كرم سعيد
ديسمبر 27 2017

تحجيم الاحتفال بأعياد الميلاد يُغذي الراديكالية في تركيا

 

عدة أيام تفصلنا عن استقبال العالم لبداية العام الجديد، إلا أنّ ثمة دعوات دينية في تركيا تدعو لمنع الاحتفال بأعياد الميلاد لأنها تتناقض مع تعاليم الإسلام، والزعم بتعارضها مع تصورات منهجه، ومن باب أن تركيا لا تنتمي إلى الحضارة الأوروبية المسيحية.
تهنئة أردوغان في 24 ديسمبر الجاري لمسيحيي تركيا بمناسبة أعياد الميلاد تكشف الغطاء عن رغبة في  تكريس الانقسام الديني، حيث قال إنّ "الكريسماس طقس ديني للمسيحيين فقط".
كان رئيس هيئة الشؤون الدينية التركية، محمد جورميز، صرّح بأن احتفالات عيد الميلاد ورأس السنة بدعة رأسمالية، تتشابك فيها "الطقوس الوثنية ومحركات الرأسمالية".
وبحجة الدواعي الأمنية لمنع الاحتفال بأعياد السنة الجديدة، أو على الأقل وضعها في إطار دور العبادة المسيحية وقصرها على أماكن بعينها، قررت حكومة العدالة والتنمية منع الاحتفال في ساحة ميدان تقسيم، وهي أشهر الساحات التي يحرص السائحون على زيارتها ليلة رأس السنة.
كما أعلنت السلطات التركية منع الاحتفال في ميدان بربروس في ليلة 31 ديسمبر الجاري، رغم  تأكيد  بلدية بشيكتاش قدرتها على تأمين احتفالات العام الجديد.
التوجه نحو رفض الاحتفال برأس العام، برز مع  حملات رسمية ضد الاحتفال بأعياد الميلاد، عبر منشورات، ولافتات على الطرق، وتحريض على مواقع التواصل الاجتماعي.
كما أصدرت وزارة التربية والتعليم أوامر بمنع احتفالات عيد الميلاد في المدارس، بجوار فتاوى دينية تُجرّم هذه الاحتفالات، ما أسهم في تأجيج المشاعر المعادية لموروثات وثقافات، تعتبر في نظر البعض، غربية ومناهضة للإسلام.
امتد الجدل هذا العام أيضا إلى رمزيات الاحتفال بأعياد الميلاد، وفي الصدارة منها مُجسدات سانتا كلوز "بابا نويل"، ويقوم بعض المتشددين بـ "إعدامات" لسانتا كلوز باعتباره رمزا لهذه الأعياد.
ويتداول رواد التواصل الاجتماعي من الراديكاليين "بوستات" وصورا رمزية، تحض على العنف وتفتي بعدم جواز الاحتفال بالكريسماس للمسلمين، على اعتبار أن ذلك يمثل في جوهره استعماراً ثقافياً.
في سياق الدفاع عن تحريم الاحتفال برأس العام 2018، ذهب عناصر في التيار المحافظ بتركيا للدعوة إلى التدبر فيما جرى في ليلة رأس العام 2017 في ملهى رينا، والابتهال لله تعالى شكرا، حتى يمنّ عليهم بعام جديد خال من الأزمات.
يُحذر المتشددون مما وصفوه بـ "تآكل الهوية الثقافية" التي يمكن أن يخلفها "الكريسماس" في نفوس الناشئة، خاصة أن احتفالات رأس السنة، من وجهة نظر هؤلاء، لا تأتي بخير فحسب، إنما هي على حقيقتها حملة موجهة ضد المسلمين.
تنشط جمعية شباب الأناضول، والحركات ذات الميول المحافظة والقريبة من حزب العدالة والتنمية، وتقوم بجولات دعائية في المحافظات التركية الكبرى للترويج لمنع الاحتفال برأس العام.
أثار تحريم الاحتفال برأس العام، قدرا واسعا من الجدل في تركيا، وعمّق من حالة الاستقطاب السياسي بين العلمانيين، وأنصار التيار المحافظ الذي يدعو للانغلاق.
ورغم أنّ خطوة تحريم أعياد الميلاد الظاهر منها الدعوة للتمسك بالدين والتقاليد الإسلامية، لكن المؤكد أن العدالة والتنمية بزعامة أردوغان يبحث من خلالها عن دور جديد في ترسيخ الإسلام السياسي، وإحياء تقاليد الخلافة العثمانية باعتبارها امتدادا لدولة النبوة ورمز جامع للمسلمين.
بعد أكثر من 90 عاماً على اعتماد التاريخ الميلادي بشكل رسمي في تركيا، عام 1926، إثر إلغاء الخلافة العثمانية، تحول الاحتفال بأعياد رأس العام إلى مصدر خلاف بين الأتراك.
تحتفل العديد من المقاطعات بالمدن الكبرى مثل إسطنبول وأزمير وأنقرة، بمطلع العام الميلادي، وتنتمي معظم هذه المناطق للمعارضة العلمانية، التي تحظى بسلام مع جميع الطوائف الدينية.
في المقابل تنتشر دعاوى تحريم الاحتفال بمطلع العام في وسط الأناضول، حيث جذور التيار المحافظ، وقاعدة حزب العدالة والتنمية الساسية.
الأرجح أن صعود الإسلام السياسي في تركيا، بنسختيه الأربكانية والأردوغانية، وحتى نسخة "غولن" خلق بيئة خصبة لولادة هذا الجدل.
وتشهد تركيا اليوم تصاعداً لا تخطئه عين في مناهضة احتفالات رأس العام، في ظل سعي العدالة والتنمية إلى تديين المجال العام، وأسلمة القضايا عموماً.
تبدو أسلمة الحياة المعاصرة في تركيا ليستْ حديثة النشأة، فقد بدأت جذورها مع صعود تيار الإسلام السياسي مع المؤسس الأول نجم الدين أربكان الذي تبنى أيديولوجية دينية، واستلهم أفكار جماعة "الإخوان المسلمين"، سعياً إلى تغيير التركيبة الاجتماعية لتركيا، وإضفاء الطابع المحافظ عليها.
زادت وتيرة التوجه نحو أسلمة مظاهر المجتمع التركي مع إمساك العدالة والتنمية بمفاصل المشهد، وتفصيله على مقاس طموحات زعيمه رجب طيب أردوغان الذي يسعى إلى بناء تركيا وفق منظومة إسلامية يؤمن بها.
دعمت هذه التوجهات، وفي الصدارة منها "تحريم أعياد رأس السنة" أو قصرها على المسيحيين فقط، رغبات شعبية لمواجهة التيار العلماني، وشحذ همم وولاءات التيارات الراديكالية والمحافظة الداعمة لأسلمة مظاهر المجتمع وقضاياه.
يُعدّ تحريم احتفالات رأس العام، أحد المؤشرات الدالة على توجه تركيا نحو المزيد من المحافظة والراديكالية، ويكشف الغطاء عن حجم التناقض لدى تيار الإسلام السياسي، بينما يروج العدالة والتنمية لإيمانه المطلق بحرية الاعتقاد ويتباهى بأن تركيا مركزا للمسيحية الأرثوذكسية (يوجد بها هناك نحو 349 كنيسة) يناهض في المقابل الاحتفال برأس العام، باعتباره "شعيرة مسيحية".
تحريم مظاهر الاحتفال برأس العام وأعياد الميلاد يمكن أن تعوق تقدم عجلة الاقتصاد التركي، كما أن قيام متشددين بحرق مجسمات بابا نويل واتجاه الشباب التركي المحافظ لتوزيع ملصقات تؤكد تحريم احتفالات رأس السنة، من المداخل الرمزية لقص جذور العلمانية التركية.