القادم. وتحاول أراكون الآن إعادة بناء مسيرتها الأكاديمية حيث عُرضت عليها وظيفة في كلية في ولاية أوهايو، وبعد أشهر من الترقب، استلمت أخيرا تصريح العمل قبل بضعة أيام.
قصة أراكون تتشابه تفاصيلها مع قصص العديد من الأكاديميين الأتراك في الولايات المتحدة الذين تقدموا بطلبات للحصول على المساعدة في العثور على وظائف مؤقتة من منظمات معنية بمد يد العون للأكاديميين الذين يواجهون تهديدات. وتشير بيانات إحدى كبريات هذه المنظمات، وهي منظمة "علماء في خطر"، إلى أنها تلقت ما يصل مجموعه إلى 739 طلبا من الأكاديميين الأتراك منذ تأسيسها، من بيها 716 طلبا تلقته منذ يناير 2016 في أعقاب التماس "أكاديميون من أجل السلام". ولسوء الحظ، لا تملك المنظمة التمويل الكافي لدعم جميع من يتقدمون لطلب العون من الأكاديميين، حيث قالت المنظمة إنها تلقت طلبات من 438 باحثا تركيا في السنة المالية 2017، لكنها لم تستطع سوى مساعدة 84 من مقدمي الطلبات.
حتى هؤلاء الذين تمكنوا من الحصول على وظيفة مؤقتة لم يحصلوا سوى على فترة راحة قصيرة من مخاوفهم القانونية والمالية. فالتأشيرات التي صدرت لهم ستنتهي صلاحيتها بنهاية هذه العقود المؤقتة، وغالبا ما تكون مقترنة بشرط عودتهم إلى وطنهم لمدة عام على الأقل. ولا يملك الأكاديميون الذين لديهم مخاوف مشروعة بشأن العودة إلى ديارهم سوى خيارات معدودة، بما في ذلك طلب اللجوء السياسي. ولكن حتى نظام اللجوء أصبح أكثر تعقيدا وغير مضمون في ظل الإدارة الأمريكية الحالية.
فعلى سبيل المثال، يخيم الغموض على وضع الأكاديمية التركية نالان، المرشحة لنيل الدكتوراه في إحدى جامعات المنطقة الغربية الوسطى في الولايات المتحدة. فعلى الرغم من أن أساتذتها في الجامعة على دراية بوضعها ويدعمونها بشكل كبير باعتبارها الأكاديمية التركية الوحيدة الموقعة على الالتماس في الجامعة، امتنعت إدارة الجامعة عن تقديم أي مساعدة لها بشكل خاص، وهو ما لا يترك مجالا لنالان سوى تقديم أطروحتها بحلول نهاية الصيف على أمل الحصول على وظيفة في الولايات المتحدة، لكنها لا تعرف حتى هذه اللحظة ما هي وضعها القانوني أو خياراتها إذا لم تجد فرصة عمل ملائمة. وفي الوقت الراهن، تظل نالان حبيسة الولاية التي تعيش بها خشية أن تلغي السلطات التركية جواز سفرها في حالة سفرها إلى خارج الولايات المتحدة أو أن تحتجزها سلطات الهجرة الأمريكية في حالة سفرها خارج الولاية.
هناك أيضا إيدا إردينر التي كانت تعمل أستاذة مساعدة بقسم علم النفس في إحدى الجامعات في المنطقة الكردية في تركيا قبل أن يتم فصلها من عملها بسبب دعمها لالتماس "أكاديميون من أجل السلام". بعدها، حصلت على زمالة لمدة عام في إحدى الجامعات في ولاية كاليفورنيا من خلال منظمة "علماء في خطر". وبعد انتهاء فترة الزمالة، قدمت طلبا للحصول على اللجوء السياسي.
تقول إردينر عن وضعها الحالي "لا أستطيع ممارسة أي عمل بسبب وجود قاعدة تحتم علي الانتظار لمدة 150 يوما حتى يتم البت في طلب اللجوء قبل حصولي على تصريح العمل. ومع ذلك، امتدت هذه الفترة لتصبح 250 يوما، ولم أتلق بعد أي إجابة من هيئات المواطنة والهجرة الأمريكية." وأضافت إردينر في سياق حديثها لـ"أحوال تركية": "لا أستطيع الاستفادة من أي خدمات حكومية أو الحصول على بطاقة هوية من الولاية. وعندما شرعت في عملية اللجوء، كان المحامي الخاص بي متيقنا للغاية من إمكانية حصولي على بطاقة هوية من الولاية. ورغم ذلك، تم إبلاغنا أنه تم تغيير الطريقة المتبعة لتنفيذ قوانين اللجوء ولذلك لا يمكنني الحصول على هوية حتى يتم الموافقة على طلب اللجوء الخاص بي، وهو ما يمكن أن يستغرق بين عامين وثلاثة أعوام."
الأمر وصل لدرجة أن المكتبة التي ترتادها إردينر رفضت إصدار بطاقة عضوية لها لأنها لم تتمكن من توثيق عنوان دائم لها بسبب وضعها القانوني المعلق، وفي كل موقف تحتاج إردينر فيه إلى إظهار بطاقة هويتها، يتعين عليها أن تبرز جواز سفرها التركي الممهور بتأشيرة انتهت صلاحيتها مع تقديم شرح كامل لموقفها القانوني والسياسي.
تقول إردينر لـ"أحوال تركية": "بات علي أن أشرح الموقف بالكامل في كل مرة. وعندما يسألونني عن سبب مكوثي في البلاد بعد انقضاء صلاحية التأشيرة، أرد 'أنا طالبة لجوء'." لكن مع تزايد المشاعر العدائية ضد طالبي اللجوء في ظل السياسات المناهضة للمهاجرين التي اتخذتها الإدارة الأمريكية مؤخرا، تشعر إردينر بقلق كبير، خاصة وأن بعض الأشخاص هددوا بإبلاغ سلطات الهجرة عنها.
وِشأنها شأن أراكون، كانت إردينر تتوقع أنها ستكون قادرة على العودة إلى تركيا بمجرد أن يهدأ الوضع السياسي. لكنها تشعر الآن أن ليس لديها خيار سوى أن تحاول بناء حياتها مرة أخرى خارج تركيا، نظرا لخشيتها من احتمالية اعتقالها أو تعرضها لما هو أسوأ حال عودتها إلى وطنها.
ولم تكن إردينر هي الوحيدة بين الأكاديميين الأتراك الذين تحدثوا لـ"أحوال تركية" عن قلقهم إزاء تأثر فرصهم سلبا في البقاء في الولايات المتحدة نتيجة سياسات الهجرة التي تنتهجها إدارة الرئيس الأمريكي دونالد ترامب.
وقالت جايا رامجي - نوجاليس، الأستاذة في كلية بيسلي للقانون في جامعة تمبل، لـ"أحوال تركية": "جرت العادة تاريخيا أن يتم اعتبار الرأي السياسي سببا وجيها لطلب اللجوء...لكنني لا أعلم كيف ستسير الأمور في ظل الإدارة الحالية. لذلك، لا يسع المرء سوى أن يأمل أن تتفهم الجهات التي بيدها القرار وضع هؤلاء الأكاديميين الأتراك الذين عرضوا أنفسهم لمخاطر جمة دفاعا عن الحرية السياسية. ولكن عندما يعبر الناس عن قلقهم [فيما يتعلق بقضايا الهجرة الخاصة بهم]، لا بد لي من الاعتراف بأن مخاوفهم وجيهة ومشروعة."
وبالفعل، يراقب الكثير من طالبي اللجوء بكثير من القلق التحركات التي يقوم بها النائب العام الأمريكي جيف سيشنز بخطى بطيئة ولكن ثابتة تجاه إعادة تشكيل آلية مراجعة المكتب التنفيذي للهجرة لتتوافق مع أولويات إدارة ترامب. فعلى سبيل المثال، انتقد سيشنز في تصريحات معدة سلفا ما وصفه بثغرات نظام اللجوء الحالي أمام مجموعة من أعضاء المكتب في 12 أكتوبر من العام الماضي، قائلا إن النظام القائم "يتم استغلاله حاليا في عمليات تدليس واحتيال واسعة النطاق." وأضاف أن الكثير من المهاجرين غير الشرعيين، إن لم يكن معظمهم، يستغلون الثغرات الموجودة في النظام لتجنب ترحيلهم إلى بلدانهم، كما وصف عملية البت في قضايا اللجوء بأنها "معطلة ولا تعمل بالشكل المطلوب"، وذلك لأن وزارة الأمن الداخلي وجدت أنه في 88٪ من الحالات كان لدى طالبي اللجوء مخاوف وجيهة ومشروعة من احتمالية تعرضهم للاضطهاد في حالة عودتهم إلى موطنهم الأصلي، بحسب تعبيره. واختتم سيشنز حديثه بالقول إن الإدارة تعتزم "فرض وتطبيق عقوبات على أصحاب طلبات اللجوء الاحتيالية أو التي لا أساس لها، فضلا عن توسيع نطاق آلية ترحيل سريعة."
وتقول أراكون حيال ذلك إن مثل هذه التغييرات في سياسات الهجرة واللجوء سيترتب عليها آثار كارثية بالنسبة للأشخاص الذين قادتهم الظروف إلى العيش في المنفى مثلها. وأضافت "أنا لست مذنبة بأي جرم. أنا ببساطة لا أستطيع العودة إلى وطني لأنني كنت ناشطة حقوقية تحاول العمل على إحلال السلام في بلدها، وتصادف أنني كنت أعمل في جامعة تابعة لشبكة غولن، حتى على الرغم أنها كانت مجرد وظيفة بالنسبة لي مثلها مثل أي وظيفة أخرى. لذلك، أريد أن تكون الولايات المتحدة أكثر انفتاحا مع الأشخاص مثلي الذين أصبحوا بلا بلد تحتضنهم أو ترأف بحالهم. نحن ببساطة أصبحنا مشردين في عالم ضخم."
يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية أيضا: