مايا أراكون
ديسمبر 21 2017

بكل "سخرية" أردوغان يقول: ترامب! من أنت؟

كما نعلم أن رونالد ترامب رئيس أمريكا اعترف بالقدس عاصمة لإسرائيل وتسبب قراره بشأن نقل السفارة الأمريكية إلى القدس في ردود أفعال في العالم بأكمله، ومما لا شك فيه أن هذا القرار الذي اتخذه ترامب كما يحلو له يتعارض تماماً مع المعاهدات الدولية والظروف الإقليمية الراهنة، كما أنه سوف يلحق ضرراً كبيراً بالسلام الإقليمي والاتزان العالمي علي حدٍ سواء، وبالفعل فقد أفصح عن كل ذلك في اسبوع واحد.

إلا أن النقطة التي جذبت انتباهي هي أن تركيا التي فرحت بشدة بنجاح ترامب في انتخابات الرئاسة عام 2016 قد اتخذت موقفًا معاديًا لأمريكا، وبالأخص بعد قضية رضا ضراب، وقد أعربت عن ذلك بأسلوب ترك المجاملة الدبلوماسية التي اعتدنا عليها في الخمسة عشر سنة الأخيرة وما إلى ذلك.

ففي العلاقات الدولية مفهوم يسمي المجاملة الدبلوماسية، فمهما تكن غير معجب بقائد الدولة الذي أمامك، حتى ولو كنت تعبر عن ذلك بتصرفاتك، فيجب على الأقل أن تهتم بالوقوف على مستوى لغة معين؛ حيث من الممكن أن تكون غدًا مضطرًا للتعاون مع الدولة التي تعتبرها عدوًا لك اليوم، فلا يوجد في العلاقات الدولية مفهوم يسمي "صداقة" بينما توجد "علاقات مصالح"، لذلك فلا تقرؤوا الجمل المتناقلة على ألسنة الساسة الأتراك مثل "الدولة الصديقة الشقيقة" بل اقرؤوها "الدولة التي صادقناها اليوم لأنها توافق مصالحنا، ولكن إذا حدث غدا شيء معاكس فلدينا القدرة على أن نعمل ضدها".

لا شك أن ما فعله ترامب لا يمكن قبوله، وقد حدثت ضجة كبيرة في أمريكا في مواجهة هذا الخطأ، حتى إنه صدرت أخبار تهكمية في بعض المواقع بأن "البيت الأبيض أعلن بأن الرئيس أساء التعبير عن نفسه في الواقع".

وقد اعترضت تركيا ورئيسها اردوغان على هذا القرار، وهي محقة، وأكدت أنه لا يمكن قبول ذلك، وفي الحقيقة فإنه لا توجد جهة يمكنها قبول دعم السياسات الاسرائيلية التي دمرت مساحات وأراضي الشعب الفلسطيني بإرغامهم يومًا بعد يوم منذ عام 1948 من قِبل رجل أعمال لا يفهم ولو بمقدار ذرة في السياسة الخارجية.

فلتنظروا إليه من حيث أردتم، إلا أن هذا الرجل على رأس القوة العظمى في العالم وأن قراراته –مهما كانت مرفوضة– تُسئ إلى السياسة الخارجية، ولذلك فإن التحدث مع إنسان كهذا وسياسي بهذا المستوى وبأسلوب ركن الدين أفندي في المقهى يمكن أن يدل على قرائتكم له.

وكما نعلم فإن مثل هذا الوضع وبالأخص بعد اتضاح أن رضا ضراب سوف يقدم إلى المحكمة كشاهد في القضية المعروفة عالميًا فإن الجمهورية التركية بدأت في التحدي ل أمريكا والسلطات العليا وراحت تناطح ترامب بشكل جاد.

تذكرون أن تركيا التي اعترضت على حكم أوباما بسبب اتهامه سياستها الخارجية بإرسال السلاح إلى داعش وسياستها الداخلية غير الديموقراطية وانتهاكها حقوق الانسان في الفترة الأخيرة خاصةً كانت قد رقصت فرحًا وتنفست الصعداء بنجاح ترامب في الانتخابات.

"أصبح ترامب رئيسًا للولايات المتحدة الأمريكية، كم أن هذا جيدًا، فأنا أحب الرجل الصريح، وأحب أيضًا هذا الجانب في رئيس جمهوريتنا، أعتقد أن الرئيسين سوف يتفقان" هكذا قد كتب السياسي التركي برهان قوزو على تويتر، كما كان قد كتب "إن استياء أوروبا من ترامب، وردود الأفعال من الأوساط المعروفة في أمريكا تدل على أن ترامب هو الخيار الصحيح".

وبعد قرار القدس وقضية رضا ضراب، كتب نفس السياسي عدة تدوينات على تويتر "ليعرف ترامب حدوده ويلزم حده" وكذلك كتب ايضا "قال ترامب أن القدس عاصمة إسرائيل، ومثل ذلك يظهر أن ترامب قائد فاشل(....) لا يصلح ترامب لأن يكون رجل دولة، ولا أن تكون أمريكا دولة عظمي، أنت عضو دائم بالأمم المتحدة، وتخالف قرارها بنفسك".

وجاءت ردود أفعال مماثلة من الكثيرين حتى من رئيس الوزراء يلديرم وسليمان صويلو الذي ترك بمرؤته وأخلاقه بصمة في السياسة التركية، لكنني كنت أنتظر مجيء صيحة مليئة بالحماس والجبروت من أعلى مقام تصرخ في الرئيس الأمريكي: "ترامب! يا هذا!" ومن حسن الحظ أنها جاءت في مؤتمر القمة الإسلامية الاستثنائي  لمنظمة التعاون الإسلامي الذي عقد في اسطنبول.

في البيان الختامي لمؤتمر القمة الإسلامية الاستثنائي أعرب المشاركون عن امتنانهم للسيد رئيس الجمهورية التركية لاستضافته هذه القمة وتحمله اعباء القيادة في هذه القضية المهمة الحاسمة بالنسبة للأمة الإسلامية، وقد قال السيد رئيس الجمهورية متوجهًا إلى ترامب بالحديث في هذا المؤتمر: "حتى الذئب لا يفعل مثل ذلك القسمة غير العادلة، سيد ترامب! أنت تسعى لفعل ذلك. يا ترامب، هل أنت تساند إسرائيل؟ هنا يوجد احتلال، وهنا يوجد إرهاب، هل أنت تدافع عن هذا؟ إن فلسفة ترامب التي تدفع حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات الحماية الشعبية ضد داعش (...) تفعل ذلك أيضا. يجب على العنصر الفاعل الذي يربت على ظهر من يقوم كل يوم بالأعمال الإرهابية أن ينعزل من وظيفته كوسيط، وإذا كانت عملية السلام ستستمر فيجب أن يتولى وسيط أخر مهامها"، هكذا ضرب بظهر يده الرئيس الأمريكي الذي لا يعرف نفسه وحدوده.

والآن إذا حللنا شفرات ما بين السطور في هذا الخطاب فإن اللوحة تتغير من تلقاء نفسها.

أولًا يقول السيد رئيس الجمهورية: "هنا يوجد احتلال، وهنا يوجد إرهاب"، وهو مُحق في قوله ذلك.  لقد ذهبت اسرائيل بالحدود التي خططوا لها واحتلت الأراضي الفلسطينية، وعلى مر الزمان انتشرت في أراضيهم. بل إنها لم تكتف بأخذ أراضيهم فقط، فحولت حياتهم في هذا المكان الصغير الذي يعيشون فيه إلى جهنم، وقد حدثت أحداث مشابهة لذلك في دولة أخرى، في دولة نعرفها عن قرب تمامًا.

في بلد نعرفها هي واحدة من أكبر دول الشرق الأوسط (تركيا) حيث أخذ نواب كردستان أماكنهم في البرلمان قبل عام 1923، وساهموا في نجاح حرب الاستقلال بدعم القبائل الكردية في كردستان، ولكنهم بعد عام 1923 حُرموا من وجودهم في البرلمان وأُهملوا إهمالًا مقصودًا في الأرض التي نُبذوا فيها، وخاصة بعد عام 1980 فقد فُعِل كل شيء من أجل القضاء عليهم، واليوم فإن نوابهم في البرلمان تم إلقاؤهم في السجون بحجج لا أساس لها من الصحة، ومنهم نواب ورؤساء بلدية منتخبون تم اعتقالهم بسبب قولهم "أنا نائب كردستاني"، تأكدوا من أن هذا الشعب أيضاً يرى نفسه تحت احتلال وأن السياسة المطبقة عليهم هي سياسة إرهابية، وأخيرًا حين لا تستطيعون لمدة أسبوع أن تأخذوا جسد والدتكم الملقاة في الطريق والتي تم اطلاق النار عليها من قِبل قوات الشرطة الخاصة فأروني ماذا يسمي هذا غير إرهاب الدولة؟

ويتابع السيد رئيس جمهوريتنا قائلاً: "إن مفهوم ترامب هذا الذي يضع حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات الحماية الشعبية في مواجهة ضد داعش يفعل هذا."

ظهرت الحقيقة، ألا يعني أن كل هذا الحرص والغضب هو بسبب قضية ضراب فقط، بل يعني ان الرئيس أراد ان يقول بمعنى اخى "أنا أستخدم كلمة حزب الاتحاد الديمقراطي ووحدات الحماية الشعبية في نفس الجملة مع داعش، إنني أدين داعش وبنفس القدر أيضًا أدين القوات الكردية التي تحاربهم وهي أكبر حليف لأمريكا في المنطقة".

وتظهر نيته الحقيقية في الجملة الأخيرة "يجب على العنصر الفاعل الذي يربت على ظهر من يقوم كل يوم بالأعمال الإرهابية أن ينعزل من وظيفته كوسيط، وإذا كانت عملية السلام ستستمر فيجب أن يتولى وسيط أخر مهامها"، وفي هذه الجملة يبدو وكأنه يريد ان يقول: أنا الطبيب، عذراً، يعني أنا وسيطكم الجديد، فأنا أعتبر من الأطباء، سوف أضمد جراحكم، لا تنظروا إلى حالي.. لكن الطريق إلى الخلافة يمر من استعادة دور الوساطة الذي تركته لمصر قبل بضع سنوات، العالم كله يفكر ويظن أنني أؤيد الإرهابيين بتقديم السلاح لداعش في الشام والعراق؛ بينما اسرائيل هي أكبر دولة إرهابية، وأمريكا إرهابية كذلك طالما تربت على ظهرها.

الرجل محقٌ أيها السيدات والسادة! حتى وإن كان ترامب أول القادة المهنئين للرئيس التركي بفوزه في استفتاء إبريل عام 2016 والذي يشك في نزاهته العالم كله، الأمس هو الأمس، واليوم هو اليوم.

لا تعتقدوا بأن موقف موسكو تجاه اسرائيل الذي صدر عن دولة ارتكنَّا إليها لا يتطابق مع ما قاله رئيس الجمهورية رجب طيب أردوغان الذي قال بأن "اسرائيل دولة الإرهاب والاحتلال". فنحن نعلم هذا الموقف من أردوغان، ولا يتطابق هذا الموقف في الظروف الحالية مع موقف روسيا. فمهما تقف الدنيا بأسرها ضدنا فلتقف؛ فإن القوة التركية تستطيع صدها ومواجهتها، أليس كل واحد منا بمثابة قوة عظمى؟ فلو بصقنا فسنغرق العالم، ليكن ترامب هذا عاقلاً، وإلا فيمكننا أن نسلبه  عقله إذا لزم الأمر!

يمكن قراءة المقال باللغة التركية ايضا: