جان تيومان
فبراير 09 2019

تدخّلات الحكومة التركية لإنقاذ قطاع البناء تبوء بالفشل

 يعمل "حسن أو." في مجال العقارات بمنطقة "بيليك دوزو" بإسطنبول، ويمثل هذا اليوم بالنسبة له أحد الأيام المتكررة منذ العامين الماضيين.. إنه يُغلق محل عمله مجددًا دون القيام بأيّة أعمال تجارية. فلا يوجد في محل عمله هذا، الذي كان يعمل به سابقًا سبعة أشخاص، سوى "حسن" نفسه وسكرتير مبتدئ.

أما الموظفون الآخرون الذين كانوا يعملون لديه مقابل الحصول على نسبة وراتب فقد تركوا العمل العام الماضي لأنه لم تعد لديه القدرة المالية حتى على دفع رواتبهم التي تبلغ الحد الأدنى للأجور، ولانخفاض الأرباح أيضًا. بينما ترك آخر موظفين العمل في رأس السنة.

يجيب "حسن" إجابات مختلفة حسب درجة قربه وطبيعة علاقته بمن يسألونه: كيف تسير الأمور؟ فإن كان السائل زبونًا يقول له: إن السوق سيبدأ التحرك مرة أخرى، وإن أسعار المساكن ستزيد بسرعة في وقت قريب، وإن الأسعار الحالية للمنازل فرصة جذابة لأقصى درجة بحيث لا يمكن تضييعها.

ولكن إذا كنت صاحب محل مجاور له أو أحد معارفه القدامى فإنه يجيبك "لقد جف الماء، وبات قاع البئر غير مرئيّ. كل يوم يمر يكون أسوأ، سأرجع إلى بلدي."، وأنه خطط للعودة إلى "بتليس" التي قدم منها قبل 18 سنة.
إن الإجابة بـ"إن الأعمال جيدة" من جانب، وإعداد الخطط للفرار من جانب آخر ليس حالة خاصة ب"حسن أو" فحسب في سوق العقارات بتركيا؛ فقد تلقى جنون العقارات في البلاد ضربة قوية بسبب ارتفاع أسعار الفائدة منذ منتصف عام 2017.

ولا سيما أن الانكماش الذي تم الشعور به منذ الأشهر الأولى من العام الماضي أصبح حالة مزمنة، ولم تكن تدخلات الدولة كافية لإنعاش السوق؛ فمن المتوقع أن يغرق في الأزمة أكثر من نصف الشركات في قطاع البناء والعقارات، والتي يبلغ عددها 360 ألف شركة. فهناك بالفعل تكهنات بأن أكثر من 5000 شركة عقارية تقدمت بطلبات لتنفيذ إجراءات الإفلاس.

من ناحية أخرى فإن حكومة العدالة والتنمية ليست متجاهلة لهذه الصدمة التي يشهدها القطاع العقاري. حتى إنها توفر ظروفًا وأوضاعًا للمقاولين والإنشائيين أفضل بكثير من العديد من القطاعات الأخرى.

على سبيل المثال تدفع المناطق السكنية في تركيا رسومًا منخفضة عن التمليك بنسبة 50 في المائة منذ مايو من العام الماضي. هناك أيضًا انخفاض في معدلات ضريبة القيمة المضافة. بالإضافة إلى ذلك تجبر حكومة أنقرة البنوك العامة على تقديم قروض إسكان رخيصة للمواطنين في أوقات مختلفة، وتسمح لهم بتوزيع قروض الإسكان مقابل ثلث السوق تقريبًا.

وفي هذا الصدد فإن ثلاثة بنوك كبرى مملوكة للدولة هي: "بنك زراعة وبنك خلق وبنك وقف" وتمثل أكثر من 30 في المائة من القطاع المصرفي في البلاد بدأت حملة في منتصف ديسمبر الماضي خفضت خلالها أسعار الفائدة على المساكن إلى 0.98 في المائة.

كما دعم الحملة "بنك إيش" أكبر بنك خاص في البلاد، وهذه المؤسسات العملاقة تشكل النصف من حيث الميزانية العمومية للقطاع المصرفي التركي، وقد بدأت توفر دعمًا ماليًا، بالخسارة أحيانًا، لقطاع البناء والإسكان الذي يعتبر واحدًا من نقاط الارتكاز الأساسية بالنسبة لسلطة حزب العدالة والتنمية.

وبينما يبلغ معدل الفائدة السنوية المركبة لديون البنوك في البلاد لصالح البنك المركزي 27 في المائة، فإن متوسط التكلفة الإجمالية (باستثناء التكاليف اللازمة) للودائع التي تم جمعها يبلغ 20.61 في المائة. وفي المقابل فإن التكلفة السنوية للقروض التي منحتها تلك البنوك الأربعة الكبرى بتشجيع من السلطة تبلغ بالنسبة للمستهلك مستوى جذابًا للغاية يمثل حوالي 12.4 في المائة.

وعلى حين حدث انخفاض في أسعار المنازل بسبب تقلص الطلب في السوق، يبدو أن شراء منزل جديد بدعم الفائدة المنخفضة أمر جذاب للغاية بالنسبة للمستهلك من حيث الحسابات المالية.

وعلى الرغم من كل هذه المزايا فإن النتائج مثيرة للدهشة؛ إذ يبدو أن تخفيض الضرائب، وهبوط الأسعار ودعم الفائدة على القروض السكنية لم تستطع تحريك مستهلكي العقارات في تركيا ولا المستثمرين فيها أيضًا.

وأبرز دليل على ذلك هو بيانات البنك المركزي؛ فوفقًا للبيانات التي يعلنها البنك أسبوعيًا بشأن استخدام القروض العقارية انكمشت هذه القروض بنسبة 3.8 مليار ليرة تركية خلال الأسابيع الستة الأخيرة، أي على الرغم من حملة خفض أسعار الفائدة التي بدأتها البنوك العامة وبنك "إيش" مشاركة فيما بينها.

وهذا الرقم يمثل انكماشًا بنسبة 2.2 في المائة. وعلى حين كان إجمالي القروض العقارية في الفترة التي كانت فيها حركة مبيعات المساكن في تركيا جيدة يربو عن 1 في المائة أسبوعيًا كان إجمالي المخزون يزيد عن 1 مليار ليرة تركية.

وتكشف أحدث الأرقام أن التدخلات التي قامت بها الحكومة من أجل تصحيح أوضاع قطاع البناء الذي يأتي على رأس قائمة "أول ما سيتم إنقاذه في الحريق" والذي أولته أهمية كبرى من الناحية السياسية باءت بالفشل.

وبالطبع هذا الوضع ليس سيئًا بالنسبة للسلطة والمقاولين فحسب، بل إنه أهم المشكلات بالنسبة للبنوك التي منحتهم ثلث قروضهم.

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً: 

https://ahvalnews.com/tr/ekonomik-kriz/098lik-faiz-de-care-olmadi-insaatta-kuyunun-dibi-yok
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.