مارك بنتلي
يناير 05 2018

بعد إدانة مصرفي تركي بنيويورك.. الكرة الآن في ملعب أردوغان!

وجد الرئيس التركي رجب طيب أردوغان نفسه أمام أكبر تحد سياسي يواجهه منذ محاولة الانقلاب العسكري في تركيا قبل 18 شهرا، وذلك عندما أدانت محكمة أمريكية المصرفي التركي البارز محمد خاقان عطا الله.
فالحكم الصادر ضد عطا الله، نائب الرئيس التنفيذي لبنك "خلق" الحكومي، بإدانته بتهم التحايل والتآمر بهدف الالتفاف على العقوبات الأمريكية على إيران يهدد بوضع أردوغان فى مواجهة مباشرة مع الجهات التنظيمية الأمريكية، بما فى ذلك وزارة الخزانة الأمريكية التي باتت تنظر الآن في إمكانية فرض غرامات يمكن أن تصل إلى مليارات الدولارات على بنك خلق.
والموقف الآن لا يحتمل أي مجازفات، خاصة فيما يتعلق بكيفية تعامل أردوغان مع مجريات المحاكمة من الآن فصاعدا، لأن أي سوء إدارة لهذا الملف سيكون له عواقب وخيمة – ليس فقط على البنوك التركية وإنما على الاقتصاد التركي ككل.
وسيكون من الأفضل كثيرا لأردوغان، الذي عادة ما يلجأ إلى المجازفات السياسية ولعب دور الضحية والتصريحات الشعبوية الغاضبة من أجل توطيد سلطته، أن يتراجع هذه المرة ويبدي استعداده للتعاون مع السلطات الأمريكية، بما في ذلك وزارة الخزانة، حتى يتم التحقق ما إذا كان بنك خلق قد تورط بالفعل في هذا المخطط أم لا.
لكن الرئيس التركي دأب حتى الآن على وصف القضية ضد عطا الله بوصفها هجوما مباشرا على حكومته وعلى الأمة التركية ذاتها. وفي يوم الخميس، انتقد المتحدث باسمه إبراهيم كالين قرار هيئة المحلفين باعتباره "قرارا فاضحا في قضية فاضحة"، فيما أصدرت وزارة الخارجية التركية بيانا قالت فيه إن المحاكمة تمثل تدخلا فى الشئون الداخلية لتركيا.
وذهب بكير بوزداج وزير العدل التركي إلى أبعد من ذلك، متهما وكالة المخابرات المركزية ومكتب التحقيقات الفدرالي بالتواطؤ مع منظمة فتح الله الإرهابية، وهو مصطلح تستخدمه الحكومة لوصف حركة فتح الله غولن التي يلقي أردوغان عليها باللوم في تدبير محاولة الانقلاب الفاشلة في 2016. كما قدم المدعون الأمريكيون في المحاكمة أدلة تستشهد بتحقيق أجري عام 2013 بشأن الفساد في حكومة أردوغان، والذي قال عنه وقتها إنه أجري بتعليمات من غولن.
وبالإضافة إلى الغرامات، تملك الجهات التنظيمية الأمريكية العديد من الخيارات العقابية التي يمكن فرضها عقب إسدال الستار على المحاكمة. وفي الحالات السابقة، وخاصة في حالات خرق العقوبات، كانت العواقب وخيمة بالنسبة للهيئات المتورطة، كما ستنطوي العقوبات المفروضة على هذه الهيئات على شرط القبول بالذنب نيابة عن المسؤولين عن الجرم. فعلى سبيل المثال، اضطر بنك  بي إن بي باريبا إلى دفع 9.8 مليار دولار في مايو 2015 بعد إدانته من قبل قاض أمريكي لانتهاكه عقوبات أمريكية ضد إيران وكوبا والسودان. وقد قبل البنك بمسؤوليته الكاملة عن ذلك ووافق على تعزيز إجراءات الامتثال الخاصة به.

رضا ضراب
رضا ضراب

وفي حالة الإخفاق في الامتثال لحكم المحكمة، قد يواجه البنك المعني في القضية خطر الطرد من النظام المالي الأمريكي، وفي الحالات القصوى، وضعه في القائمة السوداء للأفراد والمؤسسات المالية في البلدان التي وقعت فيها هذه الجرائم.
والمعضلة الحقيقية تكمن في أن الأدلة في القضية لا تتوقف فقط عند الزعم بأن عطا الله وغيره من المصرفيين في تركيا ساعدوا إيران على تحويل مليارات الدولارات عبر النظام المصرفي الأمريكي، إذ قال تاجر الذهب التركي الإيراني الأصل رضا ضراب إن أردوغان ووزراءه على علم تماما بهذا المخطط، وذلك بعد أن تحول من مدع عليه إلى شاهد إثبات في القضية.
لذلك فإن انتقادات أردوغان المستمرة للقضية لن تشكل فقط تحديا مباشرا للسلطات الأمريكية بالنظر إلى مستوى العقوبات المحتملة ضد بنك خلق، ولكن قد تشكل كذلك حافزا يمكن أن يشجعهم على توسيع نطاق تحقيقاتهم، لتشمل مسؤولين أتراكا آخرين من مستويات أعلى في هذه المؤامرة المالية.
لكن قد يكون من الصعب على أردوغان أن يخفض من حدة لهجته، فالزعيم التركي اعتاد على استغلال تصريحاته العنيفة والعدائية، ليس فقط رغبة في تعزيز شعبيته وسلطته على المستوى المحلي، ولكن لأن أردوغان لديه طموحات حقيقية في أن يُنظر إليه في أنحاء الشرق الأوسط باعتباره المتحدث بلسان المسلمين وحامي حماهم. وبالتالي، تعد تصريحاته المناهضة للغرب عنصرا أساسيا في استراتيجيته لتعزيز صورته.
ولذلك، قد يكون من الصعب تجنب المزيد من الصدام مع الولايات المتحدة، حتى في ظل ما قد ينجم عن ذلك من تداعيات اقتصادية وسياسية على تركيا.
وفي خطوة لا تتسم بالكثير من الحكمة، وافق أردوغان والرئيس الإيراني حسن روحاني هذا الأسبوع على تعميق التعاون الاقتصادي، وبشكل أكثر تحديدا في القطاع المصرفي. وبالطبع، يمكن أن تؤدي هذه التحركات إلى إثارة غضب الرئيس الأمريكى دونالد ترامب الذى يعتبر إيران خصما على الولايات المتحدة أن تتعامل معه بمزيد من الشدة.
وصب أردوغان يوم الجمعة المزيد من الزيت على النار بانتقاده حكم المحكمة مرة أخرى قائلا "إذا كان هذا هو مفهوم الولايات المتحدة للعدالة فإن العالم فى مأزق."
أما بنك خلق فقد أرسل خطابا إلى بورصة اسطنبول قال فيه إنه التزم باللوائح المصرفية الدولية، مؤكدا أنه ليس طرفا فى الاتهامات التى وردت فى المحاكمة الأمريكية.
لكن جون كيم، المدعي العام الأمريكي في القضية، أصدر تحذيرا صريحا في ختام المحاكمة قال فيه إن "البنوك الأجنبية والمصرفيين لديهم خياران: إما أن يختاروا مساعدة إيران والدول الأخرى الخاضعة للعقوبات عن عمد للتهرب من القانون الأمريكي، أو يمكنهم أن يختاروا أن يكونوا جزءا من المجتمع المصرفي الدولي الذى يتعامل بالدولار الامريكي."
ويشير بيان كيم إلى احتمالية وجود رد فعل جاهز قد يصدر عما قريب من مكتب مراقبة الأصول الخارجية بوزارة الخزانة الأمريكية، وهو القسم الذي يملك صلاحية تطبيق قوانين العقوبات فى البلاد.
يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية ايضا: