هشام النجار
مارس 20 2018

"تحيا مصر والسودان".. هل تدفع أردوغان لتقنين علاقته بالإسلام السياسي؟

قال رمز إصلاحي إسلامي سعودي ذات مرة في العام 2005 "لا يحل السلام في المنطقة بإصلاح الخطاب الديني، لكن بإحلال السلام في المنطقة ينصلح الخطاب الديني".
أعطت المستجدات في المنطقة العربية صدقية لهذه المقولة، فالدول والحكومات العربية تباشر سياسات داخلية وخارجية من شأنها فرض رأي عام معاكس لتصورات وأهداف التيارات المتشددة.
وأسهمت السياسات التي تتبعها مصر ومعها دول عربية أخرى في تقليص مساحات التطرف الديني في الشرق الأوسط، ثبت أنها كفيلة بسحب كيانات من داخل تيار الإسلام السياسي إلى مساحات واقعية، بعيدة عن منهج هذا التيار في العمل.
لمسنا ذلك مؤخرًا على الجبهة الشرقية لمصر لأن جناحًا داخل تيار الإخوان في حركة حماس الفلسطينية بات مدركًا لضرورة التجاوب مع الواقعية المصرية، وصارت تركيا وقطر تجدان صعوبة كبيرة في رهن المكون الإسلامي في غزة وفق سلوك ثابت أيديولوجيًا لتحقيق مصالحهما الإقليمية.
ويبدو أن الجبهة الجنوبية في طريقها باللحاق بهذا القطار، إثر زيارة مثيرة للجدل للسودان قام بها الرئيس التركي رجب طيب أردوغان صُورت كفتح إسلامي جديد، أجهضتها بعد فترة وجيزة زيارة الرئيس السوداني عمر حسن البشير للقاهرة في 19 مارس الجاري.

فيتو في المجال الحيوي

انطوت رسائلها على حرص الإدارة المصرية على عدم السماح بنشاط إقليمي ذي طابع أيديولوجي في مجالاتها الحيوية الرئيسية، التي تؤثر بشكل مباشر على أمنها القومي.
لو ترك الأمر لحماس في غزة وللخرطوم، وكلاهما ينتميان تاريخيًا لفكر جماعة الإخوان، ما فعلا شيئًا يذكر في ملف تغيير نمط أدائهما السياسي، وظل فكرهما جامدًا على نفس التصورات المتعلقة بقناعات هذا التيار، وصولًا لمرحلة دفع فواتير هزائمه والالتحاق بمصيره كما في بلاد محيطة.
الآن تجذبهما واقعية السياسة العربية صوب مسارات تنقذهما من هذا المصير، وتدمجهما في خطط سلام بمعناها السياسي والاقتصادي والاجتماعي الشامل، مع شعوبهما ومحيطهما الإقليمي، الأمر الذي يعيد الاعتبار لسياسة الدولة ويجعلها ركيزة للإصلاح الديني ونزع نفوذ تيار التطرف. 
إذا كان هناك في المقابل مسار تتبناه أنظمة إقليمية تدعم سياساتها خط التطرف والتشدد والمظاهر الميليشياوية المسلحة، فالمسار السياسي العربي يجتهد في السير على هذا الخط بممحاة في مختلف المسالك التي يقصدها الأول من فلسطين إلى السودان ومن الشام إلى وسط وغرب أفريقيا.
لم يتعلم الرئيس التركي من تجربة داعش القريبة، ففكرة إمكانية إقامة أي شكل من أشكال الارتباط بين سلطة مركزية تتبنى مشاريع أيديولوجية مهما كان اسمها أو وصفها مع أفرع ووكلاء محليين في الداخل العربي، سواء كيانات معارضة أو في السلطة، تنتمي لنفس المنهج، صارت غير قابلة للتطبيق على ضوء المآسي والنكبات التي سببتها.
تضغط المخاوف من الانقسامات والصراعات والحروب الأهلية على أساس مذهبي وأيديولوجي تلقائيا في اتجاه دعوة نظام الحكم للطبقة السياسية بكاملها وللقواعد الشعبية ولفئات المجتمع إلى التكاتف لسد الطريق أمام مشروع غامض يرفع شعارات مستدعاة من التاريخ، بلا ملامح ولا برامج واضحة، بل إن آثاره مرعبة في البعض من تطبيقاته في ليبيا وسوريا.

صيغ توافقية

اللافت في كلمات الرئيس السوداني في أثناء زيارته الرمزية للقاهرة، وهو صاحب مرجعية إسلامية لم تغب على كثيرين، أن قطاعًا من الإسلاميين يرون ضرورة سرعة التصرف واللجوء لصيغ توافقية والدخول في مشاريع تحالفات لطرد شبح الخوف من تلك الآثار التي سوف تحرقهم نيرانها.
حرص البشير في كلمته خلال الاحتفالية التي جمعته بالرئيس المصري مع جمهور عريض احتفالًا بيوم الأسرة المصرية على أن يحمد الله على نعمة الاستقرار النسبي في محيط تمزقه الصراعات والحروب الأهلية.
تعكس هذه الرسالة الجلية طبيعة الملفات الرئيسية التي تمت مناقشتها منذ زيارة رئيس جهاز المخابرات المصري اللواء عباس كامل للخرطوم الأسبوع الماضي، وتمت ترجمة محصلتها في رسائل البشير الموجهة لكل من أنقرة والدوحة.
ومفادها أن السودان لن يقبل لعب دور الوكيل والتابع لقوى إقليمية، بعد جهود لم تكن خافية في هذا السياق من قبل تركيا وقطر خلال السنوات الماضية وعبر حوافز اقتصادية واستثمارية ضخمة، هدفت لتوتير العلاقات السودانية المصرية وإضافة الخرطوم كملف عائق للاستقرار السياسي والاقتصادي والأمني لمصر، بدلًا من أن يكون داعمًا له.
يصل بالبشير الأمر إلى القول علانية بدعم السيسي شخصيًا وهو يخوض حاليًا انتخابات الرئاسة، وهو تصرف نادر الحدوث وفق الأعراف الدبلوماسية بين الدول، حتى وان كانت النتيجة محسومة مسبقًا لصالح السيسي.
تلفت هذه التفاصيل إلى ثقل الدافع الذي يجعل رئيس دولة يدعم آخرًا باعتباره سلطة شرعية، في الوقت الذي يقبع رموز ورؤوس تياره الأيديولوجي في سجون القاهرة وعلى بضعة كيلومترات، وبعد فترة وجيزة من زيارة تاريخية في الاتجاه المعاكس، كان من المؤمل أن تدشن لزعامة أردوغانية تقطع الطريق على الرئيس السيسي وتسعى لتمكين التيار الذي يسجنه.

السيسي يكسب أردوغان

هذه المتغيرات لها ما بعدها، ومؤكد أن أردوغان اليوم يسأل نفسه والقريبين منه: كيف فكك السيسي هذه الجماعة في مصر؟ وكيف حبس زعماءها وأرسل البعض منهم إليه، بينما يجلس أحد أقطابها إلى جواره يمتدح حكمته وصدقه ويدعم شرعيته؟
يضع الرئيس التركي رجب أردوغان التطورات في ليبيا ضمن مراجعاته المحتملة، فالتضييق على جماعة الإخوان في ليبيا والتي يدعمها بقوة، علاوة على مطالبات حظر الجماعة هناك على غرار ما جرى في القاهرة ليست بعيدة أيضًا عن سلة ثمار جهود الدولة في مصر.
جال البشير بعينيه بين الجماهير المصرية التي تهتف داعمة للنظام المصري الحالي، وتضاف مؤشرات الإقبال على التصويت بالانتخابات المصرية بالخارج كدلالة على تهافت روايات الإسلام السياسي بشأن حجم تأثيرهم في المشهد المصري، وفي المقابل على اتساع وعمق صلات الرئيس المصري الجماهيرية.
أدت زيارة الرئيس السوداني علاوة على نتائج عملية سيناء الشاملة 2018 ضد التنظيمات الإرهابية والحضور العربي في الملفات الإستراتيجية الإقليمية، مع انصياع كتل إسلامية لهذا المسار، إلى لفت النظر إلى محورية دور مصر والسعودية والإمارات.
وعكست قدرتهم على قلب المعادلات الإقليمية التي صيغت بإسهام تركي وفق رؤى مبسطة للتعاطي مع ملفات وأوضاع بالغة التعقيد على الساحة العربية والإسلامية.
يبدو الرئيس التركي يعيش مرحلة عصيبة، فهو يحاول الظهور كصاحب مشروع تحديثي إسلامي، على خلفية تبلور مشاريع عربية، في المقابل تجبره ميادين المعارك التي انخرط فيها على أن يسرق جزءًا من أمجاد المتشددين، كي يمد خططه التوسعية بما يحقق له نجاحًا ولو رمزيًا لحفظ ماء الوجه.
صار أردوغان مدركًا صعوبة امكانية تحقيق طموحاته القديمة في الإقليم والعالم، لأن زمام السيطرة على تيار الإسلام السياسي الذي وضع رهانه عليه ينفلت منه، وصار لخصومه ومنافسيه العرب مقدرة على استقطاب كيانات منه.
وما تحقق من تقدم بصحبة فصائل من هذا التيار تتسبب ممارساتها سريعًا في حرمان تركيا من تسويقه كانتصار، وعدم استثماره كمكاسب سياسية، ونموذج الانتهاكات في عفرين السورية قبل وبعد إعلان السيطرة عليها مثال حي على ذلك.
هذه المحصلة البائسة بالتحالف مع تيار كانت كلفة دعمه باهظة وتم اختبار غالبية مقولاته وشعاراته ومزاعمه، ووضح للجميع مدى تهافتها، تدفع أي زعيم براغماتي للتحول عنه عاجلًا أو آجلًا.
تندرج هذه المقاربة تحت مقولة ذلك المصلح الإسلامي السعودي، سياسات الدول تفرض واقعًا يدفع مختلف الأطراف لعقد المقارنات بين واقعها وحالها صحبة قوى التطرف والتشدد، وواقعها في المسارات الطبيعية التي تنحاز لإقامة علاقات سلام مع الآخر الداخلي والخارجي.
انحازت لهذا التصور كل دول العالم تقريبًا وصارت المعالجات في مواجهة هذا التيار في عمومه معبرة عن مضمون إرادة دولية وإقليمية، بشكل يصعب على تركيا أو إيران أو قطر تحديها.
هناك مؤشرات سابقة تلمح إلى أن المراجعات التركية بشأن الإسلام السياسي لن تكون وليدة اليوم، منها ما ورد على لسان مسؤولون أتراك بشأن انتقاد جماعة الإخوان في تركيا، وقيل وقتها أن الجماعة تسعى لتخريب الديمقراطية في تركيا كما خربتها في مصر.
كان القائم بأعمال السفير التركي في القاهرة صرح ذات مرة نافيًا أن تكون إشارة رابعة التي يرفعها أردوغان دعمًا لجماعة الإخوان في مصر، إنما يقصد بها "دعائم الدولة التركية الأربعة، وهي العلم والأمة والدولة والحكومة".
لم تكن تركيا في السابق تشعر بالضغوط في ملف التقارب مع مصر بما يدفع للإسراع في معالجة الملفات العالقة، على رأسها ملف الإخوان، أما الآن فالوضع مختلف بالنظر للضغوط الدولية التي تواجهها الدول الإقليمية وللتحولات الكبيرة في ملف محاربة الإرهاب.
ستدفع الملفات الاقتصادية أنقرة خاصة بعد اكتشافات غاز شرق المتوسط للسير في البحث عن مسار لإقامة علاقات طبيعية مع مصر.
ضمن هذا المنطق وبإلحاح أكبر ينظر أردوغان للنجاحات العربية التي تخصم يومًا بعد يوم من نفوذه وشعبيته، ما يجعله يعيد النظر في نموذجه الذي عزله عن واقعه وأفقده القدرة على قراءة المشهد الذي يعايشه.
في الوقت الذي يحتضن فيه رموزًا وقادة من جماعة الإخوان صارت وظيفتهم شتم النظام المصري ولعن مؤسسات الدولة عبر الإعلام الموجه ضمن حملة تجريم الخصم الأيديولوجية، تنفتح المروحة العربية على محاور تخرج بكيانات من قلب هذا التيار من ضيق الأيديولوجيا إلى سعة المصالح.
لابد أنه سيعيد النظر بعد زيارة الرئيس السوداني للقاهرة الذي انضوى تحت شعار حملة السيسي "تحيا مصر" بعد أن صارت "تحيا مصر والسودان"، فإذا كان هذا هو سلوك نصف براغماتي، متعللًا بالعلاقات التاريخية ووحدة المصير، فإنها ليست بعيدة على براغماتي كامل وهو أردوغان، الذي لن يعدم حجج التعلل كذلك بالعلاقات التاريخية ووحدة المصير.