بعد ألمانيا، فرنسا تستعد لمواجهة الإسلام السياسي التركي

باريس – بالتزامن مع المساعي الألمانية المُتزايدة على المستويين الرسمي والشعبي للحدّ من تغلغل مفاهيم الإسلام السياسي القادمة من تركيا في المجتمع الألماني، وعد الرئيس الفرنسي إيمانويل ماكرون الخميس بألا يكون هناك أيّ "تهاون" بمواجهة أولئك الذين يريدون فرض "إسلام سياسي يسعى إلى الانفصال" عن المجتمع الفرنسي، في تصريحات قويّة فسّرها مُراقبون بأنها موجهة للإسلام السياسي التركي بشكل خاص.
وقال ماكرون في مؤتمر صحافي "لا حاجة لقناع عندما نتحدث عن العلمانية، نحن لا نتحدث حقيقة عن العلمانية، نتحدث عن طائفية قائمة في بعض أحياء من الجمهورية".
وأضاف "نتحدث عن الانفصال (عن المجتمع) الذي ترسخ في بعض الأحيان لأن الجمهورية تخلت أو لم تفِ بوعودها، نتحدث عن الناس الذين لديهم، تحت غطاء الدين، مشروع سياسي، عن مشروع الإسلام السياسي الذي يسعى إلى انفصال عن جمهوريتنا. وفي هذه النقطة تحديدا، طلبت من الحكومة ألا تبدي أيّ تهاون".
وكما هو الحال في ألمانيا حيث الاتحاد الإسلامي التركي (ديتيب) اليد الطولى للرئيس التركي رجب طيب أردوغان ومخابراته، يتبنّى العديد من أئمة المساجد ومسؤولي المؤسسات الدينية في فرنسا مفاهيم الإسلام السياسي القادمة من تركيا وقطر بشكل خاص.
والعام الماضي حذّر رئيس المجلس الإسلامي الفرنسي، أحمد أوغراش (تركي)، من "نوايا سيئة" خلف تصريحات الرئيس، إيمانويل ماكرون، بشأن المؤسسات التعليمية الإسلامية والأئمة والخطباء في البلد الأوروبي.
وانطلاقا من ضرورة تأهيل رجال دين يتمتعون بمعرفة كافية باللغة والثقافة الفرنسية، بدأت فرنسا العمل على تأهيل المواطنين الفرنسيين للعمل كأئمة داخل البلاد، والتوقف بالتالي عن استيراد الأئمة من تركيا نظراً لجهلهم بالثقافة الفرنسية ومبدأ العلمانية، وخطورة الأفكار المُتشدّدة التي يحملونها.
ويجري تخفيض عدد الموظفين الدينيين الأتراك في فرنسا تدريجيا اعتبارا من موسم 2014-2015، ليتم الاستعاضة عنهم برجال الدين من داخل فرنسا.
وتبحث فرنسا، منذ الأحداث الإرهابية التي شهدتها العام 2015، في مكانة الإسلام وتنظيمه على أراضيها، بينما ازداد عدد المسلمين فيها بشكل كبير منذ فترة ما بعد الحرب العالمية الثانية.
ويقدر عدد المسلمين في فرنسا بأكثر من خمسة ملايين من مجموع سكان يناهز 67 مليون نسمة.
وقد اعتمدت فرنسا عام 1905 قانونا ينصّ على الفصل بين الكنيسة والدولة بإنشاء جمهورية علمانية.
وقال ماكرون "قمنا بتعزيز تطبيق (قانون عام 1905) في الآونة الأخيرة، عن طريق إغلاق المدارس عندما لا تحترم قوانين الجمهورية، عن طريق إغلاق المزيد من المؤسسات الثقافية عندما لا تحترم قواعد الجمهورية في ما يتعلق بالنظام العام أو محاربة الإرهاب".
ومنذ نوفمبر 2018، تجري الحكومة الفرنسية مشاورات مع ممثلي الديانات لوضع اللمسات الأخيرة على مشروع لإصلاح قانون 1905 هدفه زيادة الشفافية في تمويل أماكن العبادة وضمان احترام القانون والنظام.
وبمقتضى قانون العلمانية في فرنسا، يحظر على الحكومة تقديم الدعم المالي للهيئات والمؤسسات الدينية، في حين يسمح للإدارات المحلية تقديم التسهيلات في منح الأراضي بغرض إنشاء أماكن العبادة، إلى جانب عدد من الخدمات الأخرى.
وفي سبتمبر الماضي، نشر مركز أبحاث ليبرالي في فرنسا تقريرا يتضمن مقترحات للتصدي لـِ "صناعة الإسلاميين"، وذلك من خلال هيكل يكلف بتنظيم وتمويل ممارسة الديانة الإسلامية في فرنسا ومكافحة أكبر للخطاب السلفي على شبكات التواصل الاجتماعي.
ونشر تقرير معهد مونتاني في خضم نقاش عام حول تنظيم ممارسة الديانة الإسلامية في فرنسا. وذلك بهدف إصلاح ممارسة ثاني ديانة في البلاد، مُعبرا عن مخاوف إزاء انتشار الأفكار الإسلامية المتطرفة عبر الإنترنت.
وعنون التقرير "صناعة الأسلمة" وعدّد منها "مصانع إنتاج الأسلمة" كتنظيم الإخوان المسلمين في مصر، ومصنع "إسلامي في تركيا"، إلى إيران بعد ثورة 1979، وغيرها من التنظيمات ذات الفكر المُتطرف.
ومنذ الأحداث الإرهابية الكبرى التي وقعت في العاصمة الفرنسية في نوفمبر 2015، تضاعفت رغبة الحكومة للسيطرة على تمويل وتوجّهات وإدارة المساجد على أراضيها، والعمل على إبعاد المُتشدّدين والمُتبرعين من أصحاب الأجندات الخفية، الذين يُغذّون الفكر المُتطرف من مبدأ التمويل مقابل التأييد والتنفيذ.