إيليم يلماظ
ديسمبر 05 2017

بيريهان ماغدين: في تركيا أشعر وكأني يهودية في ألمانيا النازية

يعرف عن بيريهان ماغدين انها كاتبة تركية مثيرة للجدل دائما، وأعمالها مقرؤة جيدا، ومضى وقت طويل منذ وصولها للهدف، لأنها لم تبخل بكلمتها في وسائل الإعلام التي هيمن عليها الرجال.

وكانت تكتب بأسلوب ساخر ولاذع في بعض الأحيان، ولم تمتنع عن النقد أحيانا أخرى.

وقد أخذت نصيبها تقريبا من القمع الذي تمارسه الحكومة ضد وسائل الإعلام الرئيسية، مثل كل صحفي، وكاتب، ومفكر معارض.

وبعد فترة من التواصل مع قرائها، صمتت لفترة من الوقت، وهناك العديد من الدعاوى المرفوعة ضدها بما في ذلك الإتهام بإهانة الرئيس.

وحتى عند محاكمتها، تم استهداف قاعة المحكمة. وعن هذه المرحلة تضيف بيريهان ماغدين قائلة: "لا أتذكر فترة كسر جناحي فيها إلى هذا الحد".

"أشعر وكأني يهودية في ألمانيا النازية."                    

بعد صمت طويل، أجابت ماغدين موقع أحوال تركية على الاسئلة التي طرحت عليها باجابات مليئة بالتساؤلات، وقالت :

ما هي المشكلة الرئيسية لوجود وسائل الإعلام، والتي تسمى اليوم وسائل الإعلام المؤيدة للحكومة، مع دور الجيش في السلطة المطلقة؟

ولماذا تكون وسائل الإعلام "عرضة للاستيلاء عليها" من قبل السلطة دائما، هل ذلك بسبب الخوف من الأمور التي يقوم بها أصحاب وسائل الإعلام، والبعيدة عن وسائل الإعلام، أو الخوف من الصحفيين أنفسهم؟

وأين يجب وضع المجتمع الذي تنتزع فيه حقوق الحصول على الخبر بتوقيف الصحفيين، في هذا التوازن؟ وكيف ينبغي تفسير رد فعل المجتمع؟ تقول بيريهان ماغدين....

"أنا لا أتذكر فترة في حياتي كان جناحي فيها مكسورا إلى هذا الحد، وفي الوقت الذي تم فيه أسرنا التوى ذراعي، وكنت أود أن أحرر نفسي من يد الأعداء، وأود الاستمرار في استخدام ذراعي مرة أخرى، لقد كسر جناحي كسر في بضعة أماكن، وبعد ذلك سوف يخرج مرة أخرى، وأطير، ليس هكذا الآن، الشيئ الصعب هو الذنب".

في مقالتك "كيف أنا؟" المنشورة في قناة K24 تقولين ذلك،  كيف حال بيريهان ماغدين اليوم؟

أنا أفضل قليلا نسبيا،  لأن الإنسان بشكل غريزي لا يريد أن يعيش في قاع البئر، وهناك أيضا شيئا على الأرجح يقال له التكيف والتعود، من شأنه أن يبقي الإنسان على قيد الحياة.

أنا لا أعرف ... في النهاية أحمد التان صديق لي ... خصوصا في أوقات شعرت فيها بعذاب ضمير متعلق به، لا يصدق.

ولكنه يقف منتصبا جدا في الداخل ...

هذا هو العزاء. عزاء مفلس ... وأنتِ تواصلين حياتك مع هذه العزاء، بطريقة أو بأخرى، ولكن من الصحيح قطعا أن يدي مكسورة ... لا بد لي من أن أقدم لكم كتابا تم توقيعه لشخص أو شخصين، حتى إن توقيعي في العلن يصبح كلاما فارغا، واليوم ليس لدي حتى حق التوقيع... وفي الحقيقة فإن يدي لا تحمل القلم.

ألم تفكري قط  في عمل كتاب عن هذه الفترة؟ أو في العودة إلى كتابة العمود مرة أخرى؟

توجد أغنية للمطربة "كيبارية" تسمى "هل لدي مكان للذهاب إليه؟"، أنا في وضع مثل كلمات تلك الأغنية. (تضحك).

ليس لدي مكان يمكنني أن أقول عنه إنني يجب أن أكتب، ولا أعتقد أنه توجد مقالات يجب أن أكتبها، وأنا مقتنعة بأنه ليست هناك حاجة إليها على الإطلاق.

وفي اللحظة التي بدأتُ فيها الكتابة، كان هناك احتمال بأن ذلك سوف يجلب لي المتاعب،  حتى أن العديد من القضايا قد رفعت ضدي، حتى في الأوقات العادية، وأنا لست راغبة في أن أخلق لنفسي مشاكل في مثل هذا المناخ غير القانوني.

أنا لدي فتور بشأن كتابتي في الأعمدة، وبشأن لساني، وأرى أنه لا ضرورة لوجودي، فأنا أعيش في هذه المرحلة مثل الفئران.

وأفكر في الآتي، ترى هل كان هناك بضع يهود مهمشين في ألمانيا النازية خلال الحرب العالمية الثانية، وهل عاشوا حتى نهاية الحرب؟ لقد عاشوا خفية بالتأكيد، وأنا اليوم أشعر بأني مثل اليهود الذين عاشوا في ألمانيا النازية نفسها.

أنتِ تقولين إنك لديكِ فتور من كتابة الأعمدة، ولم تصدر مقالات جيدة، وإذا كنتِ تُقَيِّمين كل من الجو السياسي والموقف في وسائل الإعلام من حيث الوضع الحالي لوسائل الإعلام في تركيا، هل وسائل الإعلام نفسها أم السياسة هي التي جعلتنا نصل إلى هذه النقطة السيئة؟

مثل علاقة البيض بالدجاج، لكنني أعتقد أن طيب أردوغان قام بتحليل جيد جدا، كان يعتقد في نفسه قائلا "أنا لا أستطيع أن أنفذ رغباتي، وأيديلوجيتي، وسلطتي دون الاستيلاء على هذه الوسائل، وإسكاتها، وإنشاء وسائل الإعلام الخاصة بي".

وقد قام بحصار خطير جدا، الجميع يتوق كثيرا إلى ذلك، في وسائل الإعلام الرئيسية، يكتبون مثل الدبلوماسيين غالبا، ولكن ليس كدبلوماسي عادي وإنما مثل دبلوماسي من حزب العدالة والتنمية، ويكتبون مقالات كأنهم مساعدين لمولود جاووش اوغلو.

وحتى وسائل الإعلام الرئيسية مهضومة جدا، بحيث يمكنها أن تكتب مقالات أكثر فائدة قليلا، أنا لا أقول حتى معارضة قليلا، وأنها تفيد قليلا، حتى هم يمتنعون عن القيام بذلك، هذا أمر مخيب جدا للآمال ...

بيريهان ماغدين

ما هو العامل الرئيسي في إمكانية الاستيلاء على وسائل الإعلام إلى هذا الحد بسهولة في تركيا؟ هل هذا ينبع من علاقة أصحاب وسائل الإعلام بالسلطة، أم أن الصحفيين أنفسهم هم الذين على علاقة بهم؟

كانت وسائل الإعلام جندي في الجيش لسنوات، وكان كُتَّاب الأعمدة جنودا في الواقع، وكانوا يكتبون بتلك النظرة، أولا، هم لديهم ميل قوي جدا للحصول على أوامر من هنا كجندي خادم، وعندما يتغير القائد، فإنهم يمكنهم أن يواصلون حياتهم كجندي خادم.

ثانيا، كنتِ تتحدثين عن أصحاب وسائل الإعلام، وهذا واقع منفصل، آخر مرة كنتُ قد كتبتُ مقالا هكذا؛ أكبر علامة لدى الأتراك هي الاتحاد.

أنا أفهم الآن أن أعظم علامة لدينا، وأعظم راية في نفوسنا، هي الاتحادية، الاتحادية في الروح، أنت تتعاون مع المتدينيين، وتفعل ذلك مع الآخرين.

الاتحادية هي الأساس؛ ليس هناك صديق للترك سوى الأتراك، فمن المنطق أنك قوي جدا، إن سياسة العزل التي طبقها طيب أردوغان إجباريا في الشرق الأوسط، وتسببت في خسائر بشكل سيء جدا، يمكن أن تسمى الاتحادية أو الأوراسيانية، وذلك غطاء جميل جدا، بحيث تتداخل مع بعضها البعض بشكل جميل جدا.

الأتراك ليس لديهم اكتشاف قط، وكان يقال إننا لا يمكن أن نخلق العلامة الخاصة بنا، ولكننا أوجدناها، وأهم علامة لهذه الأراضي هي الاتحادية، ويمكننا أن نسميها المرض.

في مقال كتبتيه في مجلة "نقطة" عن دعوى الإهانة التي أقامها الرئيس أردوغان ضدكِ، قلتِ "الانقلابية جنبا إلى جنب مع أيديولوجية أرغينكون، وذراعا بذراع مع أردوغان، وعلاوة على ذلك فإنها تقوم بحرب "قومية" ضد الأكراد! وحتى لن يسير عشرة أشخاص إلى قصر أردوغان، وهذا مضمون"، هل يمكن القول أن هذا" التحالف "الذي ذكرتيه لا يزال جاريا، إذا كنتِ تقيمين ذلك مع مناقشات الكمالية التي أصبحت قضية شائعة مؤخرا؟

مناقشات الكمالية هذه تؤكد كلامي، وقد بدأت مناقشات الكمالية فجأة في مناورة غير متوقعة، هل تعرفين بم أشبه هذا؟ العلمانيين المتعصبين، هم كماليين متعصبين جدا، أو لأقل المتظاهرين الجمهوريين، لقد بدأوا في الذهاب إلى العمرة في وقت ما.

كان هذا تحول معين هنا، وقد أصبحوا هكذا مع صعود حزب العدالة والتنمية، أنت متدين، ونحن أكثر تدينا، نحن شعب ندين بهذا الدين.

وبقدر ما كان الكماليون راضين جدا عن حياتهم تحت الهوية الإسلامية فهم راضون أيضا عن الكمالية، وبدأ حزب العدالة والتنمية بفعل ذلك الآن.

وشعر أيضا بأنه يجب أن يتمسك بالهوية القومية بحيث إنه بينما لم يكن يقول مصطفى كمال أتاتورك، فقد تحول فجأة من غازي مصطفى باشا إلى أتاتورك.

ونحن نتكلم أيضا عن هيكل عملي جدا، انتهازي جدا، يأخذ كل شكل، الكمالية في صالحه، ويقوم بالكمالية، وهل هذا هو نفس الرجل الذي انفتح على الأكراد؟ هل الرجل الذي قام بهذا الاضطهاد للأكراد هو نفس الرجل؟

ولهذا السبب أنا أتوقع كل شيء، كنتُ قد قلتُ لن يسير حتى عشرة أشخاص إلى القصر، لم يسيروا، ولن يسيروا، فأنت تعيش في بلد حيث توجد هذه المقالات الرهيبة.

ومع ذلك، ظهر منظر هكذا خلال مناقشات الكمالية؛ فقد قرأ رئيس تحرير صحيفة غونش تورغاي غولر نشيد إزمير في تليفزيون الدولة، ومن ثم أدخل في جولة مانشيت 10 نوفمبر الذي كان في العام السابق ، وكان هناك رد فعل لمن صنفوه على أنه من الكماليين، ألا يمكن تفسير هذا، وردود الفعل هذه على أنها واحدة من أصوات تحطم التحالف؟

كان الكماليون في حالة سخط، وهم محقون، أيضا الشخص المتفوق جدا، والشخص الذي لا تشوبه شائبة، وأنا لا أعلم من تورغاي في ذلك المناخ، وقلت إنه أفضل من كمال قيليتشدار اوغلو.

وهو يعتقد أن لديك صوتا رائعا، وما قلته كان جميلا جدا، خسارة كبيرة للأوبرا، كما يقول أيضا "كنت مصابا بالبرد في ذلك اليوم"، أي إنني لو لم أكن مصابا بالبرد، لكنتُ قد واجهتُ روهي سو من جديد، في الواقع لقد كان يظن نفسه روهي سو.

وفي رأيي أن هذا عناد تافه يجمع بين جميع الكماليين المتعصبين و الأشخاص المتدينين، تماما كما يقول الكمالي إنني ذاهب إلى العمرة، وإذا ذهب يقول أنا أفضل من يقرأ نشيد إزمير، وأنا أفضل من ينظم شعرا عن أتاتورك.

وأعتقد أن هذا يكمن في قاعدة الانسجام بين هاتين المجموعتين؛ وليس في المعايير العالمية، ولا في المعايير الأوروبية، لأنه لا يوجد شيء يماثله في أوروبا، ولا في العالم.

ولذلك فإن هؤلاء هم الناس الذين يقولون لتكن صغيرة، حتى أكون أنا، أي لتبقى تركيا صغيرة، حتى يبقى هو في الصدارة، ونحن نرى هذه العقلية – التي رأيناها في نخبتنا الكمالية- الآن في حزب العدالة والتنمية أيضا، ويجري حاليا إنشاء تركيا المارقة، والضئيلة، وغير المهمة، ونحن نشهد الآن معاملة شبه مارقة للدولة.

ولكن كانت هناك أيضا مناقشات حول وقف "أنصار"، ومدارس تخريج الأئمة والخطباء، وزواج المفتي، لا يوجد توافق في الآراء في هذه المجالات ...

أنت تقول ذلك، ولكن أُعطيَت للمفتي سلطة عقد النكاح، ولكن عم الهدوء، وحادث وقف أنصار، والتحرش بالأطفال، والاعتداء عليهم، تم التعامل معه وكأنه جريمة بسيطة، وعادية، في الواقع هناك تداعي أيدولوجي كبير، هذا لم يطلق عليه اسم.

ما اسمه؟

استيلاء الأيديولوجية الإسلامية على جزيرتهم العلمانية بخبث، إنهم لا يريدون أيضا إطلاق اسم على ذلك، إنهم مستفيدين كثيرا من التعاون، ولا يقدمون التشخيص الكامل للمشكلة، أو اسمها بأي شكل من الأشكال.

لماذا يقبلون زواج المفتي؟ ولماذا لا تحتشد نساء الجمهورية المتظاهرات في الشوارع؟ زواج المفتي يعني نسخة من زواج الإمام.

هذا يعني البدء في تزويج الشباب عديمي الخبرة، لماذا تم إلغاء الانتقال من التعليم الأساسي إلى التعليم الإعدادي؟ حتى يتم وضع أطفالهم في مدارس تخريج الأئمة والخطباء، مدارس تخريج الأئمة والخطباء في وضع رهيب، وهناك مشاكل في وضع الأطفال هناك لمن لم يرسلوا أبنائهم إلى مدارس تخريج الأئمة والخطباء لرفع متوسطهم إطلاقا.

ولذلك تم إلغاء الانتقال من التعليم الأساسي إلى التعليم الإعدادي، هذا أمر مؤكد، انظروا، إنهم لم يطلقوا اسما على هذا، إن ما حدث في وقف "أنصار" ليس حادثا جنائيا بسيطا، بل هو شيئ خطير جدا، هناك انشقاق.

وبصرف النظر عن تعرض الأطفال للاغتصاب، فهناك إجبارهم على ذلك، والموارد المادية اللانهائية التي أخذوها بغير حق، وهذا وضع رهيب وخطير، وكأنه أصاب جميع المدارس، فاغتصاب ثلاثة، أو خمسة أطفال شيء رهيب، ولكن تم توجيه الانتباه للإشارة إلى هناك، وكأن هناك ضرر فقط، فالحديث عن الجزء المرئي من جبل الثلج هو طبع لدى الأتراك.


ملاحظة من الكاتبة: سننشر في الايام القادمة جزء ثاني لهذه المقابلة المطولة.


يمكن قراءة المقال باللغة التركية: