ذو الفقار دوغان
فبراير 24 2018

تحالف العدالة والتنمية والحركة القومية، يضرب بالدستور والقوانين في تركيا عرض الحائط

 

بعد أن أعلن حزب الحركة القومية التركي المعارض، تحالفه مع العدالة والتنمية الحاكم، ودعمه للرئيس رجب طيب أردوغان في الانتخابات الرئاسية والبرلمانية المقرر إجراؤها عام 2019، أعلن الأول أنه لن يرّشح رئيسه، دولت بهجه لي في الانتخابات الرئاسية، وسيدعم أردوغان لذات المنصب. وترتب على هذه التحالف إنشاء لجنة مشتركة من الحزبين لتنسيق الأمر أُطلق عليها اسم "لجنة الاتفاق الوطني" التي قدمت مؤخرًا لرئاسة البرلمان، مقترحًا أعدته لإجراء حزمة تعديلات تشمل 26 مادة دستورية.
مصطفى شن طوب، رئيس لجنة الدستور والعدالة بالبرلمان، نائب العدالة والتنمية عن ولاية إسطنبول، ومصطفى قالايجي، أمين عام حزب الحركة القومية، نائبه البرلماني عن ولاية قونيا، أدليا بتصريحات صحفية من داخل المكتب الإعلامي للبرلمان، وكشفا خلالها عن تفاصيل حزمة التعديلات المشتركة للحزبين، وقالا إنها تشمل 26 مادة واردة في "قانون الانتخابات، وقانون الإدارات المحلية، وقانون الأحكام الأساسية للانتخابات وسجلات الناخبين، وقانون الأحزاب السياسية".
وبعد التصريحات التي أدلى بها النائبان، وما وجه لهما من أسئلة أجابا عليها للصحفيين، انتهى المؤتمر الصحفي، ودار على إثر هذا حوار بين الصحفيين وهم يلومون أنفسهم قائلين "في الحقيقة كان ينبغي طرح هذا السؤال: ما الحاجة لتعديل 26 مادة، وما كان الداعي لتضييع 100 ساعة عمل من أجل إنجاز ذلك ؟".
كان يكفي تشريع مكون من مادة واحدة فقط ألا وهي: "الرئيس أردوغان، والعدالة والتنمية سيفعلون كل ما في وسعهم وباستماتة كي لا يخسروا الانتخابات، ولأجل ذلك سيُضرب بالدستور والقوانين عرض الحائط، ولن يكونوا عائقًا أمام ما يسعى إليه الحزب والرئيس. ولن تكون هناك عتبة انتخابية لحزب الحركة القومية، وكذلك لحزب الاتحاد الكبير إذا انضم للتحالف المذكور. وأن حزب العدالة والتنمية سيتعطف ببعض النواب على أحزاب التحالف".
لكن أي صحفي لديه القدرة على طرح هذا السؤال؟.
 
ووفق مقترح التعديل المطروح، فإن نسبة الأصوات التي ستأخذها الأحزاب المكونة للتحالف الانتخابي، سيتم حسابها وفق إجمالي الأصوات الصحيحة التي سيحققها ذلك التحالف. وإذا ما تخطت أصوات التحالف حاجز العتبة الانتخابية المقدرة بـ10 في المائة، فإن هذا يعني أن كافة الأحزاب المكونة له تكون قد تخطت العتبة أيضًا بشكل تلقائي.
كما أن حساب عدد نواب التحالف، سيتم من خلال إجمالي الأصوات. وفيما بعد سيتضح عدد نواب كل حزب بالتحالف على حدى، من خلال حساب ذلك بطريقة "هوندت" وهي طريقة رياضية يمكن بواسطتها التعرف علي نتيجة توزيع المقاعد على القوائم للتوزيع النسبي للمقاعد البرلمانية للأحزاب، وذلك بالنظر إلى الأصوات الصحيحة التي حققتها أحزاب التحالف.
ومن ثم فإن حزب الحركة القومية سينجح بذلك في حل معضلة العتبة الانتخابية التي أظهرت استطلاعات الرأي الأخيرة أنه سيكون دونها لو خاض الانتخابات بمفرده، كما أن حزب الاتحاد الكبير سينجح في الحصول على عدد من النواب في البرلمان وهو الذي الذي لم يفلح في كافة الاستحقاقات الانتخابية التي خاضها حتى اليوم في الحصول على نسبة أعلى من 1 إلى 2 في المائة من إجمالي المصوتين، وكان دائمًا ما يشار إليه في استطلاعات الرأي تحت تصنيف "أخرى".
وفضلا عن ذلك فإن كل الأحزاب المنخرطة في التحالف المذكور، ستحظى بالحصول على دعم مالي من خزينة الدولة، لأن إجمالي الأصوات التي سيحصل عليها التحالف هي التي سينظر إليها لتحديد مسألة تخطي العتبة الانتخابية.
ومن الطبيعي أن تدافع أركان حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، عن هذا النظام بذريعة "الاستقرار". لكن التغييرات الدستورية المطروحة بينها سلسلة تعديلات أبرزها تلك المتعلقة بأمن صناديق الانتخاب، والتمييز بين الأصوات الصحيحة وغير الصحيحة، وصلاحية نقل الصناديق، وضم المناطق الانتخابية "مترامية الأطراف" لبعضها البعض، تلك الصلاحية التي منحت للهيئة العليا للانتخابات.
هذا إلى جانب تعديلات متعلقة بسجلات الناخبين، وبتشكيل لجان وصناديق انتخابية متنقلة، ونقل الناخبين المقيمين في نفس العنوان، إلى صناديق ومناطق انتخابية مختلفة عن بعضها، وإلغاء إمكانية تأكد المقيمين في نفس البناية من معرفة من سُجّل منهم كناخبين، ومن استخدم صوته الانتخابي، وكذلك تقنين قرار "الأخذ بصحة أوراق التصويت والمظاريف غير المختومة" الذي أثار جدلًا حول الاستفتاء الدستوري الذي جرى يوم 16 إبريل 2017، وجعله مشكوكًا فيه،... إلخ.
 
وتعليقًا على هذه الأمور تحدث إلى موقع "أحوال تركية" البروفيسور نجدت باسا، الأمين العام السابق للبرلمان التركي، أستاذ الحقوق، وكبير مستشاري، متين فايز أوغلو نقيب المحاميين الأتراك، الذي دعا أعضاء نقابة المحاميين في 81 ولاية للاجتماع السبت 24 فبراير بالعاصمة أنقرة. وفي هذا الصدد قال البروفيسور باسا:
"مقترح التعديل الدستوري المقدم يجعل من تركيا جمهورية موز، ويهدف  للقضاء كليًا على مفاهيم الدستور والقانون والتشريع، كما يرمي إلى إعداد الوجهة القانونية للديكتاتورية...
الرئيس العراقي صدام حسين كان يجري انتخابات، وكذلك رئيس النظام السوري بشار الأسد، وفي شهر مارس المقبل يعتزم الرئيس المصري عبد الفتاح السيسي إجراء انتخابات رئاسية. فلا شك أن إسكات الجميع، وإجراء انتخابات محسومة النتائج، أكثر طريقة يحبذها المستبدون، ويسجلون بها أنفسهم بنسب تصويت تتراوح بين 80 و90 في المائة".
ولفت البروفيسور باسا إلى أن هذا المقترح يبدو وكأنه انعكاس لحالة الذعر والقلق التي تصيب حزب العدالة والتنمية، بسبب معرفته الجيدة بأن احتمال فقده السلطة وارد بقوة. وأضاف قائلًا:
"بداية هذا المقترح نتاج معرفة حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية جيدًا أن الحزب الأخير سيكون تحت حاجز العتبة الانتخابية في الانتخابات المقبلة. فالحزب الحاكم يهدف من وراء هذا المقترح، وذلك التحالف إنقاذ الحركة القومية، ورئيسه دولت بهجه لي، إلى جانب رغبته في جذب الأحزاب الصغيرة إليه وربطها به من خلال إغرائها بعضوية نائب أو نائبين، فضلا عن الإغراء المالي بدعم من خزينة الدولة.
أي أن الأحزاب المنخرطة في هذا التحالف، سيكون لها نواب في البرلمان حتى ولو حصلت على نسبة 0.5 في المائة من الأصوات. ومن الواضح للجميع أن هذا الأمر يتنافى مع القانون بشكل عام، وقانون الأحزاب السياسية بشكل خاص، فضلًا عن تنافيه مع مبدأ المساواة الذي نص عليه الدستور. إذ على الجانب الآخر سنجد أن الأحزاب التي لم تدخل هذا التحالف، إذا حصلت على نسبة 9.99 في المائة من الأصوات لن يكون لها نواب في البرلمان، لعجزها عن تخطي حاجز العتبة الانتخابية، وبالتالي ستبقى خارج أروقة البرلمان. فهذه التعديلات أشبه بتعديلات يجريها صانع القباقيب بقدّومه. فنظام الدولة بأكمله سيقوم على هذا التحالف والائتلاف. فماذا يمكن العمل ؟ هل سنثق في اللجنة العليا للانتخابات؟ أم المحكمة الدستورية؟ فكل الأوضاع والأحوال بادية للجميع، لكن يتعين توضيح كافة شيء للشعب."
 
في ذات السياق وعن نفس الموضوع تحدث لـ"أحوال تركية" البروفيسور أوميت أوزداغ، نائب رئيس "الحزب الصالح" الذي لن يكون ضمن الأحزاب السياسية التي لها حق المشاركة في الانتخابات، وفق ما أعلنت عنه مؤخرًا اللجنة العليا للانتخابات. أوزداغ وصف التحالف بين حزبي العدالة والتنمية والحركة القومية، بـ"القذر".
وذكر البروفيسور أوزداغ أيضا أن تركيا تبتعد سريعًا عن مسار الديمقراطية، وأضاف في ذات الصدد قائلا:
"من يقولون إنهم ضد الائتلافات منذ سنوات، نراهم الآن ينضمون لعقد تلك الائتلافات. و ليلة الاستفتاء القذر في 16 أبريل 2017، تم ومن خلال الصناديق اختطاف اللجنة العليا للانتخابات. ففي تلك الليلة اغتصبت اللجنة المذكورة حق البرلمان، والإرادة الشعبية. واليوم ومن خلال مقترح التعديلات الدستورية يقننون ما اغتصبته اللجنة.
ويمكنني القول إن هذا المقترح بمثابة مكيدة وفخ نصبه من يخافون من الشعب، ويهربون منه، نصبوه خلف أبواب موصدة ضد إرادة الشعب. ومثلما قاومتُ أنا وأربعة نواب في البرلمان ليلة استفتاء 16 أبريل، فإننا الآن كحزب سياسي، سنقاوم حتى النهاية مؤامرات هذا التحالف القذر، ولن نسمح مطلقًا بسرقة الإرادة الوطنية".
مقترح التعديل الدستوري، يعطي اللجنة العليا للانتخابات وتحت ذريعة الأمن، صلاحية إجراء أية تعديلات بخصوص الجمع بين المناطق الانتخابية المختلفة، ونقل الصناديق الانتخابية لمناطق أخرى يتم تحديدها، وتكون هذه الصلاحية سارية حتى قبيل إجراء الانتخابات بشهر.
ولا شك أن المادة المتعلقة بهذه الصلاحية، تستدعي لأذهان الجميع وبقوة الحوادث الإرهابية في مناطق شرق وجنوب شرقي البلاد. ولا يوجد أية عائق أو مانع أمام تطبيق هذه الصلاحية التي لا حدود لها، في أنقرة، وإسطنبول، وآضنة، ومرسين، وإزمير، وأنطاليا، وغيرها من المدن الكبرى في عموم تركيا.
كما أن هذه الصلاحية يمكن تفعيلها بقوة من خلال الجمع بين المناطق الانتخابية، ونقل الصناديق لمناطق أخرى، وذلك في الأحياء التي تشهد عمليات أمنية في عدد من المدن، مثل أحياء غازي، وسلطان غازي، وغول صويو، بمدينة إسطنبول، وأحياء طوزلو جاير، ودِكْمَن بالعاصمة أنقرة، فضلا عن مناطق بولايتي آضنة ومرسين، تشهد إقبالًا من نازحين من جنوبي شرقي البلاد.
وبالتالي فإنه من خلال الطلبات التي سيقدمها حكام الولايات للجنة العليا للانتخابات، فإن المناطق الانتخابية قد يطرأ عليها تغيير قبل موعد إجراء الانتخابات بشهر واحد، وستترتب على ذلك أيضا عملية نقل الناخبين والصناديق الانتخابية. وإن كان اختيارهم سيتم بموجب قرعة، فإن حتمية كون رؤساء اللجان الانتخابية من الموظفين العموميين، فضلا عن خطوة تقنين الأخذ بصحة أوراق التصويت والمظاريف غير المختومة من قبل اللجان الانتخابية، كلها أمور أثارت الجدل من الآن حول أوراق التصويت المزورة،  والمكررة، والمشكوك فيها.
 
أيهان بيلغين من حزب الشعوب الديمقراطي، قال في تصريحات لموقع "أحوال تركية" إن تركيا قبل هذه التعديلات المطروحة، وصلت لوضع دولة تمارس السياسية في ظل خطر شديد، وفي أجواء معبئة بحالة الطوارئ المعلنة منذ فترة.
وأوضح بيلغين أن الهدف من مقترح التعديلات الدستورية المذكورة هو "تفعيل تعديلات لتهيئة بناء اجتماعي ثنائي القطبين، وبالتالي تمهيد الطريق أمام سياسة ثنائية الحزبين وهي التي كان يهدف إليها استفتاء 14 أبريل 2017. فهم بذلك يريدون إجبار المتواجدين خارج تحالفهم إما للانضمام لهم أو ترك عالم السياسة بالكلية. ولا شك أن هذا الأمر ينطوي على مخاطر كبيرة للغاية بالنسبة لتركيا".
وشدد بيلغين على أن الهدف الرئيس من كل ذلك هو دفع حزب الشعوب الديمقراطي ليكون خارج المعادلة السياسية تمامًا في تركيا، مشيرًا إلى أن المواطنين والناخبين على دراية كبيرة بما يراد له أن يكون، وفي السابق أظهر هذا الشعب أنه بإمكانه الردّ على مثل هذه المحاولات بردود لا يتوقعها أحد على الإطلاق.
كما شدد أيهان بيلغين على أن المستهدف من مسألة توحيد المناطق والصناديق الانتخابية، هو حزب الشعوب الديمقراطي في المقام الأول، وبقية أحزاب المعارضة، وأضاف في ذات السياق قائلا "هم يهدفون من خلال نظام العتبة الانتخابية حماية وإنقاذ بعضهم البعض، وتضييق الخناق على الوجود السياسي لمن هم خارج تحالفاتهم. فمع كل إخبارية سيتم استدعاء قوات الأمن المسلحة لتقف على رأس الصناديق الانتخابية. فبهذه الصلاحيات الممنوحة لموظفي الأمن، يهدفون لإرهاب، وتخويف من يفكرون في عدم التصويت لهم، يريدون بهذه الصلاحيات إبعاد المعارضين لهم عن الاقتراب من الصناديق".
 
أمّا أنغين أوزكوتش، نائب رئيس الكتلة النيابية لحزب الشعب الجمهوري المعارض، فأكد أنهم سيقاومون بكافة الصور وحتى النهاية، التحالف، واقتراح التعديلات الدستورية، داخل أروقة البرلمان، وفي لجانه المختلفة، مشيرًا إلى أن التعليمات التي أصدرها رئيس الحزب، كمال قليجدار أوغلو، خلال اجتماع المجلس التنفيذي المركزي للحزب، كانت في هذا الاتجاه.
وأوضح أوزكوتش أن حزب العدالة والتنمية يعرف جيدًا أنه فقد كافة الفرص لينفرد فيما بعد بالسلطة، لذلك يفعل الآن عكس كل ما كان يقوله من قبل، وبات يهرول ويتشبث بالتحالفات والائتلافات.
وتابع المعارض التركي مشددًا على أن التعديلات المذكورة في المقترح الجديد، تعتبر بمثابة اعتراف ضمني بصحة الطعون التي قدمها حزب الشعب الجمهوري من قبل ضد أوراق التصويت غير المختومة، واعتراف كذلك بعدم شرعية القوانين، كما أن هذه التعديلات بمثابة مسعى لخلق غطاء قانوني، وتابع قائلا:
"ما يريدون فعله هو أن يصبح موظفو حزب العدالة والتنمية، أي موظفو دولة الحزب، على رأس الصناديق الانتخابية. ليقوموا بإبلاغ الشرطة وقوات الأمن على الفور، ليأتوا من أجل إبعاد كل من يريد منع أي ظلم أو تزوير يراه في الصندوق. وهذا مع الأسف يطلقون عليه اسم انتخابات. لا شك أننا عازمون على المقاومة بكافة الأشكال الممكنة داخل الجميعة العامة للبرلمان، وفي اللجان المختلفة".
 
بدوره تحدث مراد غزيجي، مدير عام مركز غزيجي للأبحاث، لموقع "أحوال تركية" في هذا الشأن، وقال إن الانتخابات أو التحالفات بين الأحزاب السياسية لا تسفر في كل وقت عن نتائج مرغوب فيها، مشيرًا أن التحالف الحالي بين العدالة والتنمية والحركة القومية "قد يسفر عن خسرانٍ مبين".
كما أوضح غزيجي أنهم بصدد إعداد دراسة بعد ترتيب التحالف المذكور، حتى يتسنى لهم التحدث بلغة الأرقام، وأنهم سيشاركون نتائجها مع الرأي العام، وأضاف بذات الصدد قائلا:
"لقد شهدت الجمهورية التركية تحالفات من قبل، لكن مع الأسف أدت إلى نتائج سيئة على المستوى الاجتماعي. وكان أول تحالف ذلك الذي حدث في 31 مارس 1975 من قِبَل الرئيس الراحل سليمان ديميريل الذي وحد بين الأحزاب اليمينية. وقد أدى هذا التحالف إلى إذكاء حالة الاستقطاب في البلاد، ورفع وتيرة العنف في الشوارع.
التحالف الذي أُقيم في تلك الفترة قاد البلاد كما تعلمون إلى انقلاب 12 سبتمبر 1980. ومن ثم إذا فكرنا في مسألة الاستقطاب، لوجدنا أن الوضع الذي تشهده البلاد حاليًا لا يختلف عن ذي قبل، فالعدالة والتنمية يريد الحصول على نسبة 50 في المائة + واحد، أما الحركة القومية فرغبته ضمان تخطي العتبة الانتخابية.
وهم يعتقدون أنهم بهذا الشكل سيضمنون الأغلبية في البرلمان، لكن عليهم ألا ينسوا أن إعلان الجبهة القومية بزعامة سليمان ديميريل وعضوية الأحزاب اليمينية الأخرى، عام 1975 لعرقلة فوز حزب حزب الشعب الجمهوري بالحكم، كانت محاولة فاشلة لم تجدِ في شيء على الإطلاق. ففي انتخابات 1977 بلغ معدل أصوات الشعب الجمهوري 42.39%، وأصبح الحزب الأول بـ213 نائبًا في البرلمان. لذلك فإن استدعاء قوات الأمن خلال العملية الانتخابية المقبلة بموجب التعديلات المقترحة، سيؤدي إلى خلق نوع من الضغوط على الناخبين، ولا شك أن كل هذه الممارسات قد تكون بعيدة كل البعد عن نظم الانتخابات العادلة والشفافة".
 
وكما شاهدنا فإن حزب الشعب الجمهوري بزعامة بولنت أجاويد، تمكن من الخروج منتصرًا في انتخابات 1977 رغم "الجبهة القومية" التي استشهد بها غزيجي في تصريحاته، حيث تغلب على أربعة أحزاب تحالفت وكونت هذه الجبهة مجتمعة.
والآن نحن بصدد اتفاق وطني الهدف الرئيس منه هو تعزيز ثقافة الاستقطاب على أساس وطني وآخر غير وطني. ولا جرم أن الرئيس رجب طيب أردوغان استغل المحاولة الانقلابية في 15 يوليو 2016، وعملية السلام مع الأكراد التي تم الإعلان عن انتهائها، لحشد الناس للتصويت لصالح التعديلات الدستورية الأخيرة، واستنفذ في هذا الصدد إمكانيات الدولة بكافة أشكالها في صراع التصويت بنعم ولا، والآن نراه مع حزب الحركة القومية يستغلون عملية عفرين التي تشنها القوات العسكرية التركية شمالي سوريا، لحشد الناس للوقوف وراء تحالفهما.
وسائل الإعلام، والكتّاب المقربين من الحكومة، يرون أن عملية "غصن الزيتون"، ستفتح الطريق أمام ارتفاع أصوات أردوغان والعدالة والتنمية في الانتخابات المقبلة. لكن هنا عليهم ألا ينسوا نموذج بولنت أجاويد فاتح جزيرة قبرص عام 1974، لكنه رغم هذا خسر الحكم بسبب الأزمات الاقتصادية التي شهدتها البلاد.
فبولنت أجاويد خرج في انتخابات 1999 فائزًا بالمركز الأول، وكان السبب في ذلك اعتقاله الزعيم الكردي عبد الله أوجلان في كينيا، وإحضاره إلى تركيا، ومع هذا فإن الأزمة الاقتصادية عام 2001، دفعت به وبحزبه، وشركائه في الحكومة إلى خارج جدران البرلمان.
 
والآن أيضًا فمن الوارد جدًا وكما شاهدنا في النماذج السابقة، أن تتسبب المشاكل والمعضلات التي يشهدها الاقتصاد التركي، في الإطاحة بأحلام التحالف المذكور في الفوز بانتخابات 2019، لا سيما إذا استمرت أجواء عملية غصن الزيتون حتى شهر نوفمبر من ذات العام.
 
يُمكن قراءة التحقيق باللغة التركية أيضاً: