أحمد كولوسوي
مارس 26 2018

بعد عقود.. لا يزال البحث جاريا عن ضحايا الاختفاء القسري في تركيا!

عادة ما تعجز الكلمات عن تخفيف حالة الحزن التي تصيب أي عائلة لدى فقد عزيز لديها نتيجة الوفاة، لكن في حالة ما إذا فقدت عائلة أحد أبنائها دون معرفة ما إذا كان حيا أم ميتا لسنوات طوال، ما هي العبارات التي يمكن استخدامها لمواساتها وتخفيف ألمها؟
إذا أردت معرفة ذلك، فعليك زيارة ساحة غلطة سراي في وسط إسطنبول في منتصف نهار أي يوم سبت من الأسبوع، حيث يمكنك رؤية صدى الكلمات على وجوه النساء اللواتي يجتمعن هناك كل أسبوع حاملات صورا لأبنائهن الذين لا يعرفن لهم مصيرا منذ عقود.
فقد دأبت مجموعة النساء اللواتي يعرفن الآن في تركيا باسم "أمهات السبت" على التجمع في هذا المكان في هذا الوقت من كل أسبوع للضغط على السلطات للكشف عن مصير أبنائهن وبناتهن الذين تم انتزاعهم بالمئات - إن لم يكن بالآلاف – من أحضان عائلاتهم واختفوا دون رجعة في أعقاب الانقلاب الدموي الذي حدث في تركيا عام 1980.
ونظمت "أمهات السبت" أولى وقفاتهن الاحتجاجية عام 1995 وسط حقبة مظلمة أخرى من تاريخ تركيا الحديث. فقد استمر تمرد الانفصاليين في حزب العمال الكردستاني دون هوادة منذ عام 1984، وردت الدولة بفرض حالة الطوارئ في الأقاليم الجنوبية الشرقية ذات الأغلبية الكردية في تركيا. ومرة أخرى، اختفى الكثير من الأشخاص دون أي أثر، ومرة أخرى، وجدت عائلات تركية نفسها في دوامة البحث اللانهائي عن مصير أبنائها.

عائلات المفقودين مع صورهم
عائلات المفقودين مع صورهم

وقال أوميت أوزداج، نائب زعيم الحزب الصالح المعارض الذي ينتمي ليمين الوسط، في بيان بمناسبة مرور 23 عاما على أول احتجاج لأمهات السبت "ينبغي أن يكون كل مواطن فقد ابنا قادراً على الذهاب إلى قبره والدعاء له...وإذا كانت الدولة تتحمل أي مسؤولية في هذه الحالات من الاختفاء القسري، فيجب عليها أن تساعد (في كشف ملابساتها)."
وتحدث موقع "أحوال تركية" إلى عائلتين من حركة أمهات السبت كان أبناؤهما من بين المئات من الأشخاص الذين اختفوا تماما بعد أن ألقت الشرطة القبض عليهم بعد انقلاب سبتمبر 1980.
وكان جميل كيرباير ممن اعتقلوا مبكرا في حملة أمنية أسفرت عن إلقاء القبض على مئات الآلاف من الأشخاص. ولدى وصول قوات الأمن إلى منزله غداة الانقلاب، قال له شقيقه ميخائيل "لا تفعل أي شيء ستندم عليه لاحقا.. أنا أثق في عدالة النظام القضائي في تركيا."
وبعد مرور شهر، اختفى جميل تماما.
يتذكر ميخائيل عندما ذهب لمركز الشرطة لجلب ملابس نظيفة وبعض المال لجميل في 7 أكتوبر. وقتها أخبره ضباط المركز أن الزيارات الشخصية تم منعها وسلموه رسالة من جميل تقول "أنا بخير...لا تقلق."
بعدها بيومين، أعلن مركز الشرطة في مدينة قارس أن جميل قد هرب. وعلى الرغم من أن الرجال الثلاثة الذين تم اعتقالهم معه كانوا برفقته داخل القسم، إلا أنه لم يتمكن أحد من الهرب سواه، ومنذ ذلك الحين، لم يره أو يسمع عنه أحد شيئاً.
وفي وقت لاحق، أدلى المعتقلون الآخرون بشهادتهم عما يتذكرونه من آخر مرة رأوا فيها جميل، إذ قالوا إنهم شاهدوه وهو يتم اقتياده للاستجواب في 8 أكتوبر عاريا معصوب العينين ومغطى بالماء. وذكروا أنهم سمعوه يتشاجر مع المحققين، حتى جاء صوت ارتطام من الغرفة تلاه صمت مطبق.
ويدرك ميخائيل وأسرته منذ البداية أن جميل لم يهرب، وأمضوا العديد من السنوات في البحث عن أي أثر لحقيقة ما حدث، لكن يبدو أنهم ضربوا وترا حساسا خلال سعيهم العثور على ابنهم المفقود، حيث تم استدعاء ميخائيل إلى مكتب حاكم المقاطعة في بلدته في غول وإخباره أنه لم يعد بإمكانه العيش هناك.
يقول ميخائيل: "لقد خططوا لهذا مسبقا. لقد أرادوا التغطية على مقتل جميل...لقد علموا أنني سأعرف من قتله."
ورغم ذلك، لم تتخل الأسرة عن البحث عن جميل، ولا يزال مشهد أمه المسنة بيرفو وهي تجلس في الساحة، حتى بعد تجاوزها سن التسعين، يشكل رمزا قويا لإصرار أمهات السبت على كشف الحقيقة. وفي عام 2011، زارها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، الذي كان يشغل منصب رئيس الوزراء آنذاك، ووعدها بالعثور على رفات جميل. وكتبت وقتها صحيفة "يني شفق" الموالية للحكومة في عنوان لها: "أردوغان هو آخر أمل لبيرفو".
لكن بيرفو توفت بعدها بعامين عن عمر ناهز 105 أعوام دون أن ترى هذا الأمل يتحقق أمام عينيها. ودفنتها عائلتها في غول لكنها أصرت في وصيتها أن يكون القبر المجاور لقبرها فارغا حتى يتم العثور على رفات جميل ودفنه بجانبها.

صورة لبيرفو كيرباير
صورة لبيرفو كيرباير

وشأنه شأن بيرفو، توفي والد إرين هايرتين دون أن يجتمع شمله ببقايا ابنه المفقود. وبعد أن أمضى معظم أيامه الأخيرة تحت التخدير في العناية المركزة، استفاق للحظة بسيطة لينطق بكلماته الأخيرة لأفراد أسرته: "اعثروا على عظامه. لا تستسلموا أبدا."
وتقول عائلة هايرتين إن إرين كان في جوهره شخصا محبا للإنسانية وتأثر كثيرا بالروح الثورية التي اجتاحت أوروبا بعد عام 1968، وهو ما جعله يكوّن صداقات كثيرة في أوساط الحركة السياسية اليسارية التي استهدفها المجلس العسكري بعد انقلاب عام 1980. وتتذكر أسرته كيف كان إرين شخصا محبوبا وبارا بأهله، إضافة إلى أنه كان يتمتع بموهبة إبداعية واضحة ومعرفة قوية باللغات الأجنبية التي درسها في الجامعة.
وقالت شقيقته إقبال لـ"أحوال تركية": "اعتاد إرين على التحدث إلى السياح في وسط إسطنبول لتحسين لغته الإنكليزية.. كما أنه رسم لوحات زيتية جميلة. ما زالت والدتي تحتفظ ببعض منها على الجدران في المنزل. كان يحب الموسيقى ويعرف كيف يرقص ويعزف على الغيتار، كان يحب الذهاب إلى السينما أيضا.. ما زلت أتذكر كيف كان يحب حلوى "عاشوراء" وكنا نعد بعضا منها قبل أن يتم القبض عليه. أتذكر أنني تركت بعضها في الثلاجة لأيام في انتظاره. لم نصنع العاشوراء بعدها لمدة عشر سنوات على الأقل".

إرين هايرتين اختفى بعد انقلاب تركيا عام 1980
إرين هايرتين اختفى بعد انقلاب تركيا عام 1980

وتتشابه قصة إرين في تفاصيلها مع حكاية جميل حيث اعتقل هو الآخر بعد وقت قصير من الانقلاب أثناء ذهابه للقاء صديق له تزوج حديثا وكان يساعده في العثور على منزل جديد. ولسوء الحظ، تم إلقاء القبض على هذا الصديق وعثرت الشرطة على ورقة تحمل مكان وزمان الموعد المزمع مع إرين، لتظهر قوات الأمن في الموعد وتلقي القبض على إرين هو الاخر.
وهبط النبأ كالصاعقة على والدته ألماس التي انطلقت في رحلة لم تنته حتى اليوم للعثور على ابنها. وبدأت المعاناة عندما اضطرت ألماس إلى التنقل ذهابا وإيابا بين مركزين للشرطة في إسطنبول، حيث كان اسم إرين مدرجا في سجلات المركز الأول، بينما السيارة الخاصة به كانت متوقفة خارج المركز الآخر. وفي كلا المركزين، نفى الضباط أنه محتجز لديهم. وفي النهاية اختفى اسمه من السجلات، وكذلك اختفت السيارة عن وجه الأرض.
وأجابت كل جهة رسمية سألتها الأسرة عن مصير إرين بأنه لم يتم احتجازه أبدا، فيما أفاد شهود في وقت لاحق أنهم رأوه في أحد مراكز الشرطة حيث تعرض للتعذيب على مدى أيام، ولا تزال الأسرة منذ ذلك الحين غير قادرة على تصديق أن إرين لن يعود.
تقول إقبال "لم نعتبره أبدا في عداد المفقودين. كنا نعتقد دائما أنه في مكان ما.. لقد وجهنا التماسا إلى مجلس الأمن القومي وردوا علينا بأنهم يبحثون عنه. لم نتوقع أبدا أن الأمور ستنتهي هكذا. لو كان الأمر بأيدينا، لقدمنا حياتنا فداء له. ليس هناك مركز للشرطة أو سجن في اسطنبول لم نقم بالاستفسار فيه".
وفي عام 1982، عندما تم اعتقال ابنهما الآخر فاروق، التقت العائلة وجها لوجه مع رئيس الشرطة محمد أغار، الذي أصبح لاحقا وزيرا للداخلية في التسعينيات من القرن الماضي.
وقال أغار لألماس، عندما ذهبت للإدلاء بشهادتها في مركز الشرطة عقب إطلاق سراح فاروق: "أنت تعرفين أين يختبئ إرين! أنت من يفترض عليك إخبارنا."
بعدها بعقود، حكم على أغار بالسجن نتيجة التحقيق في فضيحة سوسورلوك عام 1996 التي كشفت عن تورط مسؤولين في الدولة مع جماعات المافيا في جرائم قتل خارج نطاق القضاء.
ومع مرور السنوات، ومن دون أن تثمر جهودها بأي معلومة تمكنها من معرفة مصير ابنها، تملّك ألماس، التي أصبحت الآن في الخامسة والثمانين من العمر، الإنهاك وآثار التقدم في السن، ولم تعد الأم المكلومة قادرة على السعي لتحقيق العدالة كما فعلت على مدى عقود بعد اختفاء ابنها. لكن بالنسبة لعائلتها ولجميع أمهات السبت الأخريات، فإن البحث سيظل مستمرا دون توقف إلى أن يتم العثور على رفات المفقودين وكشف الحقيقة.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: