هشام النجار
يناير 01 2018

بعد انتفاض الإيرانيين.. الغضب قادم في تركيا

الأيام والشهور المقبلة قد تكون الأخطر في تاريخ تركيا الحديث؛ فالربيع حسب الخبرات العربية يسحب بساطه ليغطي الفضاءات المتشابهة مدفوعًا بجاذبية تحسها الجماهير، ولا ترصدها أجهزة العسس والمخابرات.

ظن حزب الله اللبناني الموالي لإيران أو هكذا صور له قادة الحكم المركزي في طهران، أن إخماد الانتفاضة السورية خطوة متقدمة لحماية حضوره بلبنان وباقي الميليشيات الشيعية المسلحة، فكيف الحال والانتفاضة في قلب إيران حيث القيادة المركزية للإسلام السياسي الشيعي؟

كذلك ظن حزب جماعة الإخوان الموالية لتركيا أو هكذا صور لها الرئيس رجب طيب إردوغان أن إخماد الثورة المصرية ضد حكم الإخوان في مصر والانقلاب على إرادة الشعوب العربية التي رفضت حكم الجماعة هو سبيل حماية مستقبل حضورها في المشهد العربي، فكيف الحال عندما يخرج الغضب من قلب مركز الأحداث في تركيا، خاصة وأن هناك نارًا تحت الرماد؟

بحسب الفلسفة الهيغلية فالعامل السلبي ضروري ليحصل التقدم والانفراج يومًا - قد يتأخر لكنه آت- هكذا تنظر الشعوب للأحداث وإن لم تطلع على فلسفة هيغل، بينما لا يلقي العائشون في وهم الزعامة بالًا لاختيارات الشعوب.

القاسم المشترك الأكبر بين قادة طهران وأنقرة أنهم لم يحرصوا على قياس نبض الشارعين التركي والإيراني، ولم يتساءلوا هل بالفعل الأتراك والإيرانيون راضون عن تلك السياسة الخارجية الجامحة المكلفة؟

كما ضربوا بعرض الحائط مصائر الشعوب العربية التي كانت تطمح فقط في إصلاحات اقتصادية وسياسية محلية مشروعة، لا في هذا الانقلاب الحاد في الهويات ومنهجية ومرجعيات الحكم على الطريقتين الإردوغانية والخومينية.

الشعب رقم صعب يذهب إلى انتخابات حرة ويرجع منتصرًا، فإذا لم تتوفر الأجواء وساد القمع والكبت، وإن امتد لسنوات أو عقود سيعود منتصرًا أيضًا من الشارع، وليس هناك استثناء فالشعوب تتوق للكرامة والحرية وتغار من بعضها البعض.

لماذا اقتنع باراك أوباما بنظرية قطع الدومينو التي عرضت عليه في العام 2010 كطريقة سقوط للأنظمة العربية بعضها تلو الأخرى؟ لأن ظروف هذه الدول متشابهة ودوافع الغضب واحدة، والهموم مشتركة وسوف يُدفع الجيران لتكرار التجربة بوازع الغيرة.

تلك لعنة الربيع العربي ترتد على القوى الإقليمية التي استغلته لتحرفه في غير صالح الشعوب العربية وطموحاتها المشروعة المحدودة.

وربما يكون إرهاصًا لربيع إقليمي لأن القادة حرفوا الوجهة في غير صالح الأتراك والإيرانيين، فمن قال أن هذين الشعبين يرغبان في كل هذه العداوة والكراهية في الداخل العربي؟

بعد الفشل صوب أوروبا وإخفاق القوة الناعمة وسقوط الإسلام السياسي في تجربة الحكم، نظر إردوغان مليًا في أدوات نفوذ إيران بالمنطقة وكيف تحقق هذا التمدد.

اتجه الرجل إلى خلق إمبراطورية ملالي سنية تستند على نفس الأدبيات وتتوسل نفس الأدواتن من قوة خشنة وتدخل بميليشيات سنية مسلحة.

أردوغان
طبول الربيع التركي تقرع

فرض إردوغان على الإخوان شروط الدعم فانصاعوا، وشكلوا هم أيضًا ميليشياتهم المسلحة في سوريا والعراق ومصر وليبيا.

اللافت أن اقتراب تركيا من النموذج الإيراني بتفاهمات العام 2014 جاء متزامنًا مع بداية إعلان جماعة الإخوان بشكل سافر عن نشاطها المسلح الذي يدار من قبل قيادة مركزية مقيمة في تركيا تحت عنوان التأسيس الثالث للجماعة.

تلخصت الخطة التركية في استنساخ أدوات التفوق الإيراني وسحبها على الحالة السنية بزعامة تركية، وخلق إردوغان بكائية سنية بعلامة رابعة الإخوانية، وصارت للسنة مظلوميتهم وحقهم الضائع في الحكم، الذي يفتدونه بأرواحهم.

غطت هذه العقيدة الساحة الإسلامية السنية والواقع العربي، ليصبح غالبية القادة العرب غير شرعيين لدى التيار الديني السني لمجرد الخلاف معهم حول الآراء السياسية وبعض المظالم طالما أن زعيم السنة الجديد أوهمهم أنه آت لتحريرهم والقصاص لشهدائهم.

ظن إردوغان أن سبب عدم سيطرته على كيانات وفصائل الإسلام السياسي السني وميليشياته المسلحة، كما تسيطر إيران على ميليشياتها، هو عدم وجود النموذج الديني المركزي الذي يمثل مرجعية لهذه الحالة في الفضاء السني.

بعد معاناته من عدم سيطرته بشكل كامل على الميليشات السنية لدرجة تجرؤ قادة داعش في مرحلة من المراحل على الضرب في العمق التركي، أقدم إردوغان على تشكيل النموذج المركزي كمرجعية جامعة على غرار ما تمثله طهران وقم للفضاء الشيعي.

وساق المشهد في عكس المسار، فلا الربيع العربي كان إسلاميًا ولا صحوة أيديولوجية، ولا تركيا كانت يومًا فاتيكان الإخوان.

بدلًا من الدفع نحو المزيد من الديمقراطية والعلمانية والعصرنة، دفعت الرغبة في أخونة المشهد العربي لأخونة وتديين المشهد العلماني التركي نصًا ودستورًا وممارسة.

كان الواقع العربي سيئًا وطمحت الشعوب في تغييره لكن بسلمية وتدرج تحت السقف الوطني، أما ما جرى فقد جيء للعرب بالأسوأ وهي جماعات الفاشية الإسلامية فتحول الواقع السيء إلى ما هو أسوأ بكثير.

طموح الأتراك والإيرانيين في الرفاهية والتقدم لا يتسق مع انخراط طهران وأنقرة في صراعات الإقليم، لتصبح المعادلة واحدة مع اختلافات في بعض التفاصيل، فالفساد والمظالم والإحباط مظاهر نتجت من الخروج عن السقف الوطني وعدم الاقتناع بالاكتفاء بالإصلاحات داخل البيت التركي والإيراني.

المفارقة أن سبب العطب العربي هو تدخل تركيا وطهران ومعهما قطر في الشؤون الداخلية العربية، وهو ذاته سبب الخلل داخل إيران وتركيا، فالأزمات مردها الرئيسي إلى تدخلهما في ملفات خارجية ذات كلفة باهظة على مختلف المستويات.

الحديث الذي يردده دائمًا حسن نصرالله زعيم حزب الله اللبناني وغيره من قادة الميليشات الأخرى والمسؤولون الإيرانيون بشأن الإمبراطورية الإيرانية، وجه آخر لطبعة سنية طالما ردد أدبياتها رجب أردوغان عن العالم ذو السبع مليارات نسمة الذي وصل إليه أجداده على ظهر الخيول.

الواقع مختلف تمامًا والعصر غير العصر، وعدم إدراك حقائق الأمور وطبيعة الواقع الحالي أدى لعكس ما كان عليه مشهد الأجداد القدامى؛ فالسفن التي كانت تنقل الغزاة والفاتحين تعود اليوم إلى قلب تركيا محملة باللاجئين والمشردين والإرهابيين.

كانت تركيا في غنى عن هذا كله حتى لا تمرض بأمراض الواقع العربي الذي ظن البعض أن تركيا سوف تسهم في شفائه منها.

كانت في غنى عن الاعتماد على الإسلام السياسي ومغامراته الفاشلة، والجهاديين وصيتهم السيء الملوث للسمعة.

انتفاضة جيزي بداية صيف عام 2013 كانت موجة كشفت إلى أي مدى لا يأبه أردوغان بصوت المجموع الرافض للديكتاتوريات أيًا كانت هويتها ومرجعيتها، والآن تراكمت الملفات الخارجية والداخلية التي تدفع بتركيا لمزيد من الأزمات الخطيرة على الصعيدين الدولي والإقليمي.

المظاهرات في مدن ومحافظات إيران يُسمع صدى هتافاتها وشعاراتها في تركيا؛ فربيعهما من عائلة واحدة، يستهدف نزعات الاستعلاء العرقي والمذهبي والأيديولوجي وهوس تمجيد الذات وتقديس الحكومات والأحزاب والتيارات والقادة.

ليس فقط لشراهة الحاكم الفردي وسياسة التنكيل بالمعارضين السياسيين، إنما بسبب العزلة الدولية والعربية، نتيجة المغامرات التوسعية الخارجية.

قادة تركيا وإيران سعوا لتكريس الحكم الشمولي الديني، القادر على إدارة نسختين للإسلام السياسي، السني والشيعي، على أكثر من محور بغرض الهيمنة على الشرق الأوسط، ليظهر نموذجهما جارًا قطارًا إلى كهوف الماضي يتقاتل في عرباته جماعات تفكر بعقلية القرون الوسطى.

بينما الشعوب التواقة للحرية والديمقراطية والانفتاح والتعددية والرفاهية والمساواة، تتقدم للأمام عكس مسار آيات الله وحاملي رايات دولة الخلافة.