بعد عفرين.. تسليط الضوء على مشروع تركيا في سوريا

في الحادي والعشرين من يناير الماضي، شاهد المارة الألمان مشهدا عاديا لدى توجههم للتسوق يوم الأحد. ففي اليوم السابق، كانت القوات التركية قد بدأت عملية عبر الحدود ضد قوات الأكراد السوريين، الذين تقول أنقرة إنهم يرتبطون بمتمردي حزب العمال الكردستاني الذين ينشطون في تركيا. وتدفق الآلاف من الألمان ذوي الأصل الكردية إلى مراكز المدن الألمانية الكبرى، للمشاركة في احتجاجات أثارت تضامن كبار الساسة الألمان من جميع الأطياف الإيديولوجية.
وحتى على الرغم من توزيع النشطاء أعلاما تحمل رموز وصور ذات صلة بعبد الله أوجلان؛ زعيم حزب العمال الكردستاني المحظور في ألمانيا منذ عام 1993، فقد كانت الشرطة المحلية مترددة في التدخل لأن مصادرة مثل هذه الأعلام قد تؤدي إلى اندلاع أعمال عنف في الشوارع.
وخلال الأسابيع التي أعقبت هذه الاحتجاجات، ضغطت شكاوى تقدمت بها الحكومة التركية الغاضبة على وزارة الداخلية الألمانية لفرض حظر على استخدام رموز حزب العمال الكردستاني. وفي الوقت الذي شجعت فيه مساجد ذات تمويل تركي أجزاء من المغتربين الأتراك في ألمانيا على التعبير عن دعمهم للهجوم التركي في سوريا، ظل الكثير من الأتراك اليساريين يرفضون الانضمام إلى الحكومة التركية أو حزب العمال الكردستاني، حيث لا يثقون بأي منهما.
ومع تحديد موعد إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية في تركيا في 24 يونيو المقبل، يبدو أن مثل هذه الاحتجاجات التي تقوم بها منظمات كردية، بالإضافة إلى الانقسامات السياسية داخل المجتمعات التركية، ستؤثران على سلوك الناخبين المغتربين، فيما قد تكون لحظة فارقة بالنسبة للمجتمع التركي.
ومنذ بدء الحرب الأهلية في سوريا في عام 2011، كان للنهج الذي تنتهجه تركيا تجاه الصراع تأثيرا كبيرا على الحياة السياسية للمغتربين الأتراك والأكراد في أوروبا. ففي العام الأول من الحرب، عزز الدعم الذي قدمته الحكومة التركية لحركات التمرد التضامن مع المعارضة السورية بين المغتربين الأتراك القريبين من حزب العدالة والتنمية الحاكم في تركيا.
وعلى النقيض من هذا، فقد غذى دعم الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للمعارضة السورية التشكك الكامن تجاه المعارضة السورية ككل لدى من يكنون له العداء. وقد أذكى ظهور حكم ذاتي كردي في سوريا الرغبة في القومية الكردية بين المغتربين الصغار من المجتمعات الكردية في ألمانيا والذين اندمجوا بصورة متزايدة في المجتمع الألماني.

احتجاجات كردية

ومع ظهور تنظيم الدولة الإسلامية وحصاره لمدينة كوباني الكردية؛ الواقعة شمال سوريا، منذ شهر سبتمبر من عام 2014، احتلت الحرب في سوريا مركز الصدارة في الحياة السياسية للأكراد والأتراك المغتربين. وكان الدفاع الملحمي عن كوباني والذي استمر أربعة أشهر، والذي قامت به القوات الكردية السورية بدعم من مقاتلي قوات البشمركة الكردية العراقية، لحظة ملهمة للمقاومة القومية التي جددت انخراط المغتربين في القضية القومية الكردية.
وخلال المعركة كان هناك تكثيف ملموس للنشاط المجتمعي تضامناً مع المقاتلين الأكراد، الذين تدعمهم الولايات المتحدة، والذين يحاولون القضاء على تقدم تنظيم الدولة الإسلامية. وخلال السنوات القليلة الماضية، التزم عدد متزايد من أعضاء الجيلين الثاني والثالث بين الجاليات الكردية في دول الاتحاد الأوروبي التزاما قويا، تجاه سيطرة أطراف وميليشيات يرتبطون بحزب العمال الكردستاني، سيطرة مستمرة على أجزاء كبيرة من شمال سوريا، وكان أفراد الجيلين الثاني والثالث ينجرفون بعيدا عن سياسات المغتربين قبل عام 2014.
وعلى النقيض من هذا، فقد أدى تدخل تركيا في سوريا، إلى جانب السياسات الأخرى التي ينتهجها حزب العدالة والتنمية، إلى تفاقم الانقسامات بين المغتربين الأتراك في أوروبا. ففي الوقت الذي ألقى فيه المغتربون الأتراك الذين كانوا يواصلون دعم الأجندة السياسية لأردوغان دعمهم وراء حركات المعارضة السورية، أعرب عدد كبير من الأشخاص ذوي الخلفية التركية في دول الاتحاد الأوروبي والذين يعادون الحكومة التركية عن عدائهم تجاه الجماعات المناهضة للرئيس السوري بشار الأسد، والتي يدعمها حزب العدالة والتنمية.
ومع توسع سلطة الميليشيات المرتبطة بحزب العمال الكردستاني في سوريا، ظهر المزيد من الانقسامات بين المغتربين الأتراك، ففي الوقت الذي أعربت فيه بعض الشبكات اليسارية عن بعض التفهم للتطلعات الكردية، أعربت جماعات أخرى معادية لحزب العدالة والتنمية عن دعمها للتدخل العسكري ضد جماعات يخشون من تهديدهم لوحدة الأراضي التركية.
وقد تؤثر الطبيعة الراسخة المتزايدة لوجود تركيا في شمال سوريا أيضا على تطوير جاليات المغتربين السوريين. وهناك عدد كبير من اللاجئين من مجتمعات المتمردين، والكثير منهم ظل لفترة في مخيمات اللاجئين في تركيا ولديهم عائلات فرت إلى أو تأتي من مناطق في إدلب، وعفرين، وشمال حلب، وتخضع هذه المناطق حاليا لسيطرة الجيش التركي.
وإذا عززت تركيا مجال نفوذها في شمال سوريا، فربما يصبح شمال سوريا هو المكان الوحيد في البلاد الذي يمكن للمقيمين السوريين في أوروبا زيارته بدون أن ينتابهم الخوف من إلقاء الحكومة السورية القبض عليهم. ومع تنسيق الدولة التركية بالفعل للخدمات الاجتماعية والتعليم وأعمال الشرطة، فإن هذه المناطق إلى جانب مخيمات اللاجئين في تركيا، قد تصبح أماكن تطلق فيها حكومة حزب العدالة والتنمية العنان للترويج لجدول أعمالها الإيديولوجي.
ومع عدم وجود أي دلائل على مغادرة الجيش التركي لشمال سوريا في أي وقت قريب، فإن هذا يفتح القنوات الاجتماعية، التي يمكن لأنقرة من خلالها التأثير على التنمية السياسية طويلة المدى للمغتربين السوريين الموجودين في دول أوروبا أيضا.
ومع وجود انتصار محتمل لحزب العدالة والتنمية في الانتخابات، فيبدو من غير المحتمل أن تتغير الديناميات التي تؤدي إلى الحكم التركي على إدلب وعفرين وشمال حلب. وحتى إذا حققت أحزاب المعارضة المستحيل وأطاحت بأردوغان، فإن الحاجة إلى السيطرة على منطقة حماية يمكن إعادة توطين اللاجئين السوريين فيها، وإمكانية إحباط الطموحات الكردية ستبقيان على الجيش التركي في سوريا في المستقبل المنظور.
ويشير رد المغتربين الأكراد والأتراك والسوريين على حملة عفرين إلى أن الشعور بتأثير المشروع السوري لحكومة حزب العدالة والتنمية سيتجاوز حدود تركيا.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: