مارك بنتلي
فبراير 13 2018

تباطؤ التضخم في تركيا يجدد الحديث بشأن خفض أسعار الفائدة

شهد معدل التضخم في تركيا انخفاضا حادا في الشهر الماضي فيما يثير الجدل مرة أخرى حول تخفيضات محتملة في أسعار الفائدة من جانب البنك المركزي.
وتشير بيانات من مسؤولين كبار بالحكومة، من بينهم محمد شيمشك نائب رئيس الوزراء الذي ربما يكون أكثر الخبراء تحفظا في سلسلة المسؤولين الاقتصاديين في تركيا، إلى أن الضغط على البنك المركزي لخفض أسعار الفائدة قد يعود قريبا للظهور مجددا.
وربما يكون الرئيس رجب طيب أردوغان أبرز المعارضين علانية من بين السياسيين في أنحاء الأسواق الناشئة بالعالم لاستخدام أسعار الفائدة المرتفعة للسيطرة على التضخم. وسيأتي أي خفض في أسعار الفائدة في وقت تزداد فيه المخاطر على الاقتصادات النامية- حيث من المنتظر أن يرفع مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي أسعار الفائدة القياسية لديه  ثلاث أو أربع مرات هذا العام. والاقتصاد التركي، المتعطش بالفعل للواردات من أجل دعم النمو، يستوعب المزيد والمزيد من السلع من أجل الوفاء بأهداف النمو التي قطعتها الحكومة على نفسها قبل الانتخابات، الأمر الذي يساهم في اتساع عجز ميزان المعاملات الجارية الكبير بالفعل وقد يعيد الضغوط مجددا على الليرة.
وقال شيمشك، وهو خبير اقتصادي سابق لدى ميريل لينش، هذا الأسبوع إن البنك المركزي سيبقي أسعار الفائدة مرتفعة طالما ظل التضخم عند أرقام في خانة العشرات. وأضاف في مقابلة مع بلومبرج أن معدل تضخم دون العشرة بالمئة سوف يستلزم من البنك المركزي "موقفا مناسبا بشأن السياسة النقدية" فضلا عن موقف مالي قوي من جانب الحكومة بهدف السيطرة على الزيادة في الأسعار.
وفيما يعزز موقف المعسكر المؤيد لأسعار الفائدة المنخفضة، فقد تباطأ تضخم أسعار المستهلكين في تركيا إلى 10.4 بالمئة في يناير من 11.9 بالمئة في ديسمبر مسجلا أدنى مستوى في ستة أشهر، وفق ما ذكره مكتب الإحصاءات الحكومي يوم الاثنين. كما تراجع تضخم أسعار المنتجين إلى 12.1 بالمئة من 15.5 بالمئة. وبرغم ذلك، لا يزال معدل التضخم في تركيا أعلى من المتوسط في اقتصادات الأسواق الناشئة بأكثر من ثلاث مرات.
وخلال السنوات القليلة الماضية من حكمه، أحاط أردوغان نفسه بمستشارين اقتصاديين يتفقون مع وجهات نظره غير التقليدية بشأن أسعار الفائدة والنمو.
وجميل إرتيم كبير خبراء الرئيس الاقتصاديين ونهاد زيبكجي وزير الاقتصاد من بين مؤيدي فكر غير تقليدي، يشاركهم فيه أردوغان، بأن ضغوط التكاليف على الصناعة والمنافسة غير الكاملة هما المحركان الرئيسيان للتضخم في تركيا، وليس الطلب الاستهلاكي المفرط. وهما يتفقان أيضا مع نظرية أردوغان الاقتصادية التي تحدث عنها كثيرا والتي تؤكد على أن أسعار الفائدة المرتفعة تسبب ارتفاع التضخم، وليس العكس.

جميل إرتيم
جميل إرتيم

وتعليقا على أحدث بيانات بشأن التضخم سارع إرتيم في مقال بصحيفة مليت يوم الثلاثاء ليشير إلى أن التباطؤ في ارتفاع الأسعار يثبت صحة سياسات أردوغان الاقتصادية التي باتت تعرف باسم "اقتصاديات أردوغان". وقال إرتيم إن الإجراءات الحكومية الرامية للمساعدة في زيادة انتاج الصناعات التحويلية- وذلك إلى حد كبير من خلال برنامج لضمان القروض قيمته 250 مليار ليرة (65 مليار دولار) في العام الماضي، وللتصدي لارتفاع أسعار الغذاء تعني أن تركيا تكسب المعركة في مواجهة التضخم. وأضاف أن النظريات الاقتصادية التقليدية التي يدعمها صندوق النقد الدولي والقائلة بأنه ينبغي استخدام أسعار الفائدة للسيطرة على ارتفاع الأسعار هي نظريات عفا عليها الزمن وخاطئة.
ومثلما أشارت جولديم أتاباي شانلي، وهي من كتاب أحوال تركية وخبيرة اقتصادية سابقة لدى أوني كريديت وريموند جيمس للأوراق المالية، هذا الأسبوع فإن سمعة البنك المركزي فيما يتعلق بمكافحة التضخم تضررت بالفعل. وأضافت أن توقعات البنك بخصوص التضخم البالغة 7.9 بالمئة بنهاية العام "ليست إلا أمنيات". ويستهدف البنك المركزي الوصول بمعدل التضخم إلى خمسة بالمئة في الأجل المتوسط وهو هدف أخفق في بلوغه في السنوات السبع الماضية.
وقالت أتاباي إنه رغم أن من المستبعد إلى حد كبير أن يخفف البنك سياسته النقدية خلال الربع الأول، الذي قد يشهد تباطؤ التضخم إلى ما دون العشرة بالمئة،  إلا أنه قد يذعن للضغوط السياسية إذا زادت بدرجة كافية، مشيرة إلى اجتماع دعا إليه أردوغان في القصر الرئاسي في الأسبوع الماضي مع محافظ البنك المركزي مراد جتين قايا.

تضخم مؤشر أسعار المستهلكين- أسعار المنتجين (على أساس سنوي-بالنسبة المئوية)
تضخم مؤشر أسعار المستهلكين- أسعار المنتجين (على أساس سنوي-بالنسبة المئوية)

وقال أردوغان لدى عودته من الفاتيكان مساء يوم الثلاثاء إن البنك المركزي والهيئة المنظمة للقطاع المصرفي والبنوك التي تديرها الدولة يجب أن "يلعبوا دورا نشطا" في خفض أسعار الفائدة. وأضاف أن البنوك غير الحكومية في البلاد تجني أرباحا طائلة من تحصيل أسعار فائدة على القروض تصل إلى 20 بالمئة وإنه قد حان الوقت لإنهاء هذه الممارسات.
وجعلت الضغوط السياسية في الماضي البنك المركزي التركي يعتمد مرونة مذهلة فيما يتعلق بسياسته لأسعار الفائدة لدرجة أن سعر الفائدة القياسية لدى البنك- سعر إعادة الشراء البالغ 8 بالمئة- لم يعد قائما تقريبا كمعيار للسياسة النقدية. ويملك البنك المركزي حاليا أربعة أسعار للفائدة يمكنه التعامل بها، منها سعر نافذة السيولة المتأخرة. ورفع البنك سعر نافذة السيولة المتأخرة 50 نقطة أساس إلى 12.75 بالمئة في ديسمبر بعدما قفز مؤشر أسعار المستهلكين إلى 13 بالمئة في الشهر السابق مسجلا أعلى مستوى له في 14 عاما.
ومع اقتراب الانتخابات، حيث من المقرر إجراء الانتخابات الرئاسية والبرلمانية وكذلك المحلية في العام القادم على أبعد تقدير- ستكون الحكومة حريصة على أن يخفف البنك المركزي السياسة النقدية من أجل تعزيز خلق الوظائف. وقد يختار البنك إما خفض أسعار الفائدة بشكل مباشر أو خفض متوسط تكلفة التمويل لدى البنوك من خلال زيادة الإقراض بواحد من أسعار الفائدة المنخفضة لديه.
وقال تيم آش، كبير الخبراء الاستراتيجيين لدى صندوق التحوط (بلوباي لإدارة الأصول) في لندن في مذكرة للمستثمرين إن العملية العسكرية التركية في سوريا المجاورة تعني أنه يوجد حاليا احتمال كبير أن يقدم أردوغان موعد الانتخابات لتجرى في الصيف، ربما لتتزامن مع الذكرى السنوية لمحاولة الانقلاب في 15 يوليو. وتعكس توقعات آش تكهنات أوسع نطاقا بأنه يجري بالفعل الإعداد لإجراء انتخابات مبكرة.
وبالنسبة لأردوغان فإن الكثير يتوقف على الانتخابات- فالفوز بها سيعني التنفيذ الكامل لنظام الحكم الرئاسي الجديد في تركيا، الذي تمت الموافقة عليه في استفتاء في أبريل الماضي. وترك الانتخابات حتى العام القادم ينطوي على مجازفة كبيرة لأردوغان وحزب العدالة والتنمية الحاكم الذي يتزعمه، نظرا لأن مجلس الاحتياطي الاتحادي الأميركي والبنك المركزي الأوروبي بصدد إنهاء برامجهما للتحفيز، وهو ما قد يوقف تدفق الأموال على الأسواق الناشئة ذات المخاطر الأعلى.
وقال آش "يبدو أن أردوغان يحشد الخطاب والزخم القومي وراءه، سوف يراقب استطلاعات الرأي، وربما يدرك أن الوضع الاقتصادي هش". وأضاف "كلما طال الوقت حتى الانتخابات، زادت على الأرجح مخاطر الأحداث العالمية هذا العام، وهو ما يترك الليرة التركية شديدة التقلب منكشفة للغاية على المخاطر- وسوف يضطر البنك المركزي التركي حينئذ لرفع الفائدة بقوة من أجل مواصلة النشاط".
وسيفرض خفض الفائدة في الواقع مخاطر كبيرة على الاقتصاد التركي إذا تحولت المعنويات العالمية تجاه الأسواق الناشئة إلى سلبية. وفي ظل تسبب حالة الطوارئ، السارية منذ محاولة الإنقلاب في 15 يوليو 2016، في تقلص تدفقات الاستثمارات الأجنبية، تعتمد تركيا على تدفقات المحافظ قصيرة الأجل- أي، مشتريات الأجانب من الأسهم والسندات-  لتمويل عجز المعاملات الجارية  مع زيادة واردات السلع الصناعية والاستهلاكية.
واتسع عجز ميزان المعاملات الجارية بواقع 1.9 مليار دولار في نوفمبر إلى 4.2 مليار دولار، ليرتفع العجز في 12 شهرا متتاليا إلى 44 مليار دولار وهو ما يعادل أكثر من 5 بالمئة من الناتج المحلي الإجمالي. في الوقت نفسه يرتفع الإنتاج الصناعي وأظهرت بيانات هذا الأسبوع نمو مبيعات التجزئة 5.4 بالمئة في ديسمبر إلى أعلى مستوى في 12 شهرا. وقفزت ثقة المستهلكين إلى 72.3 في يناير لتنهي خمسة أشهر من الانخفاض.

وتدعم البيانات مخاوف بعض الاقتصاديين من أن الاقتصاد يشهد نموا محموما يزداد فيه الطلب كثيرا على العرض، وهو ما يجعل خفض أسعار الفائدة أشد خطورة.

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا: