ديسمبر 17 2017

تحالف الغاز التركي ـ الروسي: اجتماع المصالح والاستراتيجيات

يشهد عالمنا اليوم مزيدا من التحالفات التي صار بعضها يخرج عن اطار التحالفات العسكرية الى نوع جديد من التحالفات التي ترتبط بالمصالح والاستراتيجيات ومنها ما يعرف بتحالفات الطاقة.
ويشكل الغاز الطبيعي احد اهم مصادر الطاقة التي صارت تقود الى تحالفات واشكال شتى من المنافسة بين كبار المنتجين.
وتعدّ تركيا من اكثر البلدان فقرا على صعيد الطاقة والغاز بشكل خاص وما انفكت تستورد الغاز بكميات هائلة تستنزف ميزانيتها عاما بعد عام.
ولهذا جاء مشروع الغاز التركي – الروسي فرصة سانحة لتركيا لكي تدخل سوق الغاز بقوة وتحرر نفسها من الاستنزاف المستمر في استيراده.
وتعد تركيا ثاني أكبر مستهلك للغاز الروسي بعد ألمانيا، وتستورد نحو 30 مليار متر مكعب من الغاز الروسي سنويا عبر خطي أنابيب “بلو ستريم” الذي يمر تحت البحر الأسود الشرقي، و”الخط الغربي” عبر البلقان.
ومشروع السيل التركي أو ما يعرف بـ"تركش ستريم"، هو مشروع بناء خطوط أنابيب لنقل الغاز الطبيعي من روسيا إلى تركيا ودول أوروبية، مروراً بالبحر الأسود إلى البر التركي، لينتهي عند الحدود التركية اليونانية، حيث يفترض إقامة مستودعات ضخمة للغاز، ومن ثم توريده للمستهلكين في شرق ووسط أوروبا.
وأعلن عن "السيل التركي" رسمياً في الأول من ديسمبر/كانون الأول 2014، من طرف الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، أثناء زيارة له إلى تركيا.

بوتين يوقّع على خط الانابيب مؤذنا بانطلاق المشروع
بوتين يوقّع على خط الانابيب مؤذنا بانطلاق المشروع

وبموجب هذا المشروع  اقترحت روسيا بناء أربعة خطوط أنابيب جديدة على مسافة 2.300 كيلومتر تمر عبر البحر الأسود وبلغاريا، ومن ثم تصل إلى البلدان الأوروبية، وحمل هذا المشروع اسم "ساوث ستريم".
لكن المفوضية الأوروبية أبدت اعتراضها على المقترح الروسي، ووجدت بلغاريا -البلد العضو في الاتحاد الأوروبي- نفسها أمام ضغوط بروكسل بالإضافة إلى الضغوط الأميركية التي أرادت إفشال المشروع والدفع بأوروبا إلى التقليل من تبعيتها الطاقية لروسيا عبر توريد الغاز من بلدان آسيوية أخرى (أذربيجان وتركمنستان وإيران أيضا).

يدخل مشروع خط أنابيب السيل التركي الذي سينقل 15.75 مليار متر مكعب من الغاز الروسي إلى تركيا، حيّز الاستخدام خلال 2019.

ومشروع خط أنابيب السيل التركي، يتكون من خطين، أحدهما لتلبية احتياجات تركيا من الغاز الطبيعي، والخط الثاني لنقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر الأراضي التركية.

مسار خط السيل التركي الروسي لنقل الغاز الى اوربا
مسار خط السيل التركي الروسي لنقل الغاز الى اوربا

وأوضح المسؤولون أن الطريق الذي سيسلكه الخط الثاني للمشروع، الهادف لنقل الغاز الروسي إلى دول القارة الأوروبية عبر الأراضي التركية، ما زال قيد المباحثات. 

وأضاف المسؤولون أن القسم الذي يعبر البحر الأسود، تنفذه شركة غازبروم الروسية، وأنّ مشروع "السيل التركي" يتكوّن من خطين لأنابيب نقل الغاز بسعة 31.5 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي.

وأشار المسؤولون أنّ المشروع يبدأ من ساحل أنابا الروسية، ويدخل الأراضي التركية من منطقة قيكوي التابعة لولاية قرقلار إيلي غربي البلاد.ولفت المسؤولون إلى أنه سيتم إنشاء محطة لاستقبال الغاز الطبيعي الروسي في منطقة قيكوي، وأنّ شركة بوتاش التركية ستتكفّل بإنشاء أنابيب لنقل الغاز الروسي من منطقة قيكوي إلى منطقة لولابرغاز في الولاية نفسها.
وكانت الجريدة الرسمية التركية قد نشرت  قراراً بالموافقة على الاتفاق المبرم بين حكومتي أنقرة وموسكو لإنشاء مشروع السيل التركي لنقل الغاز الطبيعي الروسي إلى تركيا ومنها إلى أوروبا.
وينص القرار على إنشاء خطّين من أنابيب الغاز الطبيعي ضمن مشروع السيل التركي الذي يتناسق مع مبدأ التعاون القائم على المصلحة التجارية والاقتصادية المشتركة والعادلة بين روسيا وتركيا. ويتسع الخطان لـ 15.75 بليون متر مكعب من الغاز الطبيعي، الأول سيكون مخصصاً لتركيا والثاني لنقل الغاز الطبيعي الروسي عبره إلى أوروبا إذا ما تم الحصول على ضمانات في هذا الخصوص.
ووقّعت حكومتا البلدين في 10 أكتوبر الماضي، على الاتفاق في إسطنبول بحضور رئيسي البلدين رجب طيب أردوغان وفلاديمير بوتين. وفي 16 من الشهر نفسه، أقرت الحكومة الروسية المشروع. 

بوتين يضع يده معلنا انطلاق المشروع من الجانب الروسي
بوتين يضع يده معلنا انطلاق المشروع من الجانب الروسي

وصرّح رئيس شركة الغاز الروسية" غازبروم" أليكسي ميللر بالبدء بإنشاء القسم البحري من المشروع وان "غازبروم" وصلت إلى مرحلة تقييم الشركات المتعهدة في إطار المشروع. وقال" كلا خطي السيل التركي الأول والثاني، سيدخلان الخدمة نهاية 2019".
وقال ميلر مخاطباً الرئيس الروسي، فلاديمير بوتين، إن الخط الأول من خط الأنابيب تركيش ستريم سيكون جاهزاً في مارس 2018، والخط الثاني في 2019.
ومن المنتظر أن يمد الخط الأول من تركيش ستريم تركيا وحدها بالغاز، في حين يهدف الخط الثاني إلى نقل الغاز الروسي عبر البحر الأسود إلى جنوب وجنوب شرق أوروبا.
وقال بوتين للرئيس التركي، رجب طيب أردوغان، هاتفياً من على متن السفينة بايونيرينغ سبيريت، التي تعمل على بناء خط الأنابيب في البحر الأسود: "أنا هنا كي أشارك في بداية العمل بالجزء المار في المياه العميقة من خط الأنابيب تركيش ستريم".
وأضاف بوتين: إن "تركيا وروسيا بحاجة إلى الاتفاق على نقطة دخول تركيش ستريم".
ويتألف المشروع من أربعة خطوط تبلغ قدرتها الإمدادية الإجمالية 63 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي سنوياً، وتقتصر المرحلة الأولى من المشروع على مد خط وحيد من الخطوط الأربعة، بطاقة استيعابية تناهز 16 مليار متر مكعب، سوف تذهب كلها لسد احتياجات تركيا من الغاز الطبيعي.
من جانبه أكد وزير الطاقة الروسي ألكسندر نوفاك في صحفية إن أوروبا تولي اهتماما كبيرا لمشروعي السيل التركي والسيل الشمالي - 2، لافتا إلى أن المشروعين سيدعمان أمن إمدادات الطاقة لأوروبا وتنوع مصادرها.
وأشار إلى أنه تم إنجاز نحو 170 كيلومترا من أنابيب خط السيل التركي جرى مدها تحت مياه البحر الأسود.
وبالنسبة لمشروع السيل الشمالي - 2، يبلغ طوله ألفا و220 كيلومترا، ويصل روسيا بالدول الأوروبية عبر بحر البلطيق؛ ويهدف إلى تصدير 55 مليار متر مكعب من الغاز الطبيعي الروسي إلى أوروبا في العام الواحد.

اردوغان وبوتين يريان في المشروع شراكة استراتيجية تحقق لهما مصالحهما الاقتصادية
اردوغان وبوتين يريان في المشروع شراكة استراتيجية تحقق لهما مصالحهما الاقتصادية

 أن مشروع السيل التركي، رمز رائع لنهج الربح المتبادل ورمز لسياستنا الخارجية التي ترى أنه ينبغي للطاقة أن تكون أداة سلام لا أداة حرب.

وأن مشاريع الطاقة بين البلدين وعلى رأسها الغاز الطبيعي، هي جزء مهم وموثوق لأمن إمدادات الطاقة للبلدين منذ 30 عاما وأن روسيا لاعب طاقة مهم في المنطقة لامتلاكها موارد واسعة من الغاز الطبيعي وبنية تحتية قوية لها.

اردوغان

وكانت شركة الغاز الروسية "غازبروم" قد أعلنت نهاية العام الماضي أنه سيتم البدء بضخ الغاز في الربع الرابع من عام 2019.
ويضم مشروع بناء خط أنابيب الغاز "السيل الشمالي 2" ائتلاف شركات متخصصة في مختلف المجالات، يضم كلا من شركة "غازبروم" التي تستحوذ على حصة 51%، وشركة "E.ON" الألمانية بنسبة تبلغ 10%، وشركة "Royal Dutch Shell" الهولندية البريطانية بنسبة 10%، وشركة "OMV" النمساوية بنسبة 10%، ومجموعة "باسف" الألمانية بنسبة 10%، وشركة "Engi" الفرنسية بنسبة 9%.

وذكرت صحيفة "كوميرسانت" في وقت سابق نقلا عن مصدر في "غازبروم" أن شركات مثل "سايبم" الإيطالية، و"تكنيب" الفرنسية الهندسية، و" Allseas" السويسرية، "Royal IHC" الهولندية تتنافس للمشاركة في مناقصة الشركة الروسية لبناء خط أنابيب نقل الغاز "السيل الشمالي-2".

وأضاف وزير الطاقة الروسي أن موسكو مازالت مستعدة لمد خط أنابيب نقل الغاز الروسي إلى أوروبا عبر تركيا "السيل التركي"، إذا أبدى الشركاء 
من جهته قال مدير شركة “أنكورا غاز” التركية، “غوكهان ياردم”، إن “مشروع سيل التركي لنقل الغاز الطبيعي، سترسم ملامح العلاقات بين تركيا وروسيا للسنوات العشرين المقبلة”، مشيرا أن “تركيا ستستورد 4 مليارات متر مكعب إضافي من الغاز الروسي عند استكمال المشروع.
يذهب الباحث محمد محفوظ الى أن الاستراتيجية الروسية بمحاورها وبأبعادها المتعددة قد نجحت نجاحاً باهراً، فقد أيقنت بأنها أجهضت مشروع نابوكو الأوربي – الأميركي وجعلته يولد ميتاً بعد أن جففت كل المصادر المحتملة لأي شكل من أشكال هذا المشروع.

 كلا خطي السيل التركي الأول والثاني، سيدخلان الخدمة نهاية 2019
كلا خطي السيل التركي الأول والثاني، سيدخلان الخدمة نهاية 2019

 بعد أن اتضح جلياً أنه ليس من العقل بناء أنبوب لنقل غاز لا يوجد له من يزوده أو يمده بالغاز أو حتى يقبل بحق المرور عبر الملك المشاع، ولم تتردد روسيا في المحافل الدولية بسخريتها من المشروع، والذي اعتبرته نزعة أو زوبعة موسيقية سياسية، وأنها ردت «نابوكو» إلى معناه الأصلي وأنه لا يتعدى كونه إنشادا فوضويا يؤديه الأمريكان والأوروبيون يذكرنا بالكورس الساخر في أوبرا نابوكو الذي يضم العبيد العبريين المبتسمون، لكنهم وفي الوقت نفسه مكتئبون ويائسون.
إن ميزة تركيا في هذا المشروع الضخم هي موقعها الإستراتيجي ، فهي تمثل قنطرة عبور بين مصادر الغاز في أواسط أسيا والشرق الأوسط والتي تملك نحو 70 في المائة من الاحتياطيات المعروفة في العالم من الغاز، وبين واحدة من أكبر المناطق المستهلكة في العالم وهي أوروبا ، اضافة الى أن تركيا هي معبر أنبوب النفط الخام المهم (باكو- تبليسي - جيهان).
ويضيف محفوظ" إن الصراع على مكامن الغاز في بحر قزوين، والمحاولات الروسية الجارية لمنع تركمانستان من تصدير غازها إلى أوروبا، والصراع الجورجي الروسي، والمناوشات الروسية الأرمينية على حقول الغاز، قد وضع القوى الغربية أمام حالة مصيرية لا تحتمل التأجيل، حالة تستدعي السيطرة على تلك المنطقة بشكل كامل".