بينما تنادي تركيا بالحرب، يستحيل أن تكون دعوة السلام "قومية ووطنية"

بينما يجري تمزيق قيم المجتمع وهوياته وأنماط العيش فيه خوفًا من التهديد بأن "مَن لا يؤيد يُعزل ويُقضى عليه"، اعتقد مَن اصطفوا إلى جانب السلطة الحاكمة هنا أو هناك أنهم لن يُمسوا بسوء على الإطلاق.

وبينما الائتلاف الحاكم يشق المجتمع من منتصفه تمامًا إلى فريقين "القوميين والوطنيين" و"غيرهم" فهل اعتقدتم أنتم كذلك أنكم جزء مما اعتبرته السلطة "قوميًا ووطنيًا" لأنكم لستم أكرادًا ولا علويين ولا كتابًا ولا صحافيين ولا فنانين؟.
صحيح؛ ماذا كنتم تفهمون من "الوطنية والقومية"؟
أما فهمتم حين قالوا "إزمير الكافرة"؟
أما أيقظتكم كثرة الشامتين في المذبحة التي حدثت في الملهى الليلي "رينا" في يناير 2017؟
دعكم من الاعتراض على ما حدث لوالدة بركين ألوان، فالأساس أنكم لم تصدقوا قط أنها ذهبت لشراء الخبز، أليس كذلك؟
لنتجاوز من ماتوا أيضًا في ريحانلي وأنقرة. أما سمعتم أنه استُكثر في المذابح التي مات فيها مئات الناس حتى مجرد الوقوف دقيقةً حداد على أرواحهم، بل وأنه تم الاعتراض على ذلك واستنكاره؟ أظننتم أن أرواح ونفوس أقارب من ماتوا في تلك المذابح لا تعاني ولا تتألم؟
إنني لا أتحدث حتى عن أحداث سور وجزرة ونصيبين. فلو أنكم استغربتم وتساءلتم حقًا "لماذا"؟ فربما كان من الممكن ألا يحدث أيٌّ من تلك الأمور.
أنا متأكدة أنكم حزنتم... حتى إنكم عبرتم عن حزنكم فهززتم رؤوسكم يمنة ويسرة متأسفين متألمين لما حدث.
لا داعيَ لأن أذكر أيضًا بقاء جثمان "الأم تايبت" في الشارع أسبوعًا كاملًا في 2015، وعجز ولدها أن يفعل أي شيء آخر ليفرق الكلاب عن جثمان أمه سوى أن يرمي تلك الكلاب بالحجارة، ولا السكوت عن وقاحة من استكثروا على والدة "آيسل توغلق" أن تجد لها موضع قبر في أنقرة. ذلك لأنهم ليسوا "قوميين ولا وطنيين" على أيّة حال.
إن معظم من احتاروا لحالة الغضب الكبيرة عقب موت الفتيات اللائي فقدن أرواحهن في حادثة الطائرة التي سقطت أثناء عودتها من دبي اليوم، لم يحتاروا ولم يندهشوا كثيرًا لإعلان الراغبين في الاغتسال بدماء الأكاديميين المنادين "لا للحرب، ونعم للسلام" -واعتبارهم- قوميين ووطنيين ومحبين للوطن، بينما اعتُبِر المنادون بالحفاظ على أرواح الأطفال من الموت "خونة، بلا ضمائر، ولا أخلاق"، وجُعِلوا هدفًا للسفهاء على شاشات التلفاز. بالطبع يستحيل أن تكون الدعوة إلى السلام "قومية ووطنية" بينما تنادي الدولة بالحرب أساسًا.
الآن حان الدور علينا نحن لنندهش ونحتار...
إن من يُقدمون لجماهير الشعب أخبار موت أناس لا يزالون في مقتبل العمر وكأنها أخبار مثيرة في إحدى المجلات الفنية مصحوبةً بمشاهد وصور عارية، يحتارون لمن يدوسون على جثث الموتى، ويندهشون لذلك متسائلين "أية طريقة هذه من الكراهية والاستياء"، يفعلون ذلك وكأنهم لم يُشاركوا في ارتكاب هذا الأمر قط.
فإن لم يعترضوا حين تُفرّغ الديمقراطية والعلمانية من محتواهما فهل يُعقل أنهم رأوا أنفسهم لن يتأثروا بهذا؛ وأنهم حين يُصفقون ويُهللون قائلين "هناك حرية أكثر من اللازم" في حين لا تزال البلاد تخضع لقانون الطوارئ منذ عام ونصف سوف ينجون من غضب الجمهور وفئات الشعب؛ وأن أنماط الحياة الليبرالية ستكون هدفًا لحقد وغضب الفئات المعدمة حقًا بينما تفرض الثقافة والتربية والتعليم القومي بالقوة؟
ألم يفكروا قط أنه سيأتي يوم يُلقون فيه هم أنفسهم أمام تلك الحشود الغاضبة، فتحاسبهم جماهير الشعب معتبرة أنماطهم وأساليبهم في الحياة هي السبب في فقرها وعوزها، وأن أشكال اللهو والمتعة في "حفل وداع العزوبية" ستكون كافية للرقص على الجثث الهامدة؟
لقد كتبت نوراي سنجر في صحيفة "أفرنسل":
"... إن السلطة السياسية التي تسعى للحصول على دعم المواطنين منذ 15 سنة بينما تزعم أنها ستحميهم من كل أنواع الانحطاط الأخلاقي والثقافي للأحزاب السياسية الأخرى قد خلقت حالة من الغضب النافع بالنسبة لها حيث ربطت معارضيها برموز ثقافية زينتها بهذه المصطلحات. وقد حمَّلت الفئات التي فككتها وحللتها بسبب أنماط سلوكياتها الثقافية المسؤولية عن جميع الأزمات ومظاهر القمع التي تعيشها الفئات الكادحة في المجتمع. ورأت أن محاولة الاستيلاء على الأصوات بديل مهم بقدر ربطها جوهر المشكلة بنمط الحياة.
وبينما أصحاب هذا الغضب يزدادون فقرًا بشكل أكثر يوميا باعتبارهم طبقة في المجتمع فإنهم في ظل التأكيدات التي تجعلهم يشعرون وكأنهم "شركاء في المصلحة" للسلطة الحاكمة كانوا يعتقدون أن المصدر الحقيقي لآلامهم هو: جيرانهم الذين يعيشون حياة لا يستطيعون أنفسهم أن يعيشوها، وناخبو الأحزاب الأخرى، وغير الملتزمين دينيًا، والمتبرجين، وفترة الحزب الواحد العلماني التي كانت قبل 50 سنة، وحكومات حزب الشعب الجمهوري التالية التي لم تكن كذلك، والأكراد، والسوريون الذين تسببوا في بطالتهم حيث أخذوا منهم فرص العمل. أما الطاقة الصادرة عن رد الفعل المتراكم لدى الطبقات المعدمة الأقل، فقد أصبح من الممكن التلاعب بها وشيطنتها لصالح السياسة الداخلية والخارجية عبر إقحامها في مجموعة من القوالب الثقافية والأخلاقية."
إن غضب الجماهير التي لا يُسمح لها بأن تكون فردًا في كل مكان من العالم، والمحبوسة في فخ العوز والفقر، والتي سُلبت الحق في الحديث عن مستقبلها حيث سُحقت بشتى أساليب القمع والترهيب؛ أفقدها ثقتها بالنفس وصارت تتلذّذ وتستمتع بحلول المصائب والكوارث بغيرها.
هذا الشعور بالغضب والمتعة هو طعام السياسيين الشعوبيين. حيث يُضخمون مشاعر الغضب ويُثيرونها، ويمزجونها بمشاعر الحقد فيتسببون في تطرف الجماهير.
وعلى الرغم من أن مشاعر الغضب ضد عدم المساواة والظلم أمر ثمين وقيم؛ إلا أنها حين توجه لصالح تغيير الظروف تؤدي إلى تغيير المجتمع وساسته والسياسات، وإن تحول هذا الغضب فإنه يتحول إلى دمار فتاك حين يُدفع بشعار "داعية الحقد والدين".
واليوم فإن القومية والشعوبية ومعاداة الأكراد ومعاداة المثقفين ومعاداة الفنانين كلها تُجمع في قالب "القومي والمحلي"، وتفرض على المجتمع بواسطة "شباب يمثل حقده ودينه".
إن كل من بقي خارج إطار التحالف الرئاسي المبرم بين حزب العدالة والتنمية وحزب الحركة القومية ووجه إليه النقد يُطرد خارج قالب "القومي والمحلي"، أي إنه يُعتبر "أجنبيًّا".
وحتى وإن لم يكن لدى هؤلاء الموصوفين بالأجانب مشكلة مع السلطة الحاكمة ولا نظام الحاكم الواحد في الجوهر، فإنه يُضاف إليهم أيضًا الأثرياء الذين يعتبرون أهلًا للإلقاء أمام الجماهير الغاضبة بسبب أنماطهم المعيشية المتحررة.
لا يكن لديكم أي شك على الإطلاق في أن هذه الدائرة سوف تتسع كلما قلت الموارد التي من شأنها أن تقضي على العوز والفقر.
يكفي النظر إلى التاريخ والبحث فيه حتى يتسنى فهم من ومتى سوف تضرب مشاعر الغضب الحارقة حين تمتزج بالحقد، وعلى أية أجساد هامدة سوف ترقص وتركل، وما هي طبيعة المصيبة التي ستدفع المجتمع نحوها، وتزج به فيها...
 

يُمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/toplum/sahi-siz-ne-sanmistiniz