اومت اوزكرملو
نوفمبر 30 2017

بين الطائفية الدولانية والمقاومة.. ما الذي يجري في تركيا؟

في مقالي الأخير طرحت نقاشا حول مدى صعوبة فهم انتقال تركيا السريع نحو الحكم السلطوي بما يحمل من مخاوف على سيادة القانون والحقوق والحريات الأساسية دون أن نأخذ في الاعتبار الثقافة السياسية المهيمنة على عقدها الاجتماعي.

في هذا السياق قدمت، ووصفت بدقة، مفهوم الطائفية الدولانية والتي أظنها مفتاحا لفهم تقلبات الثقافة السياسية في تركيا.

لا أظنني بحاجة للقول إني لا أعرض هذا المفهوم وحده هنا لجذب الانتباه إلى الطبيعة المفككة للنسيج الاجتماعي بتركيا ومن البديهي القول إن الجمهورية ورثت من الامبراطورية العثمانية تركيبة سكانية تفتقر للتجانس بكل معانيه.

إن صناعة أمة متجانسة من هذا التنوع تطلب عملية هائلة من الهندسة الاجتماعية، وبالتالي مختلف سياسات "الأتركة"، من تبادل سكاني إلى نقل إجباري بل وتطهير عرقي وهي أمور كانت علامات مميزة للعقود الأولى من الجمهورية الوليدة.

ما لا نرد على ذكره كثيرا، ولا الجهر به، هو مدى عقم تجربة هذه السياسات. فتركيا لم تنجح أبدا في التحول إلى مجتمع توحده مجموعة صغيرة من القيم والمصالح المشتركة، ناهيك عن صناعة أمة متجانسة متراصة. ما تبقى من عملية بناء الأمة تلك، وهي عملية مستمرة منذ ما يزيد على 90 عاما، عبارة عن غطاء مرقع، أرخبيل لمجتمعات التفت حول قادة مختلفين لا يصلها سوى تحالفالت استراتيجية قوامها المصالح.

علينا إذا أن نعيد النظر في أخطائنا الراسخة التي تفرق المجتمع التركي، من قبيل وضع الأتراك ضد الأكراد أو السنة ضد العلويين أو المتدينين ضد العلمانيين أو اليسار ضد اليمين. لقد دأبنا على وضع هذه المتناقضات وجها لوجه بمنطق طائفي دولاني بغرض فهم المجتمعات والخلافات المميزة للحياة السياسية التركية.

مثلما بينّا سابقا فإن هذا المنطق يعتبر الدولة أعلى مصدر للقوة بحيث تخطب كل المجتمعات ودها وفي الغالب يكون هذا على حساب الآخرين.

يتيح هذا المنطق لحزب العدالة والتنمية الحاكم، الذذي يمكننا بسهولة وصفه بأكثر الأحزاب قومية ومحافظة بقيادته لأكثر الحكومات ميلا نحو اليمين في تاريخ الجمهورية، الدخول في شراكة استراتيجية مع الأكراد وقطع خطوتات باتجاه حل سياسي للقضية التركية مع ضرورة التشديد هنا على أنها خطوات لم تكن أي حكومة أخرى لتجرؤ على القيام بها. وفور إنجاز المهمة المطلوبة تلاشت هذه الشراكة بكل بساطة.

إنه المنطق ذاته الذي يدفع العلويين للتفاوض مع الحكومة الإسلامية السنية للحصول على دعم لدور العبادة الخاصة بهم مع التصويت للسياسيين العلمانيين أو نظم أنفسهم في إطار بيروقراطية الدولة التي تمي مصالحهم في مواجهة الحكومة نفسها.

كبقية الفئات، لا يتمتع المتدينون بالتجانس أيضا، بل هم تجمع يضم العديد من المجتمعات الأصغر.

لقد اخترقت حركة كولن الدولة برؤية قلبتها رأسا على عقب وشكلت في الوقت نفسه تحالفات مع كل من الجيش والحركات المحافظة التي كان أبرزها حزب العدالة والتنمية حين سنحت الظروف.

ولأنها كانت تحالفات على غير قيم أو معتقدات مشتركة فإنها لم تلبث أن انهارت وتفرق الجمع مع أن تباينت المصالح ليسعى كل طرف للقضاء على الآخر. في هذا السياق "اكتشفت" حركة كولن أن للقضية الكردية وجودا فقط حين بدأت قبضتها تخف على الدولة، وهي التي اعتبرت الحركة السياسية الكردية يوما أعظم تهديد لوحدة تركيا. ثم بدأت الحركة في الحديث عن المعاملة غير العادلة التي يلقاها الأكراد ولو كان حديثا غير مخلص تماما.

هناك أيضا العلمانيون، الذين لطالما رأوا في أنفسهم المالك المستحق للدولة. هؤلاء ما إن خسروا السلطة وبدؤوا في اعتبار أنهم "ضحية" نسوا سريعا كيف حكموا البلاد لعقود باستخدام "القبضة البرونزية"، وهو تعبير استخدمته الدولة التركية للإشارة إلى عملياتها العسكرية في محافظة درزيم الشرقية.

لتكن هذه فرصتنا لإحياء ذكرى ضحايا التطهير العرقي في درزيم قبل 80 عاما. بدلا من تحمل المسؤولية يلجأ عتاة العلمانيين للخيار السهل بلوم الآخرين والإصرار على تكرار نفس العبارة المحفوظة: "ألم نقل لكم؟"

الأسوأ أن هذه الفئة الممثلة اليوم وبكثرة في حزب الشعب الجمهوري، تتخذ وبسرعة شديدة صف الدولة و/أو الكتلة القومية الإسلامية المهيمنة على الحكم منذ ما لا يقل عن 15 عاما، وذلك حين يأتي الحديث عن الأكراد أو اليساريين أو "التهديدات الخارجية". يفسر لنا هذا الصمت المطبق لعتاة العلمانيين حين محيت مدن كردية من على الأرض أو حين سجن نواب برلمانيون ورؤساء بلديات منتخبون بأغلبية كبيرة من الأصوات الكردية. فالأكراد في النهاية لا يحصون جزءا من مجتمع "تركيا البيضاء".

ورغم ضآلة فئات مثل الليبراليين واليساريين فلن يكون خطأ القول إنهم أكثر من تضرر من الطائفية. فالليبراليون (بيمينهم ويسارهم) يلومون العلمانيين المتطرفين في كل ما حل بالبلاد من أمراض. ويفسر هذا في جانب منه ميلهم لدعم حزب العدالة والتنمية الإسلامية حتى بعد أن اتضح أن النية الواضحة هي تغيير طبيعة النظام. لهذا السبب أيضا أغمض الليبراليون الأعين عن أكثر انتهاكات القانون فجاجة خلال عمليات سيئة السمعة بخصوص مؤسسات الدولة.

اليسار نفسه وهو المكون من عشرات التجمعات الأصغر حجما يصنف "الخونة الليبراليين" أعداء ويعتبرهم الفئة الموافقة لكن ليس بما يكفي الذين صوتوا لصالح حزب العدالة والتنمية في الاستفتاء على الدستور عام 2010. ويقول اليساريون إنه لولا موقف الليبراليين لأصبحت تركيا بلدا مختلفا، ديمقرتطية اجتماعية على الطراز الاسكندنافي أو دولة اشتراكية على غرار حكم لينين أو ستالين في الاتحاد السوفيتي السابق أو واحة استقلال تتصدى للاستعمار وكلها تصنيفات يحكمها موقف الرائي.

ليس مفاجئا أن مثل هذه البيئة السياسية، التي يرى كل مكون فيها الآخر خصما إن لم يكن عدوا، تغذي السلطوية. تركيا بالطبع لم تكن أبدا واحة ديمقراطية تضمن الحقوق والحريات كما أن الرئيس رجب طيب إردوغان ليس هو من وضع الأسس الخاطئة التي تقسم النسيج المجتمعي رغم صحة القول إن لإردوغان نفسه دور في وضع أسس خاطئة خاصة به وإذكاء الاستقطاب.

غير أن هذه الأسس الخاطئة لا تكفي لتفسير الصورة القاتمة التي نقف أمامها اليوم. ومن المهم لنا أن نرى مأزق تركيا الحالي باعتباره ليس أمرا عارضا لأنه ليس كذلك وفي هذا السياق تظهر مدى قيمة تعبير الطائفية الدولانية.

لقد وقع الانتقال في تركيا إلى الحكم السلطوي بسرعة لغياب مجتمع متحد تحكمه قيم مشتركة ولأن كل فئة كانت جاهزة للتحالف مع القوة المهيمنة على الدولة من أجل تعزيز مصالحها، وفي سبيل ذلك غضت الطرف عما حل ببقية الفئات، وكذلك لأن التغلب على السلطوية يتطلب مقاومة والمقاومة تحتاج للوحدة لكن الفئات المتعددة التي تتقاسم الفضاء الجغرافي التركي يكن كل منها للآخر الكثير من الاحتقار بقدر ربما يتجاوز احتقارها للسلطويين. كذلك لأن كل فئة بما في ذلك الفئات المقموعة لا ترى سبيلا للخلاص سوى تنشئة زعيم من داخل صفوفها وإحلاله محل الزعيم السلطوي ومن ثم السيطرة على آلية الدولة.

تقف الكلمات عاجزة حين يبدأ الضرب في الميت وحينها لا يكون للتحليل قيمة ولا للمفاهيم معنى. وهنا يصبح الاختيار لزاما بين الإنسانية والموت دون نسيان أن الموتى الحقيقيين هم الحشود التي تضرب الميت.

ربما المطلوب بداية جديدة.. وهذه المرة لن تكون بداية تجتر لنا الماضي.

يمكن قراءة المقال باللغة الانكليزية: