فيجين غيونز
ديسمبر 25 2017

بوستانجي.. الأرمني الأخير في ديار بكر: "جئت من حي الكفار في سور، لكن لم يتبقَّ منه شيء"

كانت ديار بكر، أكبر مدينة في جنوب شرق تركيا الغالب عليه الأكراد، في يوم من الأيام وطنا لعدد من أصحاب العرقيات وأتباع الديانات المختلفة. لكن العنف الذي امتد لعقود أدّى إلى نزوح معظم الأقليات تقريبا.

المدينة القديمة التي تعود إلى زمن الرومان وتقع على جانب نهر الفرات، كان يقطنها آلاف من الأرمن وغيرهم من المسيحيين في القرن التاسع عشر. لكن بعد المذابح التي نفذها الأكراد المسلمون والأتراك في عامي 1895 و1915، انقسم من نجا من الموت إلى جزئين أحدهما فرّ إلى خارج البلاد، والآخر اعتنق الإسلام وجرى احتوائه.
بقي في المدينة مئات قلائل فقط من الأرمن يتركزون في حي سور العتيق الذي تخترقه شوارع ضيقة ومتشعبة وتحيط به أسوار من البازلت الأسود تعود لمدن القرون الوسطى.
يرفانت بوستانجي عازف عود يتمتع بشهرة عالمية ويغني بالتركية والكردية والأرمنية. ولد في ديار بكر عام 1955 وترك المدينة عام 1976، لكنه عاد بعد ذلك بنحو 40 عاما ليستقر في بلده الأم بعد مسيرة ناجحة في عمله باسطنبول والولايات المتحدة. بوستانجي هو تقريبا الأرمني الوحيد المتبقي في ديار بكر اليوم.
"حبك لم يفارقني أبدا في أيام جوعي وعطشي"، بهذه الكلمات المقتبسة من قصيدة شعرية تحدث بوستانجي بينما كان يرمق الأسوار البازلتية المحيطة بأحد منازل ديار بكر العتيقة بناظريه. كان يجلس بالقرب من المسبح الموجود في الفناء عندما قال وعيناه مغرورقتان بالدموع "جئت من حي الكفار في سور، لكن لم يتبق شيء منه".
الأرمني الأخير
يرفانت بوستانجي

كان والد بوستانجي أحد صناع الكوفيات التقليدية التي كانت تشتهر بها المنطقة.

يستخدم بوستانجي الخيط الحريري لهذا النسيج في آلاته الموسيقية ويقول "آخذها وأستخدمها لصناعة أوتار لآلاتي الموسيقية. آخذ هذه القطعة الخشبية وأنشد الأغاني المحلية طوال اليوم".
وكانت أولى آلاته المحلية هي الدَرَبُكَّة، وهي واحدة من آلات النقر الموسيقية الشهيرة في تركيا ومصر وإيران وأرمينيا بدأ اللعب عليها عندما كان في الرابعة من عمره. وعندما بلغ نحو العاشرة من العمر، بدأ بوستانجي في العزف في حفلات الزفاف. يقول "فتحت عيني في كنيسة القديس كيراكوس وانضممت إلى الكورال وهو ما ساعدني كثيرا في مهنتي الموسيقية".
في عام 1976، انتقل بوستانجي إلى اسطنبول، لكنه سافر إلى الولايات المتحدة في عام 1992 بعدما واجه تهديدات بسبب إنشاده باللغة الأرمنية.
يقول "آخر المُنتمين للمجتمع الأرمني غادروا ديار بكر في عام 1976. عدد قليل فقط من الأشخاص بقوا... أمضيت الكثير من الوقت في إجراء مقابلات مع الأرمن المنحدرين من الأجيال القديمة في لوس أنجليس لإعداد مؤلفات موسيقية. هناك تاريخ شفاهي ثري هناك، لكن لم يتبق شيء هنا".
عاد بوستانجي إلى ديار بكر في عام 2013 بعد أن أمضى أكثر من 20 عاما في الولايات المتحدة. في ذلك الوقت، أنهى وقف لإطلاق النار بين الحكومة التركية وانفصاليي حزب العمال الكردستاني إراقة الدماء التي استمرت على مدار نحو 30 عاما في جنوب شرق البلاد، والتي أودت بحياة عشرات الآلاف من الأشخاص وأدت إلى نزوح الملايين.
كان ذلك الوقت بارقة أمل في ديار بكر، وساعد بوستانجي على تنظيم لقاءات اجتماعية في كنيسة القديس كيراكوس المرممة حديثا، وهي واحد من أكبر الكنائس الأرمنية في الشرق الأوسط.
يقول بوستانجي "في الأيام الأولى، حضر ما بين 15 و20 شخصا، وبعد ذلك انضم إلينا مئة أو ما إلى ذلك من المنتمين للعرقية الأرمنية ومن بينهم من اعتنقوا الإسلام. كنت أستمع إلى رواياتهم".
لكنّ عملية السلام توقفت في عام 2015 واستؤنف القتال بعد ذلك بقليل. أعلن جناح الشباب في حزب العمال الكردستاني، بناء على أوامر من زعمائه الآمنين في جبال شمال العراق، الحكم الذاتي في المنطقة الواقعة في الجنوب الشرقي في وقت لاحق من ذلك العام، بما في ذلك حي سور بديار بكر.

حفر مقاتلو حزب العمال الكردستاني خنادق ووضعوا متاريس حول سور لإبقاء قوات الأمن خارج الحي، بينما قصف الجيش المنطقة بالمدفعية والدبابات وأرسل قوات خاصة من أجل هزيمة المتمردين. لكن بعد قتال استمر على مدار ثلاثة أشهر، كان جزءا كبيرا من المنطقة قد تعرض للدمار.

وجرى تدمير كنيسة القديس كيراكوس التي كانت قد عادت لفتح أبوابها بعد عمليات الترميم في عام 2011، وسط الكثير من المظاهر الصاخبة.
يقول بوستانجي "أعددت أكثر من 50 لحنا وأغنية في الولايات المتحدة، لكن منذ أن عدت لأستقر هنا، أجد صعوبة بالغة في الإنتاج. لم أكتب ولا حتى قصيدة واحدة هنا".
وأشار بوستانجي إلى أنّه كان يقضي معظم وقته بالمنزل خلال فترة القتال. ويقول في هذا الشأن "يمكننا أن نطهر أرواحنا بالموسيقى، لكن خلال تلك الأيام العصيبة كنا محاصرين داخل بيوتنا".
ويقر بوستانجي بتشوقه للولايات المتحدة، لكنه يقول إنه سيبقى في ديار بكر حيث إنه أسس أسرة بعدما تزوج وأنجب ولدا أسماه "ديكران". وديكرانجرد هو الاسم الأرمني لديار بكر. وهذه هي المرة الأولى منذ 41 عاما التي يُسجَّل فيها اسم ديكران في المدينة.
يقول بوستانجي "يجب أن يموت الرجل في المكان الذي ولد فيه".
 
يُمكن قراءة هذا المقال باللغة الإنجليزية أيضاً: