أرطغرل غوناي
يناير 05 2019

تذكّروا محمد عاكف أرصوى شاعر الاستقلال

"لا أستطيع الإشادةَ بالظلم أبداً، ولا محبةَ الظّالم

ولا أستطيع أن ألعن الماضي إرضاء للحاضر"            محمد عاكف

تعرف الأجيال الشابة محمد عاكف أرصوى على أنه "شاعر الاستقلال" التركي.

وكل عام يتم تأبين محمد عاكف بهذه الصّفة من خلال احتفالات رسمية في الذكرى السنوية لإقرار نشيد الاستقلال في البرلمان التركي الأول بتاريخ 12 مارس 1921. بالإضافة إلى ذلك يقوم مُحبُّوه بزيارة قبره في 28 ديسمبر كل عام حيث ذكرى وفاته، ويعبرون عما يحملونه له من مشاعر الاحترام والمودة والتقدير والعرفان والامتنان.

وقد حدث ذلك هذا العام أيضاً. فقد شارك هذا العام في حفل تأبينه عند قبره الموجود بمقبرة الشهداء في منطقة "أدرنة كابي" بإسطنبول حاكم إسطنبول ورئيس بلديتها.

محمد عاكف ليس شاعرًا وطنيًا عظيمًا كتب نشيد استقلالنا، وسطّر ملحمة جناك قلعه (الدردنيل) فحسب، إنه بأشعاره كلّها التي جمعها في ديوانه المسمى "صفحات" والمكون من سبعة أجزاء، وحياته كلها رمز للأخلاق، وقدوة يحتذى به.

هناك قصة معروفة للغاية ترمز إلى عاكف:
ألقى عاكف في أمكان عديدة من الأناضول خطابات مؤثرة وفعّالة لصالح النضال الوطني، وهو نائب عن ولاية "بوردور" أول برلمان تركي. وخلال أيام تواجده في أنقرة كان ينزل في مبنى ملحق بجامع صغير يسمى "تاج الدين دركاهي" في حي بمنطقة "آلتين طاغ" يعرف اليوم باسم "حمام أونو".

إنّه خيِّرٌ، قانع وراضٍ.

في تلك الأيام كانت التواجد في أنقرة كعضو في البرلمان ليس كما هو الحال اليوم من التمتع بمنصب مريح ورفاهية ودعة، إنما كان يعني تحمل كل أنواع المعاناة والحرمان والعوز. كان دخله محدودًا. يأكل من القصعة، ويحاول مواصلة الحياة في مهاجع النُزُل والوحدات العسكرية في الغالب.

كانت أنقرة بلدة صغيرة في ذلك الوقت. شتاؤها بارد جدًا، وطرقها، ووسائل النقل فيها وإمكانياتها سيئة وشحيحة. وفي هذه البيئة يعطي محمد عاكف معطفه الذي يستخدمه منذ زمن طويل إلى صديق له مريض رآه محتاجًا للمساعدة.

كان ذا خلقة وبنية رياضية، حتى إنه كانت له بعض قدرة على المصارعة قديمًا علاوة على أنه كان شابًا ورياضيًا.

وفي تلك الأيام أعلن البرلمان عن مسابقة لكتابة نشيد يرمز إلى نضالنا التحرري ويجسده. وكانت الجائزة المالية في المسابقة 500 ليرة، وهو ما كان يكفي لشراء منزل في أنقرة وقتها.

لم يشارك محمد عاكف في المسابقة لأجل جائزتها المالية.

وفي النهاية اقتنع بالمشاركة في المسابقة بإصرار وضغط من حوله، ولكن بشرط: لن يأخذ الجائزة.

قُرئ نشيد الاستقلال في البرلمان التركي عدة مرات من قِبلِ حمد الله صبحي بك، واستمع إليه الحضور وقوفًا على الأقدام، وصفقوا له متأثرين به باكين، وتم قبوله.

أتاح محمد عاكف منح الجائزة المالية لمؤسسة خيرية.

إنه منتصف شهر مارس. يواصل التجوال في شوارع أنقرة بدون معطف، ولكن مرفوع الرأس.

لماذا كتبت الآن هذه القصة التي يعرفها معظمنا بطريقة أو بأخرى؟

يوم صدرت أخبار تأبين محمد عاكف في ذكرى وفاته كان هناك خبران آخران في الصحافة.

الخبر الأول: رئيس جامعة في إحدى ولاياتنا الشرقية أمر بسيارة رسمية لنفسه: وقد حدّد شخصيًا مواصفاتها: أن تكون تمشي بسرعة أكثر من 200 كيلو متر في الساعة، مقاعدها قابلة للتدفئة، بها هاتف يعمل بالأقمار الصناعية، أهل الخبرة كتبوا أن قيمتها ما يقرب من 700 ألف ليرة تركية.

إن المزعوم الذي طلب هذا الطلب رئيس جامعة.

ربما أنه ينحدر من بيئة متوسطة الحال، إنه لا يرى بأسًا في أن يُهدر بلا حدود إمكانيات الدولة من أجل مسافة يمكن قطعها مشيًا على الأقدام في ولاية صغيرة وفقيرة.

الخبر الثاني: عن البرلمان، أحد أعضاء البرلمان التركي الذي وُضع أساسه بمشقّة ونضال وكفاح وضع قدميه على الطاولة، وأوقف قبالته رجلين شابين يتقاضيان راتبيهما من خزانة الدولة، وصورهما، وكتب أعلى الصورة "خادماي"، ونشرها.

أحدهما من المجلس الأعلى للتعليم، والثاني من البرلمان التركي. مشهد لشخصين من وطننا.

فهل من المهم أن نتذكر محمد عاكف أرصوى أم أن نفهمه في مثل هذه البيئة؟

إنكم إن لم تتحدثوا عن الصدق والعدل والحقّ وصاحب الحقّ حين تتذكرون محمد عاكف، ولا تعترضوا على الظلم، والفساد والوقاحة ولا تتمردوا عليها، فقد ذكرتموه، ولكن هل تكونون قد فهمتموه؟  ترى هل تذكّره دون فهمه يريح روحه العزيزة، أم أنه يزعجها؟

فيما يفيد تنظيم الاجتماعات وإلقاء التصريحات والكلمات بشأن عاكف والظهور على الشاشات وفي الصحافة حديثاً عنه ما لم نفهم قناعته ورضاه وتواضعه؟

قُرأ القرآن عند قبره، ما أجمل ذلك، نسأل الله القبول.

إن من يعتبرون هذا كافياً ليست لديهم معرفة بعاكف بما فيه الكفاية، إن معرفتهم ظاهرية.

"فلتعلموا حقاً أنه لم ينزل القرآن:
كي يُقرأ في المقابر، ولا كي يُنظر من خلاله في الطّالع أو يُقرأ الفنجان"

إنه ينصح ليس بمجرد قراءة إحدى الآيات غيابيًا، وإنما بمعرفة معناها قائلًا:
"لا يكون عبرة لنا ولا درساً، أن نقرأ كل يوم حفظًاً
أم أنه لا يبحث على الإطلاق عن معنى في هذه الآيات؟"

في بيئة كهذه بلغ الظلم فيها والوقاحة والجهل والتعدي عنان السماء، وانتُهكت القيم التي ضحّى بحياته من أجلها ماذا يفيد تذكر إنسان، دون فهم نضاله وأخلاقه، يوضح أنه لا فائدة من تلاوة القرآن دون معرفة معناه أو ماذا ينقص إن لم يُذكر ويُأبَّنُ؟

ما الفائدة إن كانت الوقاحة والطمع والجشع والبؤس وغياب التواضع والغطرسة والتكبر قد لفت البلاد يوم أن احتفلنا بمحمد عاكف...

خاصةً إن كانت مثل هذه الأمثلة تحدث في وسط بيئة يسمّى " لا مجال بيننا للكبرياء ولا للتكّبر على الشعب"...
إن الإنسان لا يستطيع قول أي شيء.

ومن الأفضل  ترك الكلام للمرحوم محمد عاكف مجددًا:
"اللهم أظهر معجزة واحدة فتنجو هذه الأمة،
اللهم أعطنا شعور الحياء من خزائنك العظيمة."

 

يمكن قراءة المقال باللغة التركية أيضاً:

https://ahvalnews.com/tr/akp/akifi-anmislar
الآراء الواردة في هذا المقال تعبر عن رأي المؤلف ولا تعكس بالضرورة رأي أحوال تركية.