تدهور الأوضاع المعيشية يتسبّب بزيادة حالات الانتحار بين الأتراك

يمر المجتمع التركي بمرحلة من بين أسوأ المراحل التي شهدها على مر التاريخ، في ظل ارتفاع معدلات الانتحار بين العمال والأطباء وموظفي العموم والمدرسين في أعقاب اضطرابات اجتماعية وسياسية واقتصادية.

وكشف تقرير نشره مجلس الصحة والسلامة المهنية عن أن ما لا يقل عن 99 عاملاً انتحروا خلال الفترة بين عامي 2013 و2015. ووفقاً لتقارير الطب الشرعي، ارتفع هذا العدد إلى 233 منذ عام 2016.

لكن الكثيرين يقولون إن الأعداد التي ينشرها مجلس الصحة والسلامة المهنية ربما تكون لا تعكس الحجم الحقيقي لحالات الانتحار بين العمال، خاصة فيما يتعلق بالمهن التي بها مخاطر.

ويقول الدكتور جوشكون جنيفار، وهو عضو في مجلس الصحة والسلامة المهنية، إن العمال في قطاع الرعاية الصحية غالباً ما يكونون أكثر عرضة للانتحار مقارنة مع أصحاب المهن الأخرى. ووفقا لروايته، فإن 431 طبيباً ماتوا منتحرين في السنوات الثلاث الأخيرة.

دكتور جوشكون جنيفار.
دكتور جوشكون جنيفار.

وأردف الدكتور جنيفار قائلاً إن "معدلات الانتحار في تركيا تبلغ 3.4 أو أربعة بين كل 100 ألف شخص. وبالنسبة للعاملين في قطاع الرعاية الصحية، يترواح هذا العدد بين 15 و20 من كل 100 ألف شخص. وهذا يعادل نحو أربعة أمثال أو خمسة أمثال. هناك أيضاً إناث يعملن في قطاع الرعاية الصحية بين من يموتون منتحرين".

ووفقاً لمنظمة الصحة العالمية، فإن معدل حالات الانتحار في العالم بلغ 10.7 بين كل 100 ألف شخص في عام 2015.

والعوامل التي تُسهم في ذلك كثيرة. فالأطباء مثلاً يواجهون الخوف من التعرض للعنف بشكل يومي، إما من قِبَل أقارب المرضى، أو من المرضى أنفسهم. وفي يونيو الماضي، نشرت جمعية الطوارئ التركية بيانات كشفت عن أن 78 بالمئة من أطباء غرف الطوارئ تعرضوا للعنف من قِبَل أسَر المرضى في العام الماضي.

كما يعمل الأطباء في ظروف صعبة ويحصلون على أجور متدنية؛ وتتعرض أماكن عملهم لاعتداءات من قبل غوغاء، تأخذ شكلاً من أشكال التنمر الجماعي. ومن لا يستطيع أن يتمسك بالحياة من هؤلاء الأطباء، يُقْدِم على الانتحار.

المعلمون أيضاً يواجهون مخاطر؛ فخلال حكم حزب العدالة والتنمية الإسلامي الممتد منذ 17 عاماً، انتحر 54 معلماً بعدما ظلوا ينتظرون فرصاً للتعيين. وهذه قضية كبيرة في البلاد قد تحتاج أكثر من عشر سنوات لحلها. وبحلول بداية العام الجاري، بلغ عدد المعلمين العاطلين عن العمل ممن ينتظرون التعيين في وظيفة نحو نصف مليون معلم.

وحالات الوفاة المرتبطة بالعمل ليست بالشيء الغريب على تركيا، إذ تحتل البلاد المرتبة الثالثة على مستوى العالم والأولى على مستوى أوروبا فيما يتعلق بحالات الوفاة المرتبطة بالعمل. ومن المؤسف أن الاتحادات العمالية ومنظمات المجتمع المدني عجزت عن لفت الانتباه إلى حالات انتحار العمال، مقارنة مع استجابتها لحالات الوفاة في أماكن العمل.

وعلى الرغم من أن وفاة عمال في مواقع إنشاء مطار إسطنبول الجديد نتيجة لظروف العمل غير الآمنة تصدرت عناوين الصحف المحلية والعالمية، فإن مكافحة انتحار العمال لم تحظ سوى بالقليل جداً من التغطية ومن الخطوات اللازمة لمكافحة هذه الظاهرة.

تقول نوران غولنتش، وهي متخصصة في الصحة والسلامة المهنية، إن "حالات انتحار العمال ينبغي إدراجها ضمن نطاق حالات الوفاة المرتبطة بالعمل". أضافت أن العمال الذين يتعرضون للفصل من وظائفهم تتملكهم الوحدة ويصبحون لا حول لهم ولا قوة، ومن ثم يعيشون في خوف دائم من عدم التمكن من الحصول على وظيفة، وكل ذلك يؤدي إلى الإقدام على الانتحار.

نوران غولنتش.
نوران غولنتش.

وأبلغ الدكتور جنيفار موقع أحوال تركية قائلاً إن أحداثاً واسعة النطاق تؤثر على المجتمع بأكمله يمكنها أن تؤدي أيضاً إلى الانتحار. ووفقاً لما ذكره، فإن الحملة الواسعة النطاق التي أعقبت محاولة الانقلاب الفاشلة التي وقعت في يوليو 2016 أدت إلى زيادة عدد حالات الانتحار. وذكر أن عشرة آلاف و500 شخص من العاملين في قطاع الرعاية الصحية فُصلوا من وظائفهم بعد الخامس عشر من يوليو، بينهم ستة آلاف طبيب. حالات الفصل من العمل تلك جعلت العاملين في قطاع الرعاية الصحية يشعرون بعدم الأمان الوظيفي.

وأردف الدكتور جنيفار قائلاً إن "الناس يعيشون في حالة من الخوف والذعر. السياسات الديكتاتورية والفاشية التي تمارسها الدولة بشكل مباشر تنعكس في صورة خسائر في الأرواح. ففي السنوات الثلاث الأخيرة، انتحر 43 شخصاً من العاملين في القطاع الصحي. هذا الرقم لا يشمل الحالات (المذكورة آنفاً) البالغ عددها 431 حالة".

يُتَّهَم المفصولون من وظائفهم بأنهم على صلة بحركة غولن، التي تصر الحكومة على أنها المسؤولة عن محاولة الانقلاب الفاشلة؛ ولم تقتصر تلك الحالات على قطاع الرعاية الصحية. فمنذ يوليو 2016، فُصل نحو 170 ألف شخص من وظائفهم، وبينهم مدرسون وقضاة وضباط شرطة وموظفو عموم.

يتبنى جمال دندار، وهو طبيب نفسي، الرأي نفسه؛ وقد أمد أحوال تركية برؤية أوسع حول العوامل الاجتماعية التي أدت لزيادة حالات الانتحار بين العمال في تركيا. وفضلاً عن عمله كطبيب في قطاع الرعاية الصحية، ألّف دندار أيضاً كتباً عن الرئيس التركي رجب طيب أردوغان، هي "الولاء والغضب" و"لغة الغضب" و"متلازمة تركيا الجديدة".

الطبيب النفسي جمال دندار
الطبيب النفسي جمال دندار

أشار دندار إلى أن ظروف العمل والمعيشة في أوساط الطبقة العاملة تدهورت خلال السنوات الأخيرة.

وأردف قائلاً "عندما تتدهور الأوضاع المعيشية، وفي الوقت ذاته تُمحى إمكانية توليد الإرادة التي تُمكّن الناس من التعبير عن اعتراضهم على هذا التدهور، تتصدر حوادث الانتحار المشهدَ. فمن جهة، بُنيَت مراكز التسوق في كل ركن؛ وهناك شعور بالتِيه، أذكى دورة الاستهلاك في سوق مغرية. نحن نتحدث عن حياة عالقة بين هاتين الديناميّتَيْن".

ووفقا لدندار، فإن المجتمع منقسم بشدة إلى "خير وشر" منذ عام 2010، خاصة عندما قسّم استفتاء دستوري أُجري في عام 2010 الأمة وقاد حزب العدالة والتنمية الحاكم حالياً إلى ممارسة سلطات أوسع على القضاء.

أضاف دندار "أعتقد أن هذا التحول السريع قوض العلاقات الاجتماعية. أتحدث على وجه الخصوص عن السِلْم والمفاهيم ذات الصلة التي تحولت إلى شيء بلا معنى أو انتُقِص منها معناها. هذه الاضطرابات كانت لها آثار سلبية على جميع مستويات المجتمع. على سبيل المثال، فإن العنف على أساس الجنس زاد أيضاً، بينما صار العنف ضد المرأة هو القاعدة تقريباً".

تقول غولنتش إن الدولة - وأيضاً أربابُ العمل - هي المسؤولة عن حالات الوفاة تلك وفقاً لما ينص عليه في الدستور التركي.

أضافت أن "القضاء على دولة الرفاه وعدم كفاية الإجراءات الاجتماعية التي تحمي العمال، أو غيابها من الأساس، كشف هذه الصورة المؤلمة".

وقالت غولنتش لأحوال تركية إن المادة 49 من الدستور التركي تنص على ما يلي:

"تتَّخذ الدولة الإجراءات اللازمة لرفع مستوى معيشة العمال، وحماية العمال والعاطلين بهدف تحسين ظروف العمل العامة، وتشجيع العمل، وإيجاد الظروف الاقتصادية المناسبة لمنع البطالة وضمان السلام العمالي".

ووفقاً للدكتور دندار، فإن التغير السريع الذي طرأ فيما يتعلق بالجهة المنوط بها تقديم خدمات الرعاية الاجتماعية، ربما يكون هو السبب في زيادة حالات الانتحار بين العمال.

وأوضح أن "أسر العمال في معظمها تنحدر من ثقافة تعتمد على الأرض، أو تتلقى الدعم من عائلة كبيرة. لكن الاتحادات العمالية كانت هي المكان الذي يمكن ترتيب عملية التكافل من خلاله والتخلص من ثقافة الاعتماد على العائلة و"ثقافة الصَدَقة" التي خلقتها الدولة.

ربما تكمن أسباب الانتحار في تناقص المنشآت الحكومية، وتبدد فكرة ’الدولة الأم‘ وفكرة أننا ’أُسْرَة‘، وتحول الدولة إلى ولي أمر يعاقب أبناءه في الآونة الأخيرة. نمط العائلة الكبيرة لن يعود من جديد، لكن التكافل من الممكن أن يعود".

يقول عدنان سردار أوغلو رئيس اتحاد عمال المعادن إنه مع انسحاب الدولة من تقديم خدمات أساسية مثل الرعاية الصحية والتعليم والضمان الاجتماعي، على الكثير من الناس الاعتماد على أنفسهم في توفير احتياجاتهم الأساسية مثل السَكَن والغذاء.

أضاف "طغى على الناس الشعور "بالاستنزاف الاجتماعي" جسدياً وذهنياً في مواجهة هذه التحديات. الناس يشعرون أنهم لا يستطيعون إدارة هذه الأزمة من خلال آليات التأقلم التي وُجِدت في هذه البيئة، وربما هم يرون في الانتحار وسيلة أخرى للتعاطي مع الأمر - ربما هذه صرخة صامتة أو نوع من المقاومة".

 

يمكن قراءة المقال باللغة الإنكليزية أيضاً:

https://ahvalnews.com/suicide/increased-work-related-suicide-linked-broader-societal-problems&nbsp
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.