بعد 20 عاماً على اعتقال أوجلان.. آن الأوان للسلام الكردي التركي

قبل عشرين عاماً، أعلنت تركيا إلقاء القبض على الزعيم الكردي المعارض عبد الله أوجلان في كينيا وإعادته لتركيا. وظل حزب العمال الكردستاني، الذي كان يقوده أوجلان، يحارب الحكومة التركية على مدى 15 عاماً سعياً لتحقيق التحرر الوطني للأقلية الكردية في تركيا.
وعندما تأسس حزب العمال الكردستاني، كان من الأمور غير القانونية أن يُطلق شخص ما على أي من أبنائه اسما كرديا، أو أن يحتفل بالأعياد الكردية، أو أن يتحدث باللغة الكردية على الملأ. وبينما حصل أكراد العراق على دعم دولي في معركتهم ضد ديكتاتورية صدام حسين المتوحشة، جعل موقع تركيا الاستراتيجي وعضويتها في حلف شمال الأطلسي نضالهم في مواجة الظروف ذاتها على الجانب الآخر من الحدود التي رسمتها اتفاقية سايكس بيكو أمراً مُجَرّماً.
نفت الولايات المتحدة في بداية الأمر أي مشاركة من جانبها في إلقاء القبض على أوجلان؛ لكن التقارير التي خرجت بعد ذلك أثبتت العكس. فقد نقلت صحيفة نيويورك تايمز عن مسؤول في إدارة الرئيس الأميركي السابق بيل كلينتون قوله إن الولايات المتحدة عملت على "معرفة مكانه، وأين كان يذهب، وكيف يمكننا تقديمه للعدالة".
حوكم أوجلان بتهمة الخيانة وصدر بحقه حكمٌ بالإعدام، جرى تخفيفه بعد ذلك إلى المؤبد عندما ألغت تركيا عقوبة الإعدام في إطار جهودها الرامية إلى الانضمام لعضوية الاتحاد الأوروبي. ومنذ عشرين عاماً، وأوجلان يقبع في سجن جزيرة إيمرالي، حيث يحاط بمئات الحراس المسلحين ويُحرَم حتى من الحقوق الأساسية التي يمنحها القانون التركي للسجناء.
وخلال معظم تلك الفترة، لم يكن لدى الولايات المتحدة الكثير من الأسباب التي تجعلها تشعر بالقلق إزاء الحركة الكردية في تركيا. فقد ظلت السياسة الأميركية تجاه الأكراد تنصب على انشغالها بالجماعات الموجودة في العراق، والتي لم تكن تهتم كثيراً لمعاناة الأشقاء والشقيقات في تركيا. ظلت الأمور على هذا الحال حتى قادت الحرب على تنظيم الدولة الإسلامية الولايات المتحدة إلى الدخول في تحالف مع وحدات حماية الشعب الكردي السورية، والتي تستلهم إيديولوجيتها من المؤلفات التي كتبها أوجلان على الرغم من كونها كياناً مختلفاً على الصعيدين السياسي والعسكري.
أدى هذا التحالف إلى تحرير ثلاثين بالمئة من الأراضي السورية، بما في ذلك العاصمة السابقة لتنظيم الدولة الإسلامية في الرقة. وإلى الآن تمكنت قوات سوريا الديمقراطية، التي تقودها وحدات حماية الشعب الكردي، من محاصرة الجماعة الإرهابية في مساحة أصغر حجماً من قطعة الأرض الصغيرة الواقعة في مدينة كوباني شمالي سوريا، والتي كانت بحوزة وحدات حماية الشعب في عام 2014 عندما كانت الاحتمالات أمامها تبدو الأسوأ. وكان التنظيم يسيطر في يوم من الأيام على أراضٍ بمساحة تعادل مساحة بريطانيا تقريباً.
وقد تأتي أنباء الهزيمة الأخيرة لتنظيم الدولة الإسلامية على الأرض في أي وقت من الأوقات؛ غير أن الدعم الذي تقدمه تركيا للإسلاميين السوريين وعداءَها تجاه قوات سوريا الديمقراطية يُنذران بفتح فصلٍ جديدٍ ودامٍ ومثير لعدم الاستقرار من عمر الصراع السوري.
وهبّ صنّاع السياسيات لإيجاد حل يضمن تحقيق الاستقرار والأمن الدائمين بعد إعلان الرئيس الأميركي دونالد ترامب المدوي عن سحب قوات بلاده من شمال شرقي سوريا، وما تبع ذلك من تهديدات وجّهها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان للمنطقة.
وينبغي أن يعالج مثل هذا الحل مصدر قلق ظل متجاهَلاً لسنوات، وهو العلاقة التي تربط بين عدوان أردوغان في سوريا والصراع داخل الحدود السورية. وسيكون للدعوة إلى السلام في تركيا أثر إيجابي على آفاق السلام والاستقرار الدائمين في المنطقة، حتى بعد عودة القوات الأميركية إلى وطنها.
وهذا المطلب مستحق وشرعي، ويصب بقوة في مصلحة الولايات المتحدة. فحزب العمال الكردستاني الموجود اليوم ليس هو المنظمة ذاتها التي كانت قائمة في عام 1999؛ فلم يعد الحزب يسعى إلى تأسيس دولة قومية كردية. ويدعو الحزب اليوم بدلاً من ذلك إلى تأسيس حكم ذاتي كردي في تركيا، ويقر بحاجة جميع الناس إلى العيش مع بعضهم البعض بحرية، وهو مفهوم يعرف "بالدولة الديمقراطية".
كما أثبت حزب العمال الكردستاني رغبته في الجلوس ومناقشة حل سلمي للصراع الممتد منذ نحو أربعين عاماً. والأفكار التي كتب عنها أوجلان من زنزانته - مثل تحرير المرأة، والديمقراطية المباشرة، والاهتمام بالبيئة - حققت الاستقرار والديمقراطية بشمال شرقي سوريا وسط صخب سنوات الحرب الثماني القاسية.
وتركيا أيضاً باتت مكاناً مختلفاً بشكل واضح. فالسنوات الأخيرة من حكم أردوغان جعلت البلاد تنزلق في مستنقع حكم الفرد المطلق. ويصطف الناس في طوابير للحصول على السلع الغذائية المدعومة من الدولة بسبب سوء الإدارة الاقتصادية، وهي قضية تناولها أردوغان بأن سأل المواطنين الجياع إذا كانوا يفهمون تكلفة حروبه.
وهناك تسعة من نواب البرلمان المنتخبين المنتمين لحزب الشعوب الديمقراطي الموالي للأكراد في السجن الآن. ويواجه هؤلاء اتهامات بالإرهاب بسبب خُطَب وتصريحات روتينية. وأُلقي بآلاف الصحفيين والأكاديميين والنشطاء والمعارضين في السجون واضطروا إلى الهروب من البلاد. وخلّفت العمليات العسكرية في جنوب شرقي تركيا عشرات الآلاف من النازحين في الداخل، بعد الدمار الذي لحق بعدة مدن كردية.
في هذا المناخ، من السهل أن ننسى أنه قبل ست سنوات فقط، أخذ أردوغان الخطوة الجريئة التي جعلته أول رئيس تركي يدخل في مباحثات مع حزب العمال الكردستاني. وأيد تلك العملية 81 بالمئة من الشعب في تركيا، أتراكاً وأكراداً على حد سواء. وقبل انهيار تلك العملية، كانت المناقشات ذات الصلة بإرساء الديمقراطية والتنمية الاقتصادية وإمكانية خلق مستقبل جديد في أوجها على الجانبين. بل إن تركيا تعاونت مع أعدائها أكراد سوريا، حيث انخرطت في الدبلوماسية، وحتى عمليات عسكرية - وهذه حالة مفضلة في العلاقات بكل تأكيد وسط التهديدات والمناوشات التي تحدث اليوم.
نعرف أن الضغط الأميركي ينجح في اختبار نزعات أردوغان الأكثر خطورة، وقد ينجح أيضاً في تشجيعه على العودة إلى مائدة التفاوض. ويمكن للولايات المتحدة أن تلعب بسهولة الدور الذي ظلت تلعبه في المفاوضات، بداية من يوغسلافيا ووصولاً إلى أيرلندا الشمالية، ومحاسبة الجميع على أفعالهم ووعودهم وأهدافهم. وهناك دروب كثيرة يمكن أن ننطلق منها، لكنها بالتأكيد ستكون أسوأ من أن تدعو الولايات المتحدة بوضوح إلى إطلاق سراح كافة المسجونين السياسيين - بما في ذلك أوجلان - ووقف إطلاق النار في تركيا، ووقف التحركات التركية في سوريا.
بعد مرور عشرين عاماً على مساهمة الولايات المتحدة في تصعيد الحرب التركية على الأكراد، باتت أمامها اليوم فرصة غير مسبوقة للمساعدة في إنهاء تلك الحرب، والوقوف في الجانب الصحيح من سجلات التاريخ.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkey-kurds/time-peace-turkeys-kurdish-conflict-20-years-after-ocalans-capture-0
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.