مصطفى قيليتش
مارس 23 2019

بويراز أوغلو: بعض البلديات تمنعنا من تقديم عروضنا المسرحية

يلتقي الفنان القدير على بويراز أوغلو مع عُشَّاقه في عالم المسرح والسينما والتلفزيون منذ عام 1959. أسَّس بويرازأوغلو، وهو لا يزال في سن الخامسة والعشرين، مسرحاً يحمل اسمه، وهو ما يصفه بأنه "أكبر إنجاز" في حياته. ترك بويرازأوغلو العمل في المسرح بعد كل ما قدمه من أعمال رائعة كانت أيدي المشاهدين تلتهب تصفيقاً لها بعد نهاية كل عرض. يقول بويرازأوغلو "إن عدداً من البلديات في تركيا منعته من عرض أعماله، ورفضت تخصيص قاعة له لهذا الغرض، ويؤكد أن أكبر شيء ندم على فعله في حياته أنه ترك أميركا وعاد إلى تركيا مرة أخرى.

سؤال: امتد عملك في المسرح لسنوات طويلة، بذلت خلالها جهوداً كبيرة في هذا المجال. كيف يمكنك، أن تُقَيِّم، بعد هذه السنوات، المسرح في تركيا، و مدى اهتمام الشباب التركي بالأعمال المسرحية؟

لا يوجد شباب وشيوخ في المسرح. لقد أصبح المسرح ضرورة لدى الجميع؛ بسبب التغيرات التي طالت التركيبة السكانية في تركيا، مع اتجاه الدولة نحو  التحضر. لقد اكتشف الناس ضرورة ألا يحرموا أنفسهم من الاستمتاع بالفن والجمال في خضم آلامهم ومشكلاتهم الحياتية. ويجد الناسُ ضالتهم في المسرح والسينما والموسيقى والأوبرا والبالية؛ حيث يجدون متعة خاصة عند مشاهدتها. من هنا بدأ الناس يولون اهتماماً خاصاً بالمسرح، وعلى الأخص خلال السنوات الثلاث أو الأربع الأخيرة.

أصبح المسرح ضرورة لدى الجميع
أصبح المسرح ضرورة لدى الجميع

سؤال: نُلاحظ امتلاء المسرح عن آخره بالمتفرجين عندما يُعرض أحد أعمالك. كيف أمكنك اجتذاب هذا القدر من المتفرجين، في وقت ربما تخلو فيه صالات العرض منهم؟

الإجابة ببساطة هي أننا دائماً ما نعتبر المشاهد جزءاً من العمل، أو لنقل: أحد أبطال العمل؛ أي أننا نتعاون جميعاً من أجل إخراج عمل مسرحي جيد، وطالما وقف جمهورنا إلى جوارنا ودعمنا، ولم يتخل عنا في أي مرحلة سابقة.

كثيراً ما يسألني الناس "من أين تأتي بهذا القدر من المشاهدين"، وأنا بدوري أرد عليهم وأقول "إنني أُنمِّي جمهوري كما تُنمُّون أموالكم بادخارها في "صندوق التوفير". أحرص دائماً على إسعاد جماهيري في كل مسرحية أو فيلم أو حتى برنامج تليفزيوني يجلسون لمشاهدته.. وبذلك كان رصيدي من المشاهدين والمحبين لفني يزداد؛ الأمر الذي يُشعرني بسعادة غامرة باستمرار..

سؤال: علمنا أن عدداً من البلديات في تركيا رفض تخصيص قاعة لك تعرض عليها أعمالك. هل تُحدِّثنا قليلاً عن هذا الموضوع؟

بالفعل، لقد واجهنا صعوبات كثيرة من أجل البحث عن مكان نعرض فيه أعمالنا. رفضت بعض البلديات منحنا مكاناً، ووصل الأمر أن بعضًا منها كان يرفض فكرة وجود المسرح في المدن التابعة لها من الأساس... وأنا أعيب عليها صنيعها هذا... لم نجد ما نفعله إزاء ذلك سوى أننا شكونا حالنا إلى الجماهير التي أحبتنا، ووقفت إلى جوارنا تساندنا طوال سنوات عملنا. يبدو أنه لا سبيل لحل هذا المشكلة في الوقت الراهن... لقد استنفدنا كافة الحيل، ولم يُجد نفعاً أي منها لحل هذه المشكلة... هذا هو واقع الأمر.

واجهنا صعوبات كثيرة من أجل البحث عن مكان نعرض فيه أعمالنا
واجهنا صعوبات كثيرة من أجل البحث عن مكان نعرض فيه أعمالنا

سؤال: هل لك أن تخبرنا أي المحافظات رفض عرض مسرحياتك؟

يأتي على رأسها جميعاً بلدية بورصا..

سؤال: هل تفكرون في الذهاب إلى الأناضول، وعرض أعمالكم هناك؟ وماذا عن المناطق الجنوبية الشرقية على وجه الخصوص؟

نحن نتوجه بالفعل إلى كل مكان في الأناضول. ونذهب أيضاً إلى المناطق الجنوبية الشرقية من تركيا. ومؤخراً قمنا بعرض أعمالنا في أضنه ومرسين وغازي عنتاب.

سؤال: كيف وجدتم ردود أفعال الناس هناك؟

كان المكان يعج بالمتفرجين. كانت التذاكر تنفد قبل موعد العرض بشهر كامل. الناس هناك محرومون بالفعل من المسرح، وقلما تتاح أمامهم الفرصة لمشاهدة عمل مسرحي جيد... أعلم أن هناك إقبالاً كبيراً للغاية على الأعمال الهادفة مثل أعمالنا، التي تحترم المشاهد، وتحافظ على الصلة بين الفنان والجمهور..

سؤال: قلت في حديث سابق، وأنت تُعرِّف نفسك، "تخرَّجت في جامعة أخطائي"... حسنًا، هل لديك خطأ يمكن القول إنه غيَّر مسار حياتك، وأثَّرت فيك بشكل كبير؟

بالفعل لدي.. جميع أخطائي ساعدتني في رسم طريقي... وهل يوجد إنسان بلا أخطاء؟ الإنسان خطَّاء بفطرته. نحن نرتكب الأخطاء في حياتنا الخاصة، وفي عملنا.

وبالنسبة إليَّ، فأنا أنظر إلى هذه الأخطاء باعتبارها لطفاً من الله؛ لدرجة أنني كثيراً ما أحمد الله أنني وقعت في هذه الأخطاء؛ لأنني دائماً  كنت أفيد من أخطائي. أواجه أخطائي وأستخدمها أداةً لتصحيح فهم نفسي وتنسيقها وإعادة اكتشافها. لهذا السبب، أعتبر أخطائي جامعةً. نعم، لقد تخرجت في جامعة أخطائي. وإذا فعل الآخرون مثلي، وتخرجوا كذلك في جامعات أخطائهم، لكانت حياتهم أكثر سعادةً، وأقل أخطاءً.

سؤال: ما هو أكثر موقف شعرت فيه بالندم في حياتك؟

كنت أعيش في أميركا، وأعرض أعمالي هناك. ولشدة تعلُّقي بوطني، قررت العودة إلى تركيا مرة أخرى. أحب بلدي كثيرًا، وأحب أبناء جلدتي. وأنا على يقين أن الفضل في المستوى الذي وصلت إليه الآن إنما يرجع إلى الجمهور التركي والفنانين والكُتَّاب الأتراك. لأجل هذا كله، قررتُ العودة إلى وطني، ولكني أشعر الآن بندمٍ كبير على اتخاذ هذا القرار. كان بإمكاني البقاء في أميركا، والاستمرار في عملي هناك. لذلك دائماً ما أقول ليتني بقيت في أميركا...

على كل شخص أن يستمع إلى الآخر
على كل شخص أن يستمع إلى الآخر

سؤال: وفي المقابل، ما هو الشيء الذي ترى نفسك قد وُفِّقت فيه؟

لقد اعتبرتُ نفسي موفقاً عندما تمكنت من تأسيس مسرح يحمل اسمي، وأنا لا أزال في سن الشباب. كان الأمر ينطوي على مجازفةٍ كبيرة بالنسبة لي؛ لأن إسطنبول كانت تضج في ذلك الوقت بأعدادٍ كبيرة من المسارح، كما أن الإقبال على المسرح لم يعد بقدر إقبالهم في الماضي. وكانت هناك فوضى، ولم يكن الناس يخرجون من منازلهم. كان الأمر صعبًا، ومع هذا فقد بدا لي أكثر جاذبية... كنتُ في سن الخامسة والعشرين، عندما أسست مسرح بويراز أوغلو. أشعر الآن أنني كنتُ موفقاً في هذه الخطوة، وأنا صغير السن؛ لذلك فأنا أحمد الله أن قطعنا شوطاً طويلًا...  

سؤال: تعلم أننا مقبلون خلال الأيام القليلة القادمة على الانتخابات المحلية. سؤالي عن تقييمك للعملية السياسية في تركيا خلال الفترة الراهنة؟

أتابع عن كثب مدى التراجع في العملية السياسية في تركيا كثيراً، وحالة الشد والجذب بين الحزب الحاكم وأحزاب المعارضة، وما يطلقه كل منهما من خطب تحريضية بشكل مبالغ فيه. وأنا حزين للغاية لأجل هذا. أعتقد أنه من الأفضل لو انتهجت الأحزاب أسلوباً أكثر سلمية في التعبير عن نفسها.

سؤال: في رأيك هل يمكن للفنان أن يؤدي دوراً للتصدي لحالة الانقسام داخل المجتمع؟

بالطبع، هناك دور يتعيَّن على الفنان القيام به في هذا الإطار؛ فنحن نمر الآن بفترة عصيبة يتعين فيها على الجميع التكاتف، بما في ذلك الذين لديهم توجهات سياسية مختلفة، والذين لديهم خلفيات عرقية وجنسية متباينة. عصرنا هو عصر المصالحة. على كل شخص أن يستمع إلى الآخر، وأن يفهمه. هذه هي نظرتي للحياة بصفة عامة، وليس فيما يخص موضوع الانتخابات فحسب. هذه الانتخابات في النهاية هي انتخابات للبلديات، ولن يتوقف مصير تركيا على الفائز أو الخاسر فيها. أسمع الحملات الدعائية، وهي تتحدث عن بقاء الدولة، على الرغم من أن الأمر أبعد ما يكون عن بقاء الدولة أو زوالها. لذلك أؤكد أن المصالحة والتفاهم هما السبيل الصحيح الذي يجب أن تنتهجه الأحزاب في تركيا..

سؤال: هل تخطط لعمل تلفزيوني أو سينمائي في المستقبل القريب؟

نعم يوجد. نحن نتفاوض مع جهاز التلفزيون بشأن عمل تليفزيوني. وبالإضافة لهذا، هناك مشروع لفيلم وعملين دراميين... هذا كل ما يمكنني الإفصاح به حتى الآن..

سؤال: بوصفك أحد الفنانين الذين كرَّسوا حياتهم لأجل الفن؛ هل التمثيل يمر من المسرح أم من السينما أم من التلفزيون؟  

التمثيل يعني التمثيل الجيد. وهناك ممثل جيد، وآخر سيء، وهناك أيضًا الهراء. يجب أن يتمتع الممثلون الشبان بالحرية في تأدية واجبهم في المكان الذي يريدونه دون قيود.

النصيحة الوحيدة التي أريد تقديمها للشباب هي أن يجتهدوا كي يصبحوا أناساً جيدين في البداية، ثم يفكروا بعد ذلك في أن يصيروا ممثلين جيدين. هذا هو المهم من وجهة نظري...

 

يمكن قراءة الحوار باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/guncel/usta-sanatci-ali-poyrazoglu-ahvale-konustu-bazi-belediyeler-bize-salon-vermiyor
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.