تحطيم صندوق الاقتراع التركي وعواقبه الاقتصادية

في خطوة كانت متوقعة ولكنها غير مسبوقة، ألغى المجلس الأعلى للانتخابات في تركيا الانتخابات التي أجريت في الحادي والثلاثين من مارس لاختيار رئيس بلدية إسطنبول، والتي فاز فيها نجم المعارضة العلمانية الصاعد أكرم إمام أوغلو بفارق ضئيل.

فالأخطاء التي ارتكبها حزب العدالة والتنمية الحاكم على صعيد السياسات وأسلوب الحكم القمعي الذي يتبعه الرئيس التركي رجب طيب أردوغان ونظام الرئاسة الملتوي والانكماش الاقتصادي - وكلها نتاج للخيارات السيئة التي اتخذها الحزب الحاكم على مدى العامين الأخيرين - قد اجتمعت لتهدي المعارضة أكبر المراكز الحضرية في البلاد.

ما من شك أن قرار إلغاء الانتخابات في إسطنبول سيكون له أثر سياسي خطير. غير أن إثارة مثل هذه الفوضى السياسية للحفاظ على السيطرة على بلدية إسطنبول - التي تشكل نحو ثلث الناتج المحلي الإجمالي التركي وتبلغ ميزانيتها حوالي أربعة مليارات دولار - في وقت يغوص فيه الاقتصاد في مستنقع الركود ستكون لها تكلفة اقتصادية كبيرة.

وفي محاولة واضحة لكبح هبوط الليرة، باعت البنوك التي تديرها الدولة مليار دولار يوم الأربعاء عبر عمليات المقايضة الجارية حاليا على حساب استنزاف المزيد من احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي التركي. ويبدو أن البنوك قد أتبعت ذلك ببيع مليار دولار أخرى يوم الخميس وفي التعاملات الآسيوية يوم الجمعة.

تلك العمليات، التي بدأت في مطلع العام الحالي، دفعت احتياطي النقد الأجنبي لدى البنك المركزي إلى "منطقة الخطر" بل وتجاوزتها. لذا، لا يستطيع البنك المركزي تحمل إنفاق المزيد؛ ولكن حتى لو افترضنا استمراره في هذه العمليات المضللة لحين موعد إعادة الانتخابات في الثالث والعشرين من يونيو، فإن الليرة مآلها الهبوط. الآن، باتت السوق برمتها على دراية بتفاصيل تلك التدخلات البائسة، حتى وإن كان البنك المركزي يحجم عن الكشف عن تفاصيل.

علاوة على ذلك، فإن التسليم المزمع لأنظمة إس-400 الصاروخية الروسية الصنع إلى تركيا في شهر يوليو، والتحذيرات الأميركية المتعلقة بجودة الديمقراطية بعد قرار المجلس الأعلى للانتخابات بإلغاء الانتخابات، وتطورات الأحداث في سوريا، كلها عوامل تنذر بتأجيج التوتر الحالي في العلاقات بين تركيا والولايات المتحدة. ومع غياب التحرك الدبلوماسي القوي والإيجابي من تركيا وفي ظل استمرار الضبابية التي تكتنف المشهد السياسي في الداخل، تتجه الليرة على ما يبدو إلى تكبد خسائر وسط استمرار التوتر مع واشنطن.

مخطط

فقدت الليرة التركية نحو 28 في المئة من قيمتها خلال العام 2018، وخسرت 15 في المئة أخرى منذ بداية العام الحالي. وتدخلات النقد الأجنبي التي يقوم بها البنك المركزي خلف الكواليس توحي بأن وقف نزيف خسائر العملة يحظى بأهمية سياسية كبيرة. وقد دفعت أزمة العملة التي نشبت في شهر أغسطس من العام الماضي معدل تضخم أسعار المستهلكين في تركيا إلى 25 في المئة بحلول أكتوبر، ويحوم حول 20 في المئة منذ ذلك الحين. ويتجاوز معدل تضخم أسعار الأغذية هذا المستوى، ليسجل 32 في المئة، وهو ما يقوض كثيرا من قاعدة ناخبي حزب العدالة والتنمية.

يُمكن التنبؤ بثقة بأن العملة التركية ستهبط صوب سبع ليرات للدولار هذا العام، مقارنة مع نحو 6.2 ليرة للدولار حاليا. ولا يخفى التأثير الواقع على التضخم جراء هذا الضعف الذي سيعتري العملة في المستقبل. ومما يرجح اتجاه الليرة لمزيد من النزول أيضا هو أن تركيا ليس لديها برنامج اقتصادي موثوق، أو أي برنامج اقتصادي على الإطلاق. كذلك تشتد الضغوط المالية على الشركات التركية جراء مدفوعات الديون الخارجية، وتزداد علاوات المخاطر بصفة عامة في الأسواق الناشئة.

مخطط

وكما يشير الرسم البياني أعلاه، فإن انخفاض قيمة الليرة له تأثير مباشر على تكاليف الإنتاج في تركيا، حيث تبلغ نسبة الخامات المستوردة نحو 70 في المئة من إجمالي الصادرات. ومن ثم، سيظل التضخم يتأثر سلبا بضعف الليرة. وفي حين من المرجح أن تهبط العملة التركية بنسبة أخرى تتراوح بين 10 و12 في المئة هذا العام، فإن خفض التضخم إلى ما دون 18 في المئة يبدو مستبعدا، ناهيك عن هدف الحكومة المتمثل في الوصول بمعدل التضخم إلى 15.9 في المئة في العام 2019.

وذلك يدفعنا مرة أخرى للحديث عن البنك المركزي.

فمع إجراء سبعة انتخابات على مدى السنوات الخمس الأخيرة، تعرض البنك المركزي لضغوط سياسية من الرئيس أردوغان وفريقه الاقتصادي للحفاظ على أسعار الفائدة منخفضة ودعم النمو الاقتصادي. والرضوخ لتلك الضغوط قد اتضح – بعد فوات الآوان – أنه أكبر خطأ ارتكبه البنك المركزي على صعيد السياسة النقدية. فقد كان لتلك السياسة تأثير مدمر على التضخم، لاسيما عند اقترانها بالإنفاق المالي الحكومي الضخم.

مخطط

وبسبب أزمة العملة التي نشبت العام الماضي، اضطر البنك المركزي "للقيام بما استوجب عليه فعله" في رفع سعر الفائدة كثيرا إلى 24 في المئة. ولكن في الفترة السابقة للانتخابات المحلية التي أجريت في الحادي والثلاثين من مارس، كان صناع السياسات النقدية ملزمين سياسيا بدعم الليرة من خلال البنوك التي تديرها الدولة. ونتيجة لذلك، أضر ذلك النهج بسمعة البنك المركزي باعتباره مؤسسة تستهدف التضخم، إذ أنه استهدف قيمة الليرة بكل وضوح بدلا منه. فضغوط السوق لرفع سعر الفائدة من مستواه الحالي البالغ 24 في المئة قابلها ضغط من حكومة حزب العدالة والتنمية. وفي اجتماع لجنة السياسة النقدية بالبنك المركزي في شهر أبريل، فاجأ البنك الجميع بتلميحه إلى تخفيضات في أسعار الفائدة خلال الأشهر المقبلة، متخليا عن نبرة التشديد النقدي التي كان يتبناها.

وفي يوم الخميس، وبدلا من أن يرفع البنك المركزي سعر الفائدة قليلا للحد من هبوط الليرة التي نزلت إلى أدنى مستوياتها في سبعة أشهر، تخلى البنك عن سعر الفائدة الرئيسي، وقال إنه سيبدأ إقراض البنوك في البلاد بسعر فائدته الأعلى البالغ 25.5 في المئة. وفي حين لم يكن ذلك كافيا لوقف خسائر الليرة، وعلى الرغم من الدعوات المنادية برفع أسعار الفائدة بالطريقة التقليدية، ترددت أنباء عن أن البنوك التي تديرها الدولة تدخلت مجددا لشراء الليرة بالدولار.

ربما يحجم البنك المركزي الآن عن خفض أسعار الفائدة بسبب التأثير الواقع على الليرة جراء قرار الأسبوع الماضي إعادة الانتخابات في إسطنبول. ولكن في حين أن قوة الدفع وراء ارتفاع التضخم تزداد من جديد، فإن الانتخابات ستجرى خلال شهرين، ومن ثم سيجد صناع السياسات صعوبة أيضا في التشديد النقدي.

موجز القول إنه إلى حين يستعيد البنك المركزي مصداقيته، لا يوجد أي مبرر مقنع يدعم الانكشاف على الأصول التركية. فالتضخم يتجه للبقاء مرتفعا عند حوالي 18 إلى 20 في المئة، وعوائد السندات ستظل عالية، لتحوم على الأقل حول مستوياتها الحالية.

وبالطبع يستلزم كسب المصداقية أن يعمل البنك المركزي باستقلالية عن حكومة حزب العدالة والتنمية، كما ينبغي له أن يتحلى بالشفافية في الإفصاح عن تدخلاته في سوق الصرف ويُظهر علامات ملموسة على كبح التضخم في البلاد.

مخطط

في الجزء الثاني من مقالات "تحطيم صندوق الاقتراع التركي وعواقبه الاقتصادية"، سألقي الضوء على تدهور العوامل الأساسية للاقتصاد التركي خلال الاضطرابات السياسية الأخيرة. وسينصب التركيز بصفة خاصة على التزامات الديون المرتفعة المستحقة على الشركات التركية، وتراجع الاستثمارات الأجنبية المباشرة، وقدرة الشركات التركية على البقاء في مثل هذه البيئة الاقتصادية القاسية وفي ظل استمرار الضبابية السياسية.


يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضا:

https://ahvalnews.com/turkish-lira/crashing-turkish-ballot-box-and-its-economic-consequences-part-1-inflation-wave
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.