تراجع أردوغان.. التطبيع مع أوروبا عبر بوابة فرنسا

بعد تصريحات حادة واتهامات متعددة لبعض الدول الأوروبية بالفاشية ابان حملة الاستفتاء على  التعديلات الدستورية، تراجعت تركيا وأعلن رئيسها، رجب طيب إردوغان، عن أن أولى رحلاته الخارجية في عام 2018 وخصصها لفرنسا للتطبيع مع أوروبا، فتركيا، حسب تعبيره، بحاجة إلى زيادة عدد أصدقائها وليس أعدائها.
الرجوع للخلف إستراتيجية واضحة للقيادة التركية، كشفتها أنماط التصعيد وسياسات التهدئة مع كثير من الدول، حيث يتبني الرئيس التركي مواقف متصلبة ومتصاعدة الحدة حيال بعض القضايا الخارجية لتحقيق مكاسب شعبية على الساحة المحلية، ثم سرعان ما يسعى إلى التهدئة والاعتذار بدعوى الحفاظ على المصالح الحيوية.
إستراتيجيات إردوغان غدت واضحة لشركائه الأوروبيين، حينما يحل ضيفا ثقيلا على الرئيس الفرنسي، إيمانويل ماكرون، والذي كان اشتكي في أول عهده من سوء حاله وعدم إعجابه بوظيفته بحسبانه مضطرا كل أسبوعين للحديث مع الرئيس التركي، معتبرا أنه أقرب إلى الرئيس الروسي فلاديمير بوتين والأمريكي دونالد ترامب، في إشارة إلى كونه رئيس شعبوي.
زيارة فرنسا ليست المحاولة الإوردغانية الأولى لإذابة الجليد الذي يعوق الحركة نحو أوروبا، فتراجع أنقرة دفع أردوغان الشهر الماضي إلى قطع عزلته الأوروبية لأشهر طويلة بفعل الأزمات المتلاحقة بين أنقرة وبروكسل، عبر الذهاب إلى اليونان في أول زيارة من نوعها منذ 65 عام. 
سعى وزير الخارجية التركي بدوره إلى احتواء حدة التصعيد التي باتت تكتنف علاقات تركيا مع برلين، بعد اتهام الرئيس التركي، المانيا وهولندا بـ "ممارسات نازية" لمنع البلدان تجمعات انتخابية على اراضيهما تمهيدا لاستفتاء حول تعزيز صلاحياته.
تخلت تركيا أيضا عن إستراتيجية "تجميع الرهائن" الأوروبيين، بعدما أفرجت عن صحفيين ألمان وفرنسيين، كانت قد احتجزتهم بدعوى التورط في دعم الإرهاب، من دون استكمال إجراءات المحاكمة سعيا إلى تعديل مسار علاقات تركيا مع الاتحاد الأوروبي. 
ورغم التنازلات التركية المتتالية، يبدو أن الدول الأوروبية التي رفعت الحظر عن رحلات إردوغان إلى الشمال الأوروبي تبتغي محض إدارة التوتر مع تركيا وليس إنهاءه، على نحو كامل، بالنظر إلى عدد من المحركات.
يتمثل أبرزها، في طبيعة التعقيد والتشابك بين قضايا التفاعلات الثنائية، لاسيما أن هناك تقديرات مختلفة، حيال قضايا الصراع الإقليمي في سوريا والعراق وليبيا، كما تبدى الدول الأوروبية رفضا لسياسات الابتزاز التركي للجانب الأوروبي، عبر تكتيكات التلويح بدعم الإرهاب وملف اللاجئين.
ترفض بلدان أوروبا كذلك مقاربات تركيا حيال العلاقات مع روسيا، والتوجه نحو شراء منظومة الصورايخ (S-400)، وتختلف تقديرات الجانبين بشأن تصنيف القوى الكردية على الساحة السورية، وأيضا إزاء استراتيجيات حل الصراع في سوريا.
ويعد ملف عضوية تركيا في الاتحاد الأوروبي عاملا ضاغطا على مسار العلاقات بين الجانبين، وأعلنت المستشارة الألمانية تأييدها الكامل لوقف مفاوضات العضوية، معتبرة أن تركيا لن تكون من دول الاتحاد الأوروبي، مشيرة إلى وجود اختلافات كبيرة في مواقف برلين وأنقرة تتعلق بحرية الصحافة وحملة الاعتقالات للمعارضة.
مقابل ذلك، لا تزال تراهن القيادة التركية على انتهاء مواسم الانتخابات لدى الجانبين، بما يستدعي المحافظة على مصالح تركيا التجارية مع أوروبا، وبحث سبل عودة السياح الأوروبين، والعمل من أجل جذب الاستثمارات الأوروبية، في ظل تراجع مؤشرات أداء الاقتصاد التركي. 
تسعى تركيا كذلك لإعادة مفاوضات العضوية الأوروبية بعد أن جُمدت تماما في العام الماضي، بعد قيام المجلس الأوروبي بوضع تركيا تحت "الرقابة القانونية"، بما يعني عمليا إنهاء مفاوضات العضوية. 
الطموح التركي نحو بداية جديدة اصطدم بدعوات المستشارة الألمانية إلى وقف تام لمفاوضات العضوية، وإدارة العلاقات مع أنقرة نحو محض شراكة مميزة، فيما عبر الرئيس الفرنسي، عن مخاوفه مما أسماه "انحرفات مقلقة" بشأن تعاطي تركيا مع قضايا حقوق الإنسان. 
يذهب إردوغان إلى فرنسا من أجل تقليل الأعداء، حسب تعبيره، وليس ثمة ضامن ألا يعود كما ذهب إلى اليونان خاوي الوفاض. 
الرئيس الفرنسي، أعلن توجهه لفتح ملفات شائكة تتعلق بأوضاع الصحافيين في تركيا، وعمليات التنكيل بالمعارضة السياسية، وسياسات العزل والإقصاء التي يتعرض لها الآلاف من المواطنين الأتراك، في ظل فرض حالة الطوارئ. 
يعي أدوغان كما يدرك ماكرون أن تركيا أبعد ما تكون عن أوروبا بسبب سياسات الرئيس التركي، الذي يرى بدوره أن صعوبة زيارة ألمانيا في ظل الرفض لسياساته الداخلية وتوجهاته الخارجية، تدفعه إلى البدء من مكان ما، إعمالا لقاعدة "فن الممكن". 
بيد أن الطمع الإردوغاني في الكرم الأوروبي، يصطدم بالارتدادات العكسية لتصريحاته المهينة للعديد من قادة الدول الأوروبية وشعوبها، ودعوته الصريحة لعدم التصويت للزعماء الحاليين في الانتخابات التي شهدتها عدد من دول الاتحاد الأوروبي، فيما اعتبر دعما لتيارات اليمين المتطرف. 
أثمان سياسية تدفعها العلاقات التركية – الأوروبية، رغم تكتيكات إدوغان للتراجع ومحاولاته لإعادة التطبيع، لأن ما أقدم عليه الرئيس التركي، غير مسبوق في تاريخ علاقات الجانبين.
ويرى إردوغان أن أوروبا تمثل تهديدا مباشرا لأمن تركيا، واتهمها بالمشاركة في المحاولة الانقلابية، وفتح أبوابها للتنظيمات الإرهابية، ودعم جماعة فتح الله كولن. 
مقابل ذلك، اعتبرت أوروبا أن شعبوية أردوغان جرأته على إهانة قادة هولندا، فيما الجيش الهولندي تندمج وحداته تدريجيا في الجيش الألماني، لتشكل نواة الجيش الأوروبي الموحد. كما أنه أقدم على إرسال خلايا تجسس داخل بلدان أوروبية على مواطنين أوروبيين من أصل تركي، وحاول اغتيال البعض منهم. 
لم تقف سياسات تركيا عند هذا الحد، بل شكلت أحد أدوات الضغط على الحكومات الأوروبية من أحزاب المعارضة، بدعوتها إلى اتخاذ مواقف حاسمة حيال التجاوزات التركية فيما يخص قضايا دعم الإرهاب، والتوظيف السياسي لقضية اللاجئين، والتدخل في الشؤون الداخلية للبلدان الأوروبية، فضلا عن الابتعاد عن قيم الديمقراطية الغربية. 
لذلك فقد يكون أردوغان اليوم في فرنسا، ولكن بلاده بسبب سياساته ليست فقط أبعد ما تكون من قيم أوروبا، وإنما عن أوروبا ذاتها.
طالما استمر الرئيس التركي في دعم الجماعات الإسلامية، بأطيافها المختلفة، وبدت سياساته منسجمة أو قريبة منها، سيظل إردوغان بعيدا عن أوروبا، ربما كان قريبا منها في بدايات حكمه، عندما نجح في التنسيق والتعاون والتفاهم حيال النظرة الواسعة للتيار الإسلامي المعتدل، لكن إصراره على الانحراف بقوة نحو اليمين الإسلامي والهواجس التي تثار حول طبيعة العلاقة، قلل من فرص الرهان عليه غربيا.